المحاضرة بعنوان كيف نحقق التقوى في رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 1 رمضان 1433هـ ألقاها
يتناول المقطع الأول موضوع تحقيق التقوى في شهر رمضان، موضحًا معنى التقوى وضرورتها في حياة المسلم. يشير إلى أن الصيام على الوجه المرضي لله يحقق التقوى للإنسان.
يفصل المقطع الثاني كيفية تحقيق تقوى الله من خلال إتمام أركان الصيام وشروطه وواجباته، وإتباعها بالنوافل مثل الصلاة والصدقة وقراءة القرآن، مما يؤدي إلى نيل محبة الله وحفظه للعبد.
يناقش المقطع الثالث بعض الأخطاء التي يقع فيها الصائم خلال رمضان، مثل مشاهدة المحرمات والإهمال في الصلاة والسب والشتم، ويحث على ترك هذه الأفعال لتحقيق التقوى.
يختتم المقطع الرابع بالتسبيح وتنزيه الله تعالى وتقدير عظمته، والاستغفار والتوبة إليه، معربًا عن الشكر لله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فنتذاكر في هذه الدقائق وفي هذا الوقت أمرًا نحتاج إليه جميعًا، فنسأل الله عز وجل أن يعيننا وأن يوفقنا إلى إصابة الحق فيه. هذا الأمر هو أن قائلًا قد يقول: الله جل وعلا قال في كتابه الكريم: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، إذًا أراد منا ربنا جل وعلا بالصيام ومن الصيام وفي الصيام أن نحقق التقوى. فيقول قائل: فكيف نستطيع أن نحقق التقوى وأن نحقق هذا المقصد الذي أراده الله جل وعلا منا، ولا سيما ما في هذا الشهر المبارك العظيم الكريم، شهر مغفرة الذنوب؟ فالجواب: والله أعلى وأعلم، أن مسألة تحقيق التقوى لله رب العالمين، ولا سيما في هذا الشهر الكريم المبارك، تتحقق بأمور كثيرة. ومن تلكم الأمور أولًا: أن يعلم الإنسان ما معنى التقوى من حيث معناها، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. فالتقوى -كما هو واضح- مأخوذة من مادة وقع، أي الواو والقاف والحرف المعتل. وهذا المعنى -كما هو ظاهر- يدل على وقاية، أي حماية وتحصين وحراسة وحذر من الوقوع في شيء مخوف. وهذا هو حقيقة. وكذلك في الشرع، فالناظر في دلالات القرآن، آيات القرآن والأحاديث النبوية الدالة على التقوى، يجدها أنها لها علاقة واضحة كبيرة بالمعنى اللغوي، إلا أن المعنى الشرعي -كالعادة والمعروف والأكثر الأغلب- أنه يكون إما مخصصًا لعموم ما جاء في اللغة أو مقيدًا لما جاء فيها. وهناك ذلك؛ لأن التقوى في الشرع المقصود منها وقاية مصحوبة بأمر آخر. هذا الأمر هو وقاية مع النظر إلى الرب جل وعلا عند تلك الوقاية، بمعنى أنه يفعل ما يفعل بنور من الله جل وعلا ابتغاء وجه الله جل وعلا، ويترك ما يترك كذلك بنور من الله جل وعلا، وأيضًا ابتغاء وجه الله جل وعلا. فإذا وقاية مصحوبة بابتغاء وجه الله، وعلى أن تكون على نور من الله، أي أن الله جل وعلا أمرك بأمر، فالتقوى أن تحقق ذلك الأمر الذي أمرك الله جل وعلا به بما استطعت إليه سبيلًا. ونهاك ربك جل وعلا عن أشياء، فالتقوى حقيقتها أن تجتنب ما نهاك الله جل وعلا عنه. وإذا حقق الإنسان ذلك تحصل على التقوى. لذا ذكر عن طائفة من السلف كلام معناه يدور حول هذا المعنى، يعني قال: يقال له: ما معنى التقوى؟ فيقول: تخيل أنك في أرض فيها شوك وأنت تسير، تتقي برجليك هذه الشوك، هذه من التقوى. هكذا الإنسان في سيره إلى الله جل وعلا، في سيره إلى الله جل وعلا يمر به شوك، بل الشوك أشد من الشوك؛ لأن الشوك الحس الإنسان يراه فيجتنبه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. وإذا وقع في شيء سريعًا ما يرفع قدمه منه لشدة ألمه؛ لأن الأمور المحسوسة أشد على القلب من حيث المعرفة واليقين، بخلاف الأشياء غير المحسوسة المعنوية. فأوامر الله جل وعلا التي أمرك الله جل وعلا بامتثالها، نواهي التي نهاك الله جل وعلا باجتنابها، تخيل أنك سائر إلى الله وأمامك هذه النواهي التي نهاك الله جل وعلا عن الوقوع فيها، فتسير إلى الله، أنت تتقي تتقي أن تقع في شيء من النواهي التي نهاك الله جل وعلا. لعنى إذا تخيل الإنسان هذا المعنى وتصور هذا المعنى، علم المعنى أولًا الذي أراد عنه الذي أراد السؤال عنه، وهو التقوى ومعنى التقوى. إذًا هذا الأمر الأول، ومنه ننتقل إلى الأمر الثاني. وهو إذا كان الأمر كذلك، فالإنسان مطلوب منه أن يحقق وأن يتقي الله، أن يحقق التقوى وأن يتقي الله جل وعلا في سيره إلى الله جل وعلا أبدًا دائمًا وأبدًا؛ لأن التقوى من الأمور والعبادات المحبوبة إلى الله جل وعلا، الله جل وعلا يحبها ويحب أصحابها، يحب أصحابها. قال الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، الله معك إذا أنت اتقيت الله جل وعلا، الله معك بالحفظ والرعاية والحماية. فإذًا التقوى مرغب فيها دائمًا وأبدًا، ولا سيما في الأزمنة المحبوبة إلى الله جل وعلا والأمكنة المحبوبة إلى الله جل وعلا. فالأزمنة المحبوبة تشتد محبة الله جل وعلا فيها للتقوى، وكذلك الأمكنة والأزمنة، ومنها من هذه الأزمنة هذا الشهر. قال الله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فإذا علم هذا انتقلنا إلى الأمر الثالث، وهو كيف نستطيع أن نحقق التقوى في شهر رمضان؟ الناظر في الآية المذكورة يجد أنها تدل العبد على هذه الحقيقة وعلى هذا المعنى؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وكما قال المفسرون من السلف: "لعل" من الله نافذة. ومعنى هذا: أن من حقق الصيام على الوجه المرضي لله رب العالمين جل وعلا، فإنه لا بد أن يتحقق له معنى التقوى. هذا هو الجواب إجمالًا. الإنسان إذا حقق الصيام، وإذا قام بالصيام على الأمر وعلى الوجه الذي أراده الله جل وعلا وأحبه ورضيه، فمن ثماره أن يشعر وأن يجد الإنسان التقوى التي أمره الله جل وعلا أو التي حثه الله جل وعلا على تحصيلها؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، كأن محذوف، لماذا قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؟ إذًا إذا حقق الإنسان الصيام، فصام شهر رمضان على الوجه الذي أحبه الله جل وعلا ورضيه، فإنه من أعظم الأسباب المعينة على تحقيق تقوى الله جل وعلا. وهذا -كما سمعتم- جواب إجمالي. والجواب التفصيلي: للأمور المعينة على ذلك منها أولًا -كما سمعتم- أن يقوم الإنسان بصيام من حيث الأركان والشروط والواجبات على وجهه. وإن أتبعه بالمستحبات، فهذا -أو فهذه كذلك- من الأسباب المعينة على تحصيل تقوى الله جل وعلا أكثر وأعظم. والعبد كلما أتى بالفرائض على وجهها، ثم أتبعها بالنوافل، كلما كان ذلك سببًا لنيل محبة الله جل وعلا للعبد، ولنيل كذلك الحفظ من الله جل وعلا للعبد. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -قال-: «قال الله جل وعلا: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». هذه أعظم القربات التي تقربك إلى الله، والتي تكون سببًا لتحصيل تقوى الله جل وعلا. ثم قال ربنا جل وعلا في الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل بعد أن أتى بالفرائض». العبد الصالح التقي لا يستغني بذلك، بل لا يزال -قال الله جل وعلا في الحديث القدسي-: «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل». و«لا يزال» -وهذا الأسلوب الفعل المضارع مع النفي- يدل على الاستمرار والديمومة، مستمر ودائمًا وهو يسير إلى الله ويتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة. «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل»، إذًا أنت أيها الصائم إذا تقربت إلى الله جل وعلا بفعل هذه الفريضة على الوجه المرضي، بأدائها على الوجه المرضي، ثم أتبعتها بالنوافل، أكثرت من الصلاة، من الصدقة، من الاستغفار، من قراءة القرآن، من عيادة المريض، من صلة الأرحام، إلى غير ذلك من الأعمال، تبتغي بذلك وجه الله، هذه أسباب عظمى في تحقيق التقوى في هذا الشهر. قال الله في الحديث القدسي: «ولا يزال عبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». يعني إذا جمعنا ونظرنا إلى معنى هذا الحديث: «ولا يزال عبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». «حتى» -كما يقول علماء اللغة والبلاغة والمعاني- تفيد الغاية. ومعنى هذا: أن العبد لا يزال جادًا مشمرًا في السير إلى الله رب العالمين لأجل ماذا؟ لأجل أن ينال محبة الله جل وعلا، لأجل أن ينال محبة الله. فهو أتى بالفرائض، ثم أتبعها بالنوافل بأنواع النوافل، تارة بصلاة النافلة المشروعة، تارة بالاستغفار والتسبيح والتكبير والتهليل، تارة بقراءة القرآن، تارة بإعانة أهل الإسلام، إلى غير ذلك من الأمور. «لا يزال عبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»، حتى يصل إلى الغاية التي لأجلها أتعب جسده، بل وأنفق من ماله وأرهق -كما يقال- الجسد والعقل في ذلك، لأجل ماذا؟ لأجل أن ينال محبة الله جل وعلا. فإذا نال محبة الله، فماذا قال الله جل وعلا؟ «حتى أحبه»، فإذا أحببته -أي صار العبد محبوبًا لله جل وعلا- صار من الأولياء الأتقياء؛ لأن الله جل وعلا وصف أولياءه الأتقياء بقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، آمنوا وكانوا يتقون. انظر إلى التقوى كيف توصلك إلى الله، وكيف تقربك من الله جل وعلا. قال: «حيبة لله جل وعلا»، فإذا أحببته -ماذا حصلت؟- نتائج عظيمة. حصلت الوقاية والحفظ من الله جل وعلا للعبد. أنت اتقيت الله جل وعلا في سيرك إلى الله، فكانت ماذا؟ كانت النتيجة والثمرة والفضل من الله رب العالمين: أن أعطاك الله جل وعلا من فضله خيرًا مما تقربت به إلى الله وأعظم وأجل. لماذا؟ أنت اتقيت الله في سيرك إلى الله، «حتى أحبك الله». فلما أحبك الله، كانت النتيجة ما هي النتيجة؟ صرت محفوظًا بحفظ الله جل وعلا لك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله جل وعلا: فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه. يعني: أنظر العبد سار إلى الله جل وعلا وهو على يقظته، يشتبه ما يغضب الله وما يبعده عن الله جل وعلا، يشتبه -كأنه شوك في الأرض- يسير إلى الله على حذر، يبعد ويشتبه يمينًا وشمالًا، يريد بذلك وجه الله جل وعلا. فإذا أحبك الله حفظك الله. إذا أحبك الله بأن حققت التقوى لله رب العالمين حفظك الله، وتحقق معك: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، تحقق هذا أم لا تحقق؟ لأن الله جل وعلا يقول: «كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». ومعنى هذا: أن الله جل وعلا يحفظ العبد في سمعه، فلا يسمع إلا خيرًا، يحفظ في بصره فلا يرى إلا خيرًا، وفي يده فلا يبطش بها إلا في خير، وفي رجله فلا يسير بهما إلا إلى خير. وفي خير، إذًا حقق العبد التقوى، فحقق الله جل وعلا ما يتحقق بالتقوى من السداد. بأن جعله الله جل وعلا محفوظًا بحفظ الله جل وعلا، إليه يسير إلى الله بعد أن حقق محبة الله بحفظ الله جل وعلا له، وبكون الله جل وعلا معه معينًا وحافظًا. إذًا أيها العبد، إن أردت تحقيق تقوى الله في هذا الشهر المبارك الذي نسأل الله جل وعلا أن يعيننا جميعًا على تحقيق تقوى الله جل وعلا فيه، وأن يجعلنا مسارعين في طاعة الله جل وعلا فيه، وفي غيره من المواسم. فإذًا هذه من الأمور، ومن الأمور التي ينبغي أن ينتبه لها الصائم في صيامه -كما سمعتم- إلى جانب ما ذكر من اجتناب ما يكون سببًا لإفطار الصائم، اجتناب كل ما يقدح أو يخدش في صيامك. ومن ذلك: أن تتكلم أو تعمل بعمل باطل فيه إثم، فيه زور، فيه ظلم، فيه قطيعة، فيه شر لأهل الخير والإسلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول -فيما يرويه عن ربه جل وعلا-: «من لم يدع قول زور والعمل به». وقول الزور: لفظ عام يدخل فيه كل معنى باطل، والعمل به يدخل فيه كذلك هذا المعنى، العمل الباطل. قال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾، لا يشهدون الباطل المنكر. ومن الباطل والمنكر الذي يخدش في صيامك أيها الصائم -شعرت أم لم تشعر- استماع ما يغضب الله جل وعلا من الأغاني، مشاهدة ما يغضب الله جل وعلا من الأفلام والمسلسلات. وفي هذه الأيام -كما يقول-: برامج رمضانية، هذا مما يخدش في صيامك، ومما يدل على أنك لم تسعَ في تحصيل تقوى الله في هذا الشهر المبارك، بل أطلقت نفسك تسير حيث سارت وتسير خلفها. وإلا لو حققت تقوى الله لاجتنبت ذلك الوقت، ولما وجدت وقتًا يكفيك لأعمال الخير والبر في هذا الشهر. فكيف تطلق بصرك في النظر في التلفاز، وفيه ما فيه من المناظر القبيحة التي ينبغي لأهل الإسلام بل يجب عليهم اجتنابها؟ تأتي المذيع بأجمل صورة، ينظر -كأنه لا شيء في ذلك- والعكس بالعكس. والمسلسلات فيها ما فيها من الباطل والزور وما شابه ذلك، فهذه أيضًا من الأمور التي تخدش في صيامك وتقواك. وإذا تركتها لله جل وعلا -إذا تركتها لله جل وعلا- وإن كانت نفسك تريدها وتطوقها أو تطيقها، تريد أن تشاهد المسلسلات، ولا سيما ما نُبتلَى بذلك. ولكن تركها لأجل الله، هذا حقق التقوى في هذا الأمر، حقق التقوى في هذا الأمر. ووالله ما إن يترك ما إن يترك هذه الأشياء ابتغاء وجه الله جل وعلا إلا سيجد الخير الكثير قد اندفع إليه في قلبه ودينه وعمله. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه». أنت تترك مشاهدة هذه المسلسلات أو ما شابهها ذلك ابتغاء وجه الله، لا تريد من أحد من الناس جزاءً ولا شكورًا، تريد وجه الله، سيبدلك الله جل وعلا خيرًا منها: قراءة للقرآن، محبة لله ولرسوله ولدينه، وتعظيمًا لله ولدينه وشرعه، إلى غير ذلك من الأمور التي يعطيها الله جل وعلا لمن شاء من عباده. والرب جل وعلا شكور، الرب جل وعلا شكور، يبزي العبد فوق ما يتصور العبد، يبدل الشيء يسير لأجل الله جل وعلا، فيضاعفه الله جل وعلا له أضعافًا كثيرة، هذا فضل من الله. فهذه من الأمور: مشاهدة أو استماع أو عمل بعض المنكرات في رمضان أو في غيره. بعض الناس كأنه في رمضان محبوس من الصباح -الله أعلم- يصلي الفجر أم لا؟ وإذا صلى الفجر نام إلى قبيل المغرب، لا صلاة ظهر ولا عصر. هل هذا حقق الصيام الذي أراده الله جل وعلا منه؟ وهل حقق التقوى التي أرادها الله جل وعلا منه؟ لا، ما حقق ذلك. فإن ترك هذا الإهمال، وأقبل على الله جل وعلا، أقبل على الله جل وعلا ابتغاء وجه الله جل وعلا، أبدله الله خيرًا منه، يجد راحة، سيجد راحة. إذا كان لا يستطيع أن ينام في اليوم إلا عشر ساعات، إذا ترك هذا النوم ابتغاء وجه الله، ما سيجد إلا الخير، سيجد البركة في الوقت اليسير، ينام وقتًا يسيرًا، لكن يشعر بقوة ونشاط كبير، لماذا؟ لأنه ترك شيئًا لله وعمل شيئًا ابتغاء وجه الله. وهذه هي التقوى، وهذه من التقوى. وكذلك من الأشياء التي تقدح وتخدش في صيام الإنسان، وفي تقواه في شهر رمضان: السب والشتم، وأشد من ذلك اللعن. بعض الناس إذا صام كأنما جبل فوق رأسه، ما يريد أحدًا أن يكلمه، ولا أن يدنو منه، ولا أن يخاطبه. إذا خاطبه إنسان صاح وكهر ونفر في وجهه وهكذا. وهذا ليس من الصيام في شيء. الصيام مدرسة آداب، مدرسة أخلاق، مدرسة أخلاق حميدة. لذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نبه على هذا الأمر، فقال في شأن الصائم: «فإن ساببه أحد أو شاتمه أحد، قال: إني صائم». وفي هذا معنى من معاني التقوى، أو في هذا معنى من معاني التقوى؛ أي كأنه يقول: أنا أستطيع أن أجازيك بها، وأن أرد عليك مثلها وأشد، ولكن لأني صائم، لأني صائم منعني صيامي وتقوى لله رب العالمين من أن أرد عليك بشيء من السوء. خذ ما لك من السوء، وسيأتيك وستأتي بي يوم القيامة، أما أنا فلا، إني صائم. ما أحسنها من كلمة تدل على معنى من معاني تقوى الله في شهر الصيام: «إني صائم». أسلم رجل يسب ويشتم، وأنت صائم تقول: «إني صائم»، إني صائم، لا تزيد على ذلك. هو نفسه يستعي على نفسه وينكسر، وإذا كان هناك أناس حاضرون، كان هناك أناس حاضرين يقومون عليه ويقولون: استعي على نفسك. الرجل يقول لك: إنه صائم، إنه صائم، وأنت تسب، إذًا هذا من أبواب تقوى الله، ومن أسباب تقوى الله: أن الإنسان إذا شاتمه إنسان، ساببه إنسان، يقول: «إني صائم». وهكذا. وفي هذا الحديث إلماح إلى غيرها من الأعمال؛ يعني كل إنسان حصل له شيء من القبيح من أقوال أو الأفعال، فليقابلها بالإحسان، يقابلها بالإحسان. أردت تقوى الله، أردت ما عند الله، أردت أن تحقق الصيام، قابلها بالخير: «إني صائم»، إني أريد وجه الله، لا أريد أن أقدح في صيامي أو أن أخدش في صيامي بشيء. إن حقق هذا المعنى العبد، حقق معنى من معاني تقوى الله جل وعلا الذي نسأل الله جل وعلا جميعًا أن يعيننا على تحقيق تقوى الله. وفيما ذكرنا -بإذن الله جل وعلا- كفاية. هو الله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك. شكرًا.