المحاضرة بعنوان المؤمن بين نعمتي السراء والضراء، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١١ رجب ١٤٣٥هـ ألقاها
يشرح الحديث النبوي حول حال المؤمن في السراء والضراء، ويبين أن المؤمن يشكر في السراء ويصبر في الضراء. هذا يجعل كلتا الحالتين خيرًا له بإذن الله.
يتحدث عن أهمية التقرب إلى الله والتوكل عليه، وكيف أن الله يرعى العبد ويوصل إليه المنافع. البلاء يمكن أن يكون خيرًا للمؤمن إذا زاد من تقربه إلى الله.
الابتلاء يحمل حكمًا عظيمة، منها تعزيز عبودية القلب لله وتقوية الرابطة بين العبد وربه. المسلمون الأوائل صبروا وثبتوا على دينهم رغم الاضطهاد.
يُظهر أهمية الدعاء بالصبر عند الابتلاء والشكر عند النعم، ويؤكد على قرب الله واستجابته للدعاء. يُنهي بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فنتذاكر في هذا الوقت حديثًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، لعل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا به. روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، من حديث أبي يحيى صهيب الرومي رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له». وهذا حديث عظيم من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والناظر فيه والمتأمل يرى أن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ذكر حالين يمر بهما المسلم، ولا محالة. هذان الحالان هما السراء والضراء. وهذه حكمة من الله تبارك وتعالى أن يبتلي العبد بالخير ويبتليه كذلك بالشر، كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. فالله جل وعلا يبتلي عباده، وبلاء الله جل وعلا لعباده المؤمنين غير بلائه لأعدائه. لأن بلاء الله جل وعلا وابتلاء الله جل وعلا لعباده المؤمنين فيه حكم عظيمة، ومنن من رب العالمين تبارك وتعالى كريمة. ومنها ما ذُكر في هذا الحديث: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير». كله له خير، فهو متقلب في الخير على جميع أحواله، وفي جميع ما يمر به من أمور يحبها أو يبغضها، ما دام هذا العبد يسير إلى الله تبارك وتعالى، راضٍ بقضاء الله جل وعلا، مقتنع بحكم الله جل وعلا فيه، فهو في خير. وحكمة من الله تبارك وتعالى عظيمة أن خلق الله تبارك وتعالى الضدين: الخير والشر، السعادة والشقاوة، الكرب والفرج، الضحك والبكاء، الفرح والحزن، إلى غير ذلك من الضدين التي يخلقها الله تبارك وتعالى. وكما قيل: «والضد يظهر حسنه الضد»، أي: الشيء يعرف قدره ومكانته إذا عرف بضده. وكذلك كما قيل: «وبضده تتبين الأشياء». فلولا المرض لما عرف قدر الصحة، ولولا الحزن لما عرف قدر الفرح. ولولا ما يبتل الله تبارك وتعالى العبد من نغص في ماله، من نغص في ولده، من نغص في جسده، لما علم نعم الله تبارك وتعالى في تلكم الأمور. فخلق الله جل وعلا للضدين لحكمة عظيمة جليلة، وقف عندها العقلاء منبهرين من عظيم فضل الله تبارك وتعالى في خلقه. فمن ذلكم -كما سمعتم- أن الله تبارك وتعالى يخلق الضدين لأجل أن يعرف العبد أولاً قدر ربه جل وعلا، وأن ربه تبارك وتعالى بيده الأمور، هو الذي يسيّرها كيف شاء بحكمة بالغة وخبرة تامة وعلم محيط منه سبحانه وتعالى. ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ فهو يخلق ما يخلق بإلطاف منه سبحانه وتعالى، وبعلم كامل محيط منه سبحانه وتعالى. فما يجعله الله تبارك وتعالى للعبد، وفي العبد من صنوف الابتلاءات، سواء كان ذلك البلاء بالخير أو بالشر، هذه في الحقيقة شيء من الهبات والعطايا التي يعطيها ربنا تبارك وتعالى لعباده المؤمنين. فأهل الإيمان الحق هم الذين يقفون على كل عطاء من عطاء ربهم جل وعلا وقفة العبد المعترف بإنعام ربه جل وعلا، وبفضل ربه جل وعلا، وبقدر ربه جل وعلا. «إن أصابتهم سراء شكروا فكان خيرًا لهم، وإن أصابتهم ضراء صبروا فكان خيرًا لهم». ومنها كذلك أن يعرف العبد أنه بالله لا بنفسه ولا بحوله ولا بقوته، بل إن الله تبارك وتعالى هو الذي يصرفه كيف شاء، هو الذي يجرب له ما يجرب من المنافع التي قد لا يتصورها ذلك العبد ولا يتوقعها. فيرزقه الله جل وعلا من حيث لا يحتسب، ويدفع عنه ربنا تبارك وتعالى من المكاره ما لا يعلمها ولا يتصورها ولا خطر على قلبه. فالله تبارك وتعالى يرعى العبد رعاية عظيمة، فيوصل إليه ما يوصل من المنافع، ويدفع عنه ما يدفع من المكاره. وربك سبحانه وتعالى لطيف ورحيم ورؤوف وغفور سبحانه وتعالى وشكور. إذا تقرب العبد منه جل وعلا وصدق في ذلك التقرب، وفي الالتجاء إلى الله جل وعلا، وأخلص في ذلك الالتجاء، واضطر إلى التقرب إلى ربه جل وعلا اضطرارًا كاملاً، بحيث أنه يقطع كل سبب يمنع أو يخرج ذلك الكمال الذي يتوجه به العبد إلى ربه جل وعلا، فإذا حصل التوجه التام من العبد إلى ربه جل وعلا، جاءه من الفتوحات الربانية، وجاءه من الفرج الرباني، وجاءه من المخارج الربانية الشيء العظيم. ألا نقف وقفة المؤمن المصدق لقول ربه جل وعلا: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. هذه وعود، هذه وعود من الله، وعود من الله رب العالمين جل وعلا: أن العبد إذا صدق مع الله وتوجه إلى الله، وصدق في تقواه لله جل وعلا، ولجأ وفوض أمره إلى الله جل وعلا، فإن الله تبارك وتعالى يجعل له مخرجًا من كل ضيق، ومن كل كرب، ومن كل هم، ومن كل حزن. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «ما يصيب المؤمن من هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله عنه من خطاياه». فضل عظيم، وعطاء عظيم من الله رب العالمين جل وعلا. وهكذا جاء في الصحيحين أيضًا من حديث عبد الله بن مسعود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المؤمن من هم ولا حزن، شوكة فما فوقها، إلا كفر الله عنه من سيئاته، وحطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها». وهذه فضائل عظيمة، وهذه عطايا عظيمة. ورب بلاء يلازم العبد حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة. جاء في مسند أحمد بإسناد حسن من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -وقد سأله سعد بن أبي وقاص- فقال: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل. يبتل المرء على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة ابتلي بلاء شديدًا، وإن كان في دينه رقة خفف له من البلاء». ثم قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة». فضل عظيم من الله رب العالمين جل وعلا، فلا يظن الظان أن ما يبتليه الله جل وعلا به من صنوف البلاء: من هم، من حزن، من غم، من أذى، من ضراء، إلى غير ذلك، أن ذلك شرًا له. بل هو خير، لو كان ذلك البلاء سببًا لازدياد تقربه من الله تبارك وتعالى، ولازدياد لجوئه لله جل وعلا، ولازدياد دعائه وتضرعه وتفويضه أمره لله رب العالمين جل وعلا. وليعلم العبد أن الأمور كلها بيد الله جل وعلا، وأن ما يصيبنا من البلاءات لا شيء بالنسبة لما مضى، وبالنسبة لما ابتلي به الأنبياء، ولما ابتلي به الصالحون والخيرون في كل زمان، وفي كل مكان. في أول البعثة في مكة، حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بدأ يدعو إلى التوحيد وإلى الإسلام، وأسلم معه من أسلم من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، حصل لهم صنوف من البلاء والضيق والمكدرات. وربما حصل لبعضهم أن قتل في ذات الله جل وعلا، وفي سبيل الله جل وعلا. ومنهم من غيروا وما يبدلون، حتى إن بعض الصحابة ربما أتى إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيقول: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر الله لنا؟ فيقول له نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «لقد كان الرجل فيمن كان قبلكم يؤتى به، فتحفر له الحفرة، ويوضع المنشار على رأسه، ويقال له: ارجع عن دينك وإلا قتلناك». قال: «أو قال: وتحفر له الحفرة، ويوضع المنشار على رأسه حتى يشق نصفين، وكذلك يخمش بين جلده ولحمه». قال: «ما يرده ذلك عن دينه شيئًا». «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من حضرموت إلى صنعاء، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه». فحصل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالحاصل أن مسألة البلاء، ما يبتلي الله جل وعلا به العباد، هذا أمر وارد، وهذا -كما سمعتم- لحكم عظيمة. لو لم تكن من الحكم إلا أن يستشعر العبد بأنه عبد لله جل وعلا، ذليل لله جل وعلا، مختقر لله جل وعلا، محتاج إلى الله جل وعلا في كل شيء، في كل صغيرة وكبيرة. لو لم يكن إلا هذه الحكمة لكفى بها حكمة عظيمة، ونعمة عظيمة على العبد، ينبغي له أن يشكر الله تبارك وتعالى عليها ليلاً ونهارًا. لأن هذا عطاء من الله أن يوفقك الله جل وعلا للجوء إليه، والرجوع إليه، والتوكل عليه، والاعتماد عليه. وكذلك توثيق الصلة والرابطة بالله رب العالمين جل وعلا. وما أحوجنا جميعًا إلى هذه المعاني التي هي من أعظم معاني العبودية، التي هي من أعظم معاني العبودية: عبودية القلب لله رب العالمين جل وعلا. وعلى فقوله صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن»، حقًا للمؤمن أن يتعجب من عمله، إذ أنه سائر بين ضدين: بين السراء والضراء، بين ابتلاء الله جل وعلا له بالسراء، وبين ابتلاء الله جل وعلا له بالضراء. ومع هذا يتقلب بين عبادتين عظيمتين: بين عبادة الشكر لله رب العالمين جل وعلا في السراء وعند النعماء، وعبادة الصبر عند البلاء والضراء. وهما عبادتان جليلتان. أن يكون العبد من الشاكرين لله رب العالمين جل وعلا إن أعطي، قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾، والله جل وعلا يحب الشاكرين من عباده. وهكذا عبادة الصبر عبادة عظيمة إذا ابتلي العبد فصبر، فهو على عبادة، وفي عبادة عظيمة. لو لم يكن من فضلها إلا قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. فنعم عظيمة ينعم بها ربنا تبارك وتعالى على عباده، قد لا يتصورها. لكن انظر إلى فقه السلف رضي الله عنهم وأرضاهم، يقول أحدهم: «لولا الابتلاء، لولا المصائب، لولا البلاء، لأتينا يوم القيامة مفاليس». أي: عندنا ذنوب، وعندنا تقصير في الأعمال، فما يكفر الذنوب من أعظم مكفرات الذنوب ما يبتل الله جل وعلا به العبد من المصائب، ومن الضر، وما شابه ذلك من المنغصات، والهم، والحزن. فنسأل الله تبارك وتعالى بمنه وكرمه أن يجعلنا جميعًا ممن إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي خيرًا شكر. إنه قريب مجيب. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.