المحاضرة بعنوان الثبات في زمن المتغيرات، وكانت بمسجد الحبش بالديس الشرقية الجمعة ٢٥ جمادى الآخر ١٤٣٥هـ ألقاها
يتناول المقطع مفهوم الثبات في زمن المتغيرات وأهمية التمسك بالحق رغم التغيرات التي تحدث في العالم. يشير إلى أهمية المداومة على الحق والتمسك بدين الله جل وعلا.
يتناول المقطع الفتن التي حدثت بعد موت عمر بن الخطاب واستمرارها عبر التاريخ الإسلامي، مع ذكر أمثلة على ثبات بعض العلماء والصالحين على الحق رغم الاضطهاد والتعذيب.
يُبرز المقطع أهمية الثبات على الحق في مواجهة الفتن والمحن، ويُحذر من تأثير الفتن والرويبضات على المجتمعات الإسلامية، مستشهدًا بقصص تاريخية وأحاديث نبوية.
أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يُصلح لكم أعمالكم، ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يُطِع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. إن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور مُحدثاتها، وكل مُحدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. ثم أما بعد، أيها المسلمون عباد الله، نحمد الله تبارك وتعالى الذي يسر لنا مثل هذه المجالس، التي نتذاكر فيها ما يفتحه الله جل وعلا على المتكلم، وكذا ما يكون به بإذن الله جل وعلا نفعًا له ولسامعه من كلام الله جل وعلا، ومن سنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومما كان عليه وقاله الأخيار في كل زمانٍ ومكانٍ. فهذه المجالس التي نلتقِها مجالس عظيمة، مجالس جليلة، مجالس خيرٍ يُباهي بها ربنا تبارك وتعالى الملائكة، بهذه المجالس التي فيها ذكر الله جل وعلا، وفيها تذكيرٌ بالله جل وعلا، وفيها تعظيمٌ لله جل وعلا، وفيها إرشادٌ إلى الله جل وعلا. عباد الله، عنوان محاضرة كما هو معلوم: الثبات في زمن المتغيرات. وهذا الأمر في حد ذاته أمرٌ عظيم، وجليل، وكبيرٌ، وخطير. أمرٌ عظيم على الحق حتى الممات. أمرٌ جلَل، وأمرٌ عظيم يحتاج من المسلمين إلى أعمالٍ وأمورٍ كثيرة لأجل أن يُثبتهم الله جل وعلا على ذلك. أيها الإخوة، الثبات في لغة العرب معناه المداومة على الشيء. يُقال: ثبت على كذا، أي داوم عليه. ومعنى الثبات على الحق: أي المداومة على الحق. والثبات على الخير: أي المداومة على الخير. فهو بمعنى المداومة على الشيء. هذا معنى في اللغة. وكذلك المتغيرات معناها في اللغة يعود إلى مادة "غيّر"، مادة الغين والياء والراء. وهي مادة تعود إلى أصلين متغايرين. أحدُهما بمعنى الإصلاح، ومنه أُخذت الغَيْرة على الأهل والدين ونحو ذلك. والمعنى الآخر بمعنى مُغايرة الشيء للشيء، مُغايرة الشيء للشيء. وهو المراد هنا. فمعنى المتغيرات: أي الأشياء التي حدثت وتحدث وستحدث من أمورٍ، ومن أقوالٍ، ومن عقائدَ، ومن أحوالٍ، ومن مزاعم وادعاءات تُخالف وتُغاير دين الله جل وعلا. وعلى هذا، فيكون المعنى: المداومة على الثبات على الحق في زمن المغايرات والمغايرات والتغييرات لدين الله جل وعلا، الحق. عباد الله، حصول هذه الأشياء المغايرة لدين الله جل وعلا، والمُنابذة لدين الله جل وعلا، والمُغايرة لدين الله جل وعلا، هذه الأشياء قد أخبر بها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فكانت كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في أحاديثه كثيرة. منها ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عمر رضي الله عنه وأرضاه، أنه قال يومًا لجلسائه ولأصحابه: من يُحدِثني بحديثٍ عن الفتن؟ الفتن التي يحصل بسببها التغيرات والمُتغيرات. من يُحدِثني بحديثٍ -أي سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم- عن الفتن؟ فقال بعض من حضر ذلك المجلس: يا أمير المؤمنين، فتنة الرجل في ماله وأهله. فقال رضي الله عنه وأرضاه: تلك تُكَفِّرها الأعمال الصالحة. أو كما قال. أي تُكَفِّرها الطاعات. ولكن من يُحدِثني عن الفتنة التي تموجُكم موج البحر؟ فقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه -وكان يُلقَّب بأمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أعلم الناس بأحاديث الفتن رضي الله عنه وأرضاه-: أنا يا أمير المؤمنين. فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: إنك عليها لجريء. أي على الإخبار بما أردت الإستخبار عنه. فذكر حذيفة رضي الله عنه وذكر من أمر الفتن، أن قال: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا». تعرفون الحصير، الحصير أول ما يبدأ: عود في عود. هكذا تبدأ الفتن من أشياء يسيرة. والناظر في مجتمعات المسلمين اليوم ليرى مصداق ذلك رأي عين. كيف أن الأمور بدأت أول ما بدأت صغيرة يسيرة حقيرة، فتفاهمت وتكاثرت وعظمت حتى صارت إلى ما صارت إليه. «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا». قال: «فأيما قلب أشربها -أي تقبل تلك الفتن، وتقبل تلك الفتن، ودخل في تلك الفتن، وخاض في تلك الفتن- نكتت فيه نكتة سوداء». أول ما يدخل عليه، أول ما يبدأ بشيء يسير من الفتن، يحصل على القلب أن يُكتَ فيه نكتة سوداء. وهكذا كلما ازداد -كالحصير عودًا عودًا- كلما ازداد ازداد سواد القلب، وإضلال القلب. وإذا أظلم القلب، فلا تسأل عن حال ذلك الإنسان. نسأل الله تبارك وتعالى أن يسلم قلوبنا، وأن يعافيها، وأن يطهرها من الذنوب ما ظهر منها وما بطن. قال: «وأيما قلب أنكرها -أي أنكر الفتنة، وأنكر ما جاء به الفتنة- نكتت فيه نكتة بيضاء». قلب أبيض، وقلب أسود. قال حذيفة -وقد رفع الحديث في بعض رواية إلى النبي صلى الله عليه وسلم-: «حتى تصير القلوب على قلبين: قلب أبيض كالصفاء -الصفاء الحجر الأبيض المنساب- لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض. وآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا -أي مقلوبًا- لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا. لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا». انظر إلى القلب الذي استسهل واستصغر الأمور، ودخل في الفتنة، انتهى أمره إلى ماذا؟ إلى أن صار قلبه أسود كالكوز المجخي المقلوب، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه. ما وافق هواه من أعطاه أكثر، هذا هو الصواب. وما عداه هو الباطل. ولو كان ذلك الغير ظهوره كالشمس في رابعة النهار. ولكنه الهوى إذا دخل في القلوب أعمى الأبصار، وأصم الآذان. عمر رضي الله عنه وأرضاه لما سمع هذا الحديث من حذيفة، ماذا أجاب؟ ماذا قال له؟ قال حذيفة رضي الله عنه وأرضاه بعد أن أخبره بهذا الحديث: «وإن بينك -أي يخاطب عمر رضي الله عنه وأرضاه- وبينها -أي بين الفتن- بابٌ». فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: «أيفتح هذا الباب أو يكسر؟» فقال حذيفة رضي الله عنه وأرضاه: «بل يكسر». فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: «إذن لا يلبث أن يفتح أبدًا». أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه. أي إذا كسر هذا الباب، وهذا الحاجز، فإنه لن يُغلق مرة ثانية. كما كان أبدًا. ثم سأل عمر رضي الله عنه وأرضاه حذيفة: «من الباب؟» الذي كان بابًا وسدًا منيعًا بإذن الله جل وعلا بهذه الأمة من الفتن. قالوا له: «من الباب؟» قال عمر رضي الله عنه وأرضاه. فقال له مسروق رضي الله عنه وأرضاه: «أكان يعلم ذلك عمر؟» أي هل كان يعلم عمر أنه هو ذلك الباب؟ وأنه يُقتل؟ لأن التسريب معناه أن عمر يُقتل رضي الله عنه وأرضاه. قال: «هل علم بذلك عمر؟ وأنه هو ذلك الباب؟» فقال حذيفة رضي الله عنه وأرضاه: «نعم، كما يُعلم أن الغد بعد البارحة». أو كما قال. هذا الحديث عظيم، هذا الحديث فيه بيانٌ من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن الفتنة ستدخل على هذه الأمة وتدفق كذلك بعد موت عمر رضي الله عنه وأرضاه. وقد حصل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فما إن مات عمر رضي الله عنه وأرضاه إلا وبدأت الفتن والعياذ بالله. وكان من أولها أن قُتِل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، وهو خير عباد الله الصالحين في ذلك الزمان. أول فتنة أن يُقتل الخليفة. قُتِل خليفة راشد هادي مهدي من الخلفاء الراشدين. هادي. هل انتهت وانقطعت؟ لا. استخلف علي رضي الله عنه وأرضاه، فقتل علي. فتنة بعد فتنة. فتنة بعد فتنة. بل وقبل ذلك، قبل موت علي رضي الله عنه وأرضاه، حصل من الفتن ما حصل في يوم صفين، وفي يوم الجمل. حصل ما حصل. فتن دخلت على هذه الأمة بعد موت عمر رضي الله عنه وأرضاه، واستمرت بعد أن مات علي رضي الله عنه وأرضاه كذلك. ثم الحسن بن علي، فقتل مسمومًا رضي الله عنه وأرضاه. ثم قتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه. وهما سيدا شباب أهل الجنة. انظر إلى الفتن. علي قُتِل من أهل الجنة. وقبل ذلك عثمان قُتِل من أهل الجنة. وبعدهما الحسن والحسين، وهما سيدا شباب أهل الجنة. فتن فتن. لا يعرف الإنسان فيها معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه. هل توقفت الفتن عند هذا الحد؟ لا. استمرت. بل تفاقمت. وما مر زمان كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلا والذي يليه شر منه. لا يأتي زمان إلا والذي يليه شر منه، حتى تلقى ربكم. لا يظن ظان أن يأتي في آخر الزمان إنسان يحكم كما حكم أبو بكر وعمر. هذا مستحيل. لأنه لا يأتي الزمان إلا والذي يليه شر منه، حتى تلقى ربكم. نعم، في آخر الزمان يخرج المهدي، فيجمع الناس إلى دين الله جل وعلا، فيحكم بينهم بالعدل. لكن بعد ذلك القيامة. لكن بعد موت عمر رضي الله عنه وأرضاه استمرت الفتن، واستشرف طارئها وطارئها. حصل كما تعلمون في زمن بني أمية بعد ذلك ما حصل. ثم بعد ذلك في بني العباس ما حصل. ثم في دولة الدولة العثمانية ما حصل. وفي ثنايا هذه الدول أيضًا حصل ما حصل من أنواع الفتن. من أنواع الفتن. خرجت الخوارج، ورفضت الروافض، وأرجأت المرجئة، والأعوان. وخرجت كذلك القدرية، وخرجت الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، وغيرهم من أهل الأهواء والبدع. حتى إنهم في زمن بني العباس في أوسط دولتهم، كان في زمن المتوكل، وقبل ذلك في زمن أخيه. فتنة عظيمة وهي المسماة بفتنة خلق القرآن. هذه كذلك من أعظم المتغيرات التي حصلت في ذلك الزمن. متغيرات عظيمة. إذ صار الخليفة في ذلك الزمن بسبب جلساء السوء، وحاشية السوء، يدعو الناس إلى أمر هو في حقيقته، وظاهره، وباطنه كفر بالله جل وعلا. صار يدعو إلى هذا الفكر بسبب جلساء السوء من الجهمية المبتدعة الضلال. فدعا إلى القول بأن القرآن مخلوق. تخيل أيها المسلم أن يبتلى بمثل هذا الابتلاء. يأتي الحاكم بعنته وعتاده، وبجيشه وعسكره، فيطلب من الناس أن يقولوا بأن القرآن مخلوق. ومن لم يقل ذلك إما أن يُقتل، وإما أن يُعذب. فتنة عظيمة. فتنة عظيمة. ابتلي بها من ابتلي في ذلك الزمن من عباد الله جل وعلا، من الأئمة رحمه الله تعالى. من ثبته الله جل وعلا بصدق اليقين، ثبته الله جل وعلا أمام هذه المتغيرات، فلم يتغير، بل ثبت على الحق في زمن المتغيرات. أغلب لكم مثالين. الأول: الفضل بن دكين رحمه الله تعالى وغفر له. من كبار مشايخ الإمام البخاري رحمه الله. دُعِيَ إلى هذه المسألة: إلى خلق القرآن. دعاهم الوالي. فقال لهم: «ما تقولون في القرآن؟» فقال: «هو كتاب الله، هو كلام الله، منه بدأ وإليه يعود». قال بعض الحاضرين: «فخشينا عليه». لأنهم في زمن فتنة. إما أن يُعذب ويُحبس، وإما أن يُختلى. بعد أن أجاب بما أجاب الفضل بن دكين، ماذا قال؟ قال: بعد أن نزع زرًا من زرر ثوبه ورماها، قال: «والله على ما أقوله شهيد. والله لنسيت أهول علي من هذا الزر». ورماها. أي ما أبالي إن قلت الحق ونصرت الحق أن أموت بعد ذلك. وأخذ زرًا من ثوبه ورماه. وقال: «وما نصير لك هذه الزرر؟» ثبات عظيم على الحق في زمن متغيرات. ثبات عظيم. في زمن متغيرات على الحق. قال بعض الجلساء ممن كان حاضرًا لذلك المجلس، وكان بينه وبين الفضل بن الدكين شيء -أي شيء من خلاف، ونزاع- قال: «فلما رأيت ذلك الموقف من الفضل بن دكين، قدمت إليه، وقبلته بين عينيه. وقلت: رحمك الله من إمام. أو ثبّتك الله من إمام. حقًا. ثبات عن حق. نصرة للحق. لا يبالي بنفسه. لنفسي أهون علي من هذا الجرح». من يقول هذا؟ من يستطيع إذا رأى السياف أمامه، فيقال له: إما أن تكفر بالله جل وعلا، وإما أن تُضرب عنقك. فيقول: بالحق. ثم يقول: «ما نفسه إلا مثل هذا الزر». ورماه. ونجاه الله جل وعلا، وخرج سالمًا يمشي على قدميه. هذا مثال. وهذا المثال كما تعلمون له مثال سابق في زمن صحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. حينما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة إلى الله جل وعلا، فأسلم معه من أسلم. وكان غالب من أسلم معه صلى الله عليه وسلم من الضعفاء. وهم أتباع الأنبياء. فأخذهم كبراء قريش، وسادات قريش، فعذبوهم عذابًا شديدًا حتى يرجعوا عن دينهم. منهم من قيل له: «إرجع عن دينك، وإلا قتلناك». فهانت نفسه في سبيل الله جل وعلا، فقتلوا. ومنهم والد عمار بن ياسر، وأمه. قتلا في سبيل الله جل وعلا. ولم يغيرا، ولم يبدلا. ومنهم بلال رضي الله عنه وأرضاه. كان يعذب، ويوضع في شدة الحر في البقاع -في الرمل- ويوضع عليه الحجارة، ويسحب، ويُغمر بصبيان أن يرموا عليه الحجارة. فيقال له: «إرجع عن دينك». فلا يزيد على أن يقول: «أحد أحد أحد أحد». قال: «ولو كنت أعلم كلمة أغضبهم بها غيرها لقلتها». حتى مر عليه ورقة بن نوفل. فلما رأى ذلك ثبته، وصبره، وذكر كلامًا معناه: «ما أنت عليه خير». ثم إن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه اشتراه بسيده بثمن باهظ، وأعتقه في سبيل الله جل وعلا. ثبات على الحق. ثبات على الحق. الثبات على الحق في زمن متغيرات. المشركون يزعمون أن ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم باطل. فصاروا يعذبون أصحابه عذابًا شديدًا. ولكن الله تبارك وتعالى يثبت من يشاء بفضله ومنته وكرمه. قُلْنا نُكمل المثالين في زمن فتنة خلق القرآن. الأول: ما سمعتموه من قصة الفضل بن دكين -الفضل بن دكين رضي الله عنه وأرضاه-. الثاني: أو المثال الثاني: ما ذكر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. الذي نُقِب بعد ذلك بإمام أهل السنة والجماعة. الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ممن ابتُلي بتلك الفتنة. فدُعِيَ. ولما كان في الطريق، كان في الليل. وكان سيُصبح على الخليفة. وقد قيل له بأن الخليفة قد شهر سيفه: إما أن ترجع، وإما أن تُقتل. دعا الله تبارك وتعالى ألا يُريه ذلك الخليفة. دعا الله تبارك وتعالى أحمد بن حنبل رحمه ربه تبارك وتعالى في الليل. وكان سيدخل على الخليفة في الصباح. دعا الله تبارك وتعالى ألا يُريهم، ألا يُريهم ذاك الخليفة. قالوا: فلما أصبح، فإذا بالنعي ينعى بأن الخليفة قد مات. استجاب الله تبارك وتعالى دعوة أحمد رحمه الله. فرجع. ثم جاء أخوه المتوكل، فاستُدعي أحمد مرة ثانية، وامتحن، وناظر، وجادل، وأظهر الحق، ونصر، وبيّن. فلما غُلِب أولئك المبتدعة القليل، لجأوا إلى الطرق الدنيئة، والخسيسة. جعلوا يؤزون الخليفة، ويفتون الخليفة بأن يضرب عنق أحمد رحمه الله. فكان من جلسائه طاغية من قضاة ذلك الخليفة. يقال له: أحمد بن أبي دؤاد. رجل خبيث جهمي خبيث. كان يقول: «يا أمير المؤمنين، اضرب عنق أحمد، واجعل ذلك في عنقي». اجعل ذلك في عنقي. أي: أنا أفتيك بذلك. واجعل ذلك في عنقي. اضرب عنق أحمد. والخليفة يتردد. فعُذِب أحمد، وضُرب أحمد ضربًا شديدًا. حتى إنه كان يُخرج في نهار رمضان وهو صائم رضي الله عنه ورحمه الله وغفر له. قالوا: فيضرب ضربًا شديدًا. حتى يُغمى عليه. حتى إن الجلاد ليقول: «لقد ضربت أحمد ضربًا لو ضربه بعير -جمل- لهلك من ذلك الضرب». وأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى كان رجلًا نحيفًا. ومع هذا ثبته الله تبارك وتعالى عند نزول هذه النازلة، وهذه المتغيرات. فأُخمي عليه. فأُخذ. فلما أفاق. وهكذا استمرت معه المجادلات، والمناظرات، والتعديد. حتى مات المتوكل. جاء أخوه بعد ذلك. حصل ما حصل. ثم أُخرج أحمد. فلما كان بعد ذلك في زمن الواثق، رجع الناس إلى القول الحق. إلى قول أهل السنة والجماعة. ورفع الله تبارك وتعالى قدر الإمام أحمد رحمه الله. وصار على من كان على الحق. من كان يقول بقول أحمد فهو على الحق. ومن كان يخالف أحمد فهو المبتدع، وهو الضال، وهو المخالف للحق. ثبات. ثبات على الحق في زمن متغيرات. ثبات على الحق في زمن المتغيرات. لأن أمر الثبات على الحق ليس بالأمر الهين. أهل الباطل، أهل الفتن، أدعياء الشرور، أدعياء المنكر. في كل زمان ومكان. يكيدون بأهل الخير بأنواع من الكيد، وأنواع من المكر، وأنواع من الخيل. لولا أن الله تبارك وتعالى يثبت عباده. سبحانه وتعالى. قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَيَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُثِيرُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: 51-52]. الكفار يكادون يثيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتن، تلبيسات، ما أشبه ذلك. ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74]. انظر كيف أن أهل الباطل يبطِرون، ويكيدون بأهل الحق. بل برؤوس أهل الحق يتمنون أن يزيغ الرؤوس. حتى يزيغ من تحتهم، ومن وراءهم. ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * وَإِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: 74-75]. انظر إلى حال أهل الكيد والمكر في كل زمان ومكان. كيف أنهم ينكرون بأولياء الله جل وعلا، ويكيدون بأولياء الله جل وعلا، ويخادعون أولياء الله جل وعلا. يخادعون الله والذين آمنوا. وما يخدعون إلا أنفسهم. وما يشعرون. هذا حالهم. حال المنافقين. حال الزنادقة والكافرين في كل زمان ومكان. يخادعون الله والذين آمنوا. والذين آمنوا. ومع هذا أُثبت من الله جل وعلا. ولولا أن ثبتناك. هذا خطاب لمن؟ لخير عباد الله جل وعلا. لخير البشر. لخير خلق الله جل وعلا. لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. وانظر كذلك إلى كيد المجرمين الكافرين في كل زمان ومكان. مع من؟ مع من وفقه الله جل وعلا، وهداه للخير والهدى. فرعون. وتعلمون من فرعون. رأس من أكبر رؤوس الكفر، والعناد. الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]. الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]. مع هذا استخدم أساليب عجيبة من الكيد والمكر لإبعاد الناس عن طريق الله الحق. تارة يدعي بأن موسى عليه السلام -وهو من اصطفاه الله جل وعلا- قال الله جل وعلا عن موسى عليه السلام: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: 144]. اصطفاه الله جل وعلا مصطفى من الله جل وعلا. ومع هذا فرعون يصف موسى بماذا؟ قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ [الإسراء: 101]. إذ جاءهم. فقال له فرعون: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: 101]. انظر إلى كيد هذا الكافر الأثيم. ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾. فقال له موسى عليه السلام ردًا مبينًا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: 102]. أي: أنت المسحور. هكذا في موقف آخر. وكيد آخر. ومكر آخر. يدعو فرعون السحرة. ويزعم أن موسى ساحر. يزعم أن موسى ساحر. فيدعو السحرة لأجل ماذا؟ لأجل أن يبطل سحر موسى. وما علم المسكين أن الحق أبلج. وأن الباطل لجلج. فما أن ألقى السحرة ما ألقوا. حتى انقلب السحر على الساحر. ولما رأى السحرة ما رأوا من الحق والبينات. قال الله جل وعلا عنهم: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: 70]. فأُلقي السحرة سجدًا. قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾. ماذا قال لهم فرعون؟ قال: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: 71]. انظر هذا التهديد، والوعيد. من هذا الشيطان المريد. على هؤلاء السحرة. السحرة الذين كانوا سحرة فجرة. فانقلبوا إلى أتقياء بررة. لما رأوا البينات. انقلبوا إلى مؤمنين أبررة. بل وصاروا من أهل الثبات على دين الله جل وعلا. والدعوة إلى دين الله جل وعلا. مع ما توعدهم وهددهم به فرعون: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾. ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: 72-76]. الله أكبر. إنه الثبات على الحق. الذي يخلقه الله جل وعلا في قلب من يشاء من عباده. يثبت الله الذين آمنوا. يثبت الله الذين آمنوا منكم في الحياة الدنيا، وفي الآخرة. ويضل الله الظالمين. ويفعل الله ما يشاء. الله أكبر. كانوا في أول النهار معاندين محاربين لموسى عليه السلام، وللحق. فما إن رأوا الحق رأي عين. حتى انقلب حالهم من حال الإلحاد. بعد أن كانوا كافرين. صاروا مؤمنين. وبعد أن كانوا فجارًا. صاروا أبرارًا. بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. تذكير بما تقدم ذكره من المواضيع السابقة. وهو أمر الثبات على الحق في زمن متغيرات. ويعلم كل عاقل عنده أدنى مسكة عقل، أو اطلاع بالواقع. ما تمر به المجتمعات الإسلامية في أيامنا هذه من المتغيرات، ومن المخالفات، ومن الفتن، ومن أدعياء الفتن. وهم كثر. لا كثرهم الله. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول -كما في مسند أحمد- بإسناد حسن. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بين يدي الساعة سنون خداعة». انظر إلى هذا الوصف. وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأن السنين -أي السنين القادمة- خداعة. باعتبار أهلها. قال: «سنون خداعة. يكذب فيها الصادق. ويصدق فيها الكاذب. ويؤتمن فيها الخائن. ويخون فيها الأمين. وينطق فيها الرويبضة». ينطق فيها الرويبضة. قيل: يا رسول الله. ومن الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه». الرجل التافه. يتكلم في أمر الناس. الغِرَّة في أمر العام. انظر إلى هذا الحديث. وتأمل إلى واقعنا الذي نعيشه اليوم. قد ملئت الساحة اليوم بهؤلاء الرويبضات. ممن لا يعلم لهم قدم صدق في شيء من أمور الخير والبر. إلا ما شاء الله. تجد كثيرًا ممن يدعون الناس اليوم إلى التغيير، والمتغيرات. سواء كان في أمر الدين، أو في أمر الدنيا. من هذا الصمت. رجل تافه. تافه. كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم. أي: لا يؤبه له. ولكن الفتن إذا حضرت. ووصلت. وصارت تغير فيها الأمر. وانفلتت الأمور. وانعكس أحوال الناس. فالصادق إذا تكلم. قيل: «لو أن هذا كاذب». والكاذب إذا تكلم. قيل: «هذا هو الصادق». والأمين إذا أرشد وبيّن. قيل: «هذا خائن». والخائن إذا تكلم. ودعا إلى الشر والفتن. قيل: «هذا هو الأمين». سنون خداعة. كما وصفها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. والناظر في مجتمعات الناس اليوم. يجدها قد ملئت من هؤلاء الأصناف. ممن يدعون الناس إلى الشر. إلى الفتن. وفي الوقت نفسه. يصدون الناس. ويقطعونهم عن طريق الخير. وأهله. هؤلاء مع الحكام. هؤلاء متقطعون في المساجد. هؤلاء لا يفقهون الواقع. هؤلاء علمهم في أُصول أمرهم. لا يتجاوز إزار امرأة. إزار لا يتجاوز إزار امرأة. هؤلاء كذا وكذا. طعن في العلماء. في الدعوة إلى الله جل وعلا. في الدعوة إلى الله جل وعلا على خير وبصيرة. يصدون عن سبيل الله جل وعلا. صدودًا. وهذا الأمر في الحقيقة هو فكرة ماسونية. لأن من أفكار الماسونية العالمية. مبنى الماسونية العالمية. هي الاستحواذ والسيطرة على العالم. وذلك لا يتأتى في المجتمعات الإسلامية. إلا بما يخلخلها. ويزعزع ثقتها بدينها الحق. لا بد من زعزعة. يتزعزع الناس عن دينهم الحق. إذا تزعزعوا