المحاضرة بعنوان أسباب ضعف الأمة وعلاج ذلك، وكانت بمسجد خالد العمر بالمقد ٢١ ربيع الآخر ١٤٣٥هـ ألقاها
يتحدث عن تدهور حال المسلمين وضرورة التمسك بالدين لتحقيق العزة. يشير إلى موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه كقدوة.
يشرح تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الابتعاد عن الدين وعلاقة ذلك ببيع العينة والربا. يستشهد بالأحاديث والآيات التي تنهى عن الربا.
يتناول حكم بيع التقسيط وشرائطه، ويحلل آراء العلماء حول جوازه أو تحريمه. يشرح كيفية احتيال بعض الناس على الربا من خلال هذا البيع.
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. إن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد، فأولًا نحمد الله تبارك وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا على عظيم إنعامه وواسع عطائه وإكرامه، القائل في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. فنعم الله تبارك وتعالى التي أنعم بها علينا نعم كثيرة متتابعة، نسأل الله تبارك وتعالى بمنه وكرمه أن يعيننا على التعرف عليها أولًا، وأن يعيننا على شكرها ثانيًا. ومن هذه النعم التي ينعم بها ربنا تبارك وتعالى علينا هذه المجالس، التي يذكر فيها ربنا تبارك وتعالى، والتي فيها ذكر أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتلى آيات من كتاب الله جل وعلا، ويذكر أقوال الصحابة، أقوال التابعين، أقوال الأئمة الناصحين الصالحين، رضي الله عنهم ورحمهم الله. ما يكون به التذكير، وما يقر به الوعظ والتفكير لمن وفقه الله تبارك وتعالى لذلك. ثم إنني كذلك أشكر إخواننا الذين هيئوا لنا هذا المجلس الطيب المبارك، سواء كان إخواننا الذين أتوا معنا ورتبوا لهذا المجلس، أو إخواننا في هذه البلدة الطيبة، في هذا المسجد المبارك، في هذه الليلة المباركة التي نسأل الله تبارك وتعالى خيرها، ونعوذ به تبارك وتعالى من شرها. أيها الإخوة، إن الناظر في المجتمعات الإسلامية في هذه الأيام، وفي هذه السنين المتأخرة، يجد الأمر الجلل، يجد أن المسلمين صاروا أذلة بعد أن كانوا أعزة، صاروا متفرقين بعد أن كانوا مجتمعين، صاروا في هوان بعد أن كانوا في إكرام. والأمر كما هو واقع، وكما يراه ويسمعه الجميع، الناظر في المجتمعات الإسلامية يجدها تتهاوى إلا من رحم الله، تتهاوى في البعد عن الله جل وعلا، الذي أورثها الذلة بعد العزة. إذ أن كثيرًا ممن يتكلم في أمور العامة هو كما وصفه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم «من رجل تافه»، كما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «بين يدي الساعة سنين خداعة، ما وصفها وما كيفيتها وما حالها؟» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سنين خداعة، من وصفها؟ قال: يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، قال: ويتكلم فيها الرويبضة»، قيل: يا رسول الله، ومن الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر الناس»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «يتكلم في الأمور العامة رجل تافه، من حيث الدين، من حيث العقل، من حيث الحنكة، من جميع النواحي». والناظر -كما سمعتم- في المجتمعات يرى أمثال هؤلاء بكثرة، لا كثرهم الله، ينعقون ويصيحون وينادون، وإلى غير ذلك. وللأسف تجد من يصفق، ومن يشجع، ومن يقول: «أنت، أنت»، فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «يصدق فيها الكاذب»، والعكس بالعكس، «ويكذب فيها الصادق»، الصادق الذي يدعو الناس إلى الأمر الذي به وفيه صلاحهم، وبه وفيه خيريتهم في دنياهم وأخراهم، ويوم لقاء ربهم جل وعلا، ما صدقوه، نبزوه وغمزوه تارة بأن هذا مخذل، وأخرى بأنه عمين لجهة كذا وكذا، وتارة أخرى لا يفقه الواقع، وتارة وتارة لا يصدقوه ولا يأتمنوه، هو صادق وهو أمين، ولكنهم لا يصدقونه ولا يأتمنونه، لماذا؟ لأنه فيما يظنون ويرون أنه على خلاف الصواب الذي هم عليه. وما علموا أن الحق كل الحق في رجوع الناس إلى دينهم الذي به العزة لهم، إن صدقوا مع الله، وإن تمسكوا بهذا الدين الذي أعزهم الله جل وعلا به، بعد أن كانوا أذلة، ورفعهم الله تبارك وتعالى به بعد أن كانوا صغارًا، وصاروا ملوكا على الأرض بعد أن كانوا مملوكين، صاروا أقوياء بعد أن كانوا ضعفاء، بدين الله جل وعلا. جاء في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن علي رضي الله عنه وأرضاه قال: «لما فتحت الشام، وبعث أبو عبيدة بن الجراح إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه ليستلم مفاتيح الشام، انطلق عمر رضي الله عنه وأرضاه من المدينة بحالته المتواضعة التي عرف بها رضي الله عنه وأرضاه، بثوبه الذي قد عرف بأنه قد رقع رقعة، وبهيئته التي فيها معنى التواضع لله رب العالمين جل وعلا، مع أنه خليفة المسلمين، وهو خير أهل الأرض في زمنه، رضي الله عنه وأرضاه». «لكن انظر إلى حال السلف رضي الله عنهم وأرضاه، وانظر وتأمل إلى حال صحابة رضي الله عنهم وأرضاه كيف ينظرون إلى الأمور؟ جاء في الأثر أن عمر رضي الله عنه وأرضاه في أثناء سيره لما قرب ودان من الشام استقبله أبو عبيدة بمن معه من الأمراء، ومن كان من أهل الشام من السادة، من الأكابر، من السادة، فمر عمر رضي الله عنه وأرضاه على مخاضة أرض فيها ماء وطين، وكان على بعيره، فنزل رضي الله عنه وأرضاه من على بعيره، وأخذ نعليه، ووضعها في عصاه، وضع على كتفه، ورفع ثوبه، وخاض تلك المخاضة بقدميه، رضي الله عنه وأرضاه، وهو خليفة خليفة المؤمنين، رضي الله عنه وأرضاه في زمانه». «فلما رآه أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وأرضاه، قاله: يا أمير المؤمنين، هل لا تهيأت؟ فإن صحاتهم صرات أهل الشام، وسادتهم سيستقبلونك، فلو أنك تهيأت لهم بشيء يكون به المظهر أحسن وأوقع»، فماذا قال له رضي الله عنه وأرضاه؟ قال: «أوه يا أبا عبيدة، لو أن غيرك قالها لأوجعته ضربًا، قال له رضي الله عنه وأرضاه: إن كنا قومًا أذلة، إن كنا قومًا أذلة فأعزنا الله بهذا الدين، قال: فمهما نبتغي العزة في غيره أذلنا الله». عمل بأسباب العزة، إن قومًا أذلة أي كانوا في الجاهلية، القارة في التاريخ، القارة في سير الناس وأيامهم، يرى أن العرب كانوا متفرقين، كانوا متشرذمين، كان قويهم يأكل ضعيفهم، وعظيمهم يسبي صغيرهم وضعيفهم، وهكذا كانوا حالهم متفرقين، لما جاء الإسلام جمعهم الله جل وعلا بعد أن كانوا متفرقين، أعزهم الله تبارك وتعالى بعد أن كانوا ذليلين، كما قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾. عصمهم الله تبارك وتعالى بهذا الدين العظيم، فصار أعزة بعد أن كانوا أذلة، وصاروا ملوكا بعد أن كانوا مملوكين، لذا قال عمر: «فمهما نبتغي العزة في غير هذا الدين أذلنا الله». والناظر في حال مجتمعاتنا اليوم يراهم أنهم ابتغوا العزة في غير دين الله جل وعلا، فأذلهم الله، فأذلهم الله. لذا جاء عند الترمذي وغيره، عند أبي داود والترمذي وغيرهما بإسناد حسن، بمجموع طرقه، من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، حديث عظيم، حديث كريم، من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قال عبد الله بن عمر بن الخطاب: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالحرف، وتركتم الجهاد في سبيل الله، صب الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم». جاء في بعض روايات: «إلا صب الله عليكم بلاء لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم». لو وقفنا وقفات مع مفردات هذا الحديث، ومع ما دل عليه هذا الحديث، لوجدنا أن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ذكر لنا في هذا الحديث داء سيصيب الأمة، وقد أصابها، وبين نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ما هو الدواء لهذا الداء، وأنهم متى تداووا به رجعوا إلى رشدهم وإلى أمرهم الأول. ما هو هذا الأمر؟ قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة»، أي أن من أسباب الذلة، من أسباب صب الأعداء، من أسباب نزول البلاء أمور، ومنها أن يتبايع المسلمون بالعينة. بيع العينة نوع من أنواع البيوع المنهي عنها، لأنها نوع من الربا، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه. بيع العينة -كما يقول فقهاء رحمهم الله تعالى- هو أن يذهب إنسان إلى تاجر، إلى إنسان، فيطلب منه سلعة إلى أجل، ثم يأخذ تلك السلعة، ثم يبيع تلك السلعة لذلك الذي اشترى منه بسعر أقل، بسعر أقل، هذا يسمى بيع العينة. يعني صورته: نتخيل هذه المسألة، رجل يذهب مثلًا إلى صاحب بقالة، إلى صاحب دكان، أو إلى صاحب معرض سيارات، يقول له: «بكم هذه؟» يقول له: «بثلاثة آلاف وخمسمائة»، فيقول له: «أعطيني، وسجلها علي»، يعطيه العلبة الحليب، وسجل عليه ثلاثة آلاف وخمسمائة، يقول له: «تشتري مني هذه العلبة الحليب بثلاثة آلاف؟» يقول: «نعم»، يأخذ العلبة الحليب، يردها، ويعطيه ثلاثة آلاف، هذا النوع من البيوع يسمى بيع العينة. ما حكمه؟ هذا محرم، هذا من الربا، من الربا، لماذا؟ من الربا؟ لأن حقيقته -كما يقول فقهاء رحمهم الله تعالى- أنه أقرضه مبلغًا من المال إلى أجل، مقابل أن يشتري منه ذلك المبلغ نقدًا بأقل. يعني لو مثلنا في الصورة الأولى، حقيقته أنه قال له: «أريد دينًا، كم تريد؟» قال له: «ثلاثة آلاف ريال»، قال له: «سأسجلها عليك ثلاثة آلاف وخمسمائة إلى شهر، لمدة شهر»، هذا ما حكمه؟ يا جمعة: ربا صريح، هذا ربا صريح، لكن بيع العينة ماذا يعمل؟ يعمل الحيلة، فيدخلون هذه السلعة، يدخلون هذه السلعة بين ماذا؟ بين الدين، من أجل ماذا؟ من أجل أن يقال: «هذا بيع»، بيع، لذا سماه العلماء -أو سماه الشرع- بيع العينة. قال علماء: سمي بيع العينة؛ لأن المشتري قرضه -أو قصده- القرض والمال، يعني المشتري قصده العين، أي المال، ما قصده السلعة؟ المشتري الذي اشترى السلعة، هل يريد العلبة اللبن؟ أم يريد النقد، المال؟ المال، لذا سمي عينًا، بيع العينة؛ لأنه أراد ماذا؟ العين، العين معناه المال، النقد، عند الفقهاء يسمون العين المراد به ماذا؟ النقد. فسمي بيع العينة؛ لأن حقيقة الأمر أن المشتري يريد ماذا؟ يريد النقد؛ لأنه إذا جاء إلى صاحب الدكان، يقول له: «يا أخي، أعطينا السلف، سلعة، آلة»، يقول: «مستحيل، ما في مال، ما عندي سيولة، ما عندي الآن، مشغول»، يعني الأموال التجار، طالب بأموالهم، فماذا يصنع؟ يقول له: «إذن أعطيني علبة لبن، بكم؟» ثلاثة آلاف وخمسمائة، يقول له: «سجلها عليك إلى آخر شهر»، يسجل، يقول له: «سهلة، بضاعة، خذ ثلاثة آلاف وخمسمائة، سأسجلها عليك ثلاثة آلاف وخمسمائة»، يأخذ العلبة لبن، يقول له: «تشتري مني ثلاثة آلاف؟» يقول: «نعم»، يأخذ العلبة، يردها في مكانها، ويخرج الثلاثة آلاف، ويعطيه. فحقيقة الأمر أنه أعطاه ثلاثة آلاف مقابل إيش؟ ثلاثة آلاف نقدًا، مقابل ثلاثة آلاف وخمسمائة، إيش؟ آجل، واضح، جماعة، فهذا هو بيع ماذا؟ بيع العينة، وهذا بيع العينة، وهو نوع من أنواع الربا، نوع من أنواع الربا. وجاء في الصحيح أن عائشة رضي الله عنها وأرضاها سمعت أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تعامل بهذه المعاملة، جهلًا بحكمها، فلما بلغها قالت: «أخبروا فلانًا بأن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حبط، حتى يرد بيع العينة، حتى يرد بيع العينة». وهذا دلنا على ماذا؟ على أن هذا الفعل جرمه عظيم، وهو ذنب كبير، ليس بالسهل، كيف لا؟ وهو نوع من أنواع الربا. وربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم، في أمر الربا، يقول: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. إلى آخر الآيات، وقال الله جل وعلا أيضًا في آكل، أو في المتعاملين بالربا: «بأنهم إذا لم ينتهوا، قال: فأذنوا بحرب من الله ورسوله». فأذنوا بحرب من الله ورسوله. ونبينا صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه- قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وذكر منها: «وأكل الربا»، وأكل الربا. ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول -كما في الصحيح-: «لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه». وهذا من هذا الباب، فهو ملعون، بلعنة الله، وبلعنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكبيرة من الكبائر. فكما سمعتم: إذا كان التعامل ببيع العينة -الذي هو نوع من أنواع الربا الخفي- فمن باب أولى ما كان من أنواع الربا الظاهر. وأنواع الربا الظاهر إما أن يكون ربا نسيئة، وإما أن يكون ربا الفضل. ربا النسيئة هو ما يكون فيه عدم التقابل بين الجنس الواحد من الأصناف الربوية. يعني مثلًا يأتيك إنسان إلى صاحب ذهب، فيقول له: «عندي ذهب قديم، كم جرام؟» يقول له: «خمسين جرامًا» مثلًا، أريد أن أشتري منك عشرين، أو سبعين جرامًا مثلًا، أو يقول له مثلًا: «عندي خمسين جرامًا قديمًا، فأريد مقابله أن أشتري منك أربعين جرامًا جديدًا»، قديم خمسين، وأربعين جرام مقابله جديد، هذا يسمى لو عطاه يسمى نوع من هذا ربا الفضل، هذا فيه ربا الفضل. لكن لو اشترى، قال له: «أعطيني خمسين جرامًا من الذهب، وهذه مثلًا مئة ألف، والباقي سأكمله لك بعد شهر»، هذا يدخل في بيع ماذا؟ في ربا، في ربا النسيئة؛ لأنه النسيئة من النساء، أي التأخير. والأول من ربا الفضل؛ لأنه فيه ماذا؟ مفاضلة؛ لأنه اشترى خمسين بماذا؟ بأربعين. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة»، وذكر الأصناف، قال: «يدًا بيد، سواء بسواء»، مثلًا بمثل، بل جاء في حديث، في بعض الروايات، من حديث عمر، في الصحيحة: «ها بها»، أي من المبالغة أن يقول له: «ها بها»، يعني حصل التقابض ماذا؟ مباشرة، ها بها، فيسرط التماثل، المساواة، التقابض، هذا في الأصناف الربوية التي تكون من جنس واحد. فالحاصل أن في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة»، فيه النص الصريح على تحريم العينة، وأنها من أسباب وقوع الذلة والهوان على هذه الأمة. ومن باب أولى إذا تبايع بالربا الصريح، إذا تبايع بالربا الصريح، كما يفعل أكثر البنوك اليوم، أكثر البنوك اليوم، سواء كانت في الدول الإسلامية، فضلًا عن غيرها، يتعاملون بهذه المعاملة، بالربا الصريح، ويسمونه بأسماء، يلبسون بها على المتعاملين بها، تارة: «أرباح»، تارة: «أرباح حسنة»، تارة: هذا يعني «بيع مرابحة»، أو ما شابه ذلك من ألفاظ العبارات. والعبرة -كما يقول فقهاء رحمهم الله تعالى- بالمسميات لا بالأسماء، العبرة بالمسميات لا بالأسماء، وبالحقائق لا بمجرد الألفاظ، لا بمجرد الألفاظ. إذن في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة»، فيه بيان منه صلى الله عليه وسلم أن من أسباب هوان هذه الأمة، من أسباب الذل لهذه الأمة، أن يتعاملوا بالعينة، وبغيرها من أنواع الربا الصريح، من باب أولى، من باب أولى. والشيء بالشيء يذكر، الشيء بالشيء يذكر، معاملات انتشرت في مجتمعات المسلمين، ولا سيما في الآونة الأخيرة، وهي ما يسميها الناس اليوم «بيع التقسيط»، بيع التقسيط، بيع التقسيط، هذا بيع اشتهر وانتشر، ولا سيما في الآونة الأخيرة. وبيع التقسيط هو: صورته، بيع التقسيط صورته أن يأتي المشتري إلى التاجر، إلى صاحب السلعة، فيقول له مثلًا: «أريد أن أشتري منك ثلاجة»، يقول له: «الثلاجة هذا من أي نوع؟» يقول: «هذه الثلاجة بكم؟» يقول: «مثلًا بستين ألفًا»، يقول: «لكن ما عندي الآن، ما أريدك أن تقسطها، أن تقسطها لي»، فيقول: «طيب، سيقسمها لك، لكن سيكون بثمانين ألفًا، إن أردتها عاجلًا بستين ألفًا، وإن أردتها تقسيطًا فبثمانين ألفًا»، واضح، هذا جماعة، ملف، يتفقان على إما العاجل، وإما الآجل، هذه الصورة من أنواع البيوع، من حيث الجواز وعدمه، خلاف بين العلماء. من حيث جواز هذه الصورة من عدمها، خلاف بين العلماء، من العلماء من يجيزها، ومن العلماء من يمنعها، ويحرمها؛ لأنه يستدل ببعض الأحاديث الذي جاء فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما، أو الربا»، أي: «له أقلهما، أو الربا»، فيقول: إذا باع بيعة، قال: «إما أن تأخذ بستين، وإما أن تأخذ بثمانين»، هذه بيعتان، فجاء في الحديث: «إما أن يأخذ أوكسهما»، أي: «ستين ألفًا، أو ماذا؟ أو الربا»، أي: «إذا زاد فهو مربٍ»، فذهب بعض العلماء إلى تحريم بيع التقسيط جملة وتفصيلًا. ذهب بعض العلماء إلى النهي عن بيع التقسيط جملة وتفصيلًا، لهذا الحديث المذكور. وذهب آخر من العلماء، رحمهم الله تعالى، إلى جواز بيع التقسيط، لكن بشروط. والقائلون بهذا القول لعله أرجح وأظهر، والقائلون بجوازه هم الأكثر، ولعله أصح وأرجح، وذلك لأمور. أولها: الأصل في المعاملات الحل، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وما دام كذلك فهو باق على أصالته. بقي من جواب على قوله صلى الله عليه وسلم: «فله أوكسهما، أو الربا»، قال علماء رحمهم الله تعالى: أولًا، هذه الزيادة ليست بصحيحة، «أوكسهما، أو الربا»، قالوا: «هذه الزيادة ليست بصحيحة»، قالوا: «قد صححها غيركم»، قالوا: «على فرض صحتها»، على فرض صحتها، فإنها توجه في بيعة لم يتم تحديد البيعتين. يعني قال له: «هذه الثلاجة بستين عاجلًا، وبثمانين آجلًا»، أخذ الثلاجة، وما تكلم، لا قال: «بستين أخذتها»، ولا قال: «بثمانين أخذتها آجلًا»، أخذها، ومشى، هذه قالوا: إذا صح الحديث، نزلوا على هذه الصورة، لماذا؟ لأنه «بيعتين في بيعة»، بيعتين في ماذا؟ في بيعة، الحقيقة أنه ماذا؟ اشترى الثلاجة، فهي بيعة واحدة، لكنها تدور بين بيعتين، بين بثمانين ألفًا، أو بستين ألفًا. قالوا: في هذه الحالة: «فله أوكسهما، أو الربا»، هذا على ماذا؟ على صحة الحديث، وعلى ضعفه، فالأمر واضح. الذين يجيزون هذه الصورة يشترطون شروطًا، أولها: أول هذه الشروط أن يكون -أن تكون السلعة موجودة في حوزة البائع- أن تكون السلعة موجودة في حوزة البائع. الثاني: أن تكون السلعة إما ملكًا للبائع، أو أذن له بالتصرف فيها، كان يكون وكيلًا، كان يكون وكيلًا. الأمر الثالث: أن تحدد السلعة، ويحدد -وأن تحدد المدة والأقساط- تحدد المدة مثلًا: «خلال كم ستشتريها، أو التقسيط خلال كم؟» قال: «ستة أشهر»، مثلًا، «في كل شهر، عشرة آلاف»، لابد أن تحدد المدة، وأن تحدد الأقساط، أي: «في كل شهر سأدفع كذا وكذا»، يتفق أن على هذا. وكذلك من الشروط: أن تعين السلعة، تعين يعني: يقول: «أريد ثلاجة، أيش من ثلاجة؟» هذا النوع، هذا النوع، هذا الموديل، هذا الشكل، هذا اللون، يحدد ماذا؟ السلعة. فإذا توفرت هذه الشروط، قالوا: «هذا البيع جائز»، هذا البيع جائز. الأول يعني على الترتيب الأول: أن يكون في حوزته. الأمر الثاني: أن يكون البائع مالكًا لها، أو مأذونًا له في بيعها. الأمر الثالث: أن يكون -أن يكون في مدة ماذا؟ في مدة معلومة- وأقساط كذلك ماذا؟ معلومة. الأمر الرابع: أن تحدد السلعة، أن تحدد السلعة. والشرط الخامس: أن يحدد الثمن، الشرط الخامس: أن يحدد الثمن، يقال: «بكم؟» يقول له: «هذه ستين عاجلًا»، يعني: «تدفعها ماذا؟ الآن»، «أو بثمانين ألفًا خلال ثمانية أشهر، كل شهر تدفع عشرة آلاف»، يحدد السعر والثمن. والسلعة تكون موجودة، تكون في حوزته، إلى غير ذلك. إذا كان كذلك، قالوا: «صح البيع، وجاز التقسيط». وإذا لم يكن كذلك، فإنه لا يصح بيع التقسيط. ألا لو طبقنا هذه الشروط على واقع كثير من المعاملات التي انتشرت اليوم بين المسلمين، وتسمى «بيع ماذا؟ التقسيط»، نجد أن في كثير من المعاملات إما أن يسقط شرط، أو شرطين، أو ثلاثة. وحيانًا ما هناك إيش؟ تسقط شرط كلها، يعني مثاله اليوم في مجتمعات، في مجتمعات الناس، بعض الناس يسمون أنفسهم سماسرة، دلالين، مقربين، متوسطين، ألفاظ كثيرة لمعنى واحد، ألفاظ كثيرة، أو أسماء كثيرة، لماذا؟ لمعنى واحد. يأتي بعضهم، يبلغ ببعضهم الأمر إلى أن يذهبوا إلى بعض البيوت، يطرق الباب، السلام عليكم، عليكم السلام، تخرج النساء، يعني بعضهم في بعض الأماكن النساء، وفي بعض الأماكن الرجال، «نحن مسهلون، نتساعد مع الناس، نحن نعرف أن الناس فقراء، وما يستطيعون نشتري أشياء مباشرة، فنحن مسهلون»، أيش مسهلون؟ يعني: «إن أردتم ثلاجة، غسالة، خلاطة، مكيف، أي شيء، نحن مستعدون، نوفر لكم هذه السلعة، وبالتقسيط، بالتقسيط، بالتقسيط المريح»، لكن نريد ضمانات، أيش الضمان؟ دفتر، إذا كان أصحاب يعني رواتب، رواتب، أصحاب هؤلاء الذين قد انتهت مدتهم، ما يجوزونهم، أصحاب معاش، أو موظفين، المهم الشيء ما يكون ضمان، عبر البنك، عبر بريد، شيء يكون ما يسمى ضمان. فماذا يصنعون؟ يقول: «خلاص ما تريد؟» يقول: «نريد ثلاجة»، وآخر: «نريد غسالة»، وآخر: «نريد مكيف»، وآخر: «نريد كذا وكذا»، خلاص: «نوفرها له، أجمل نوع»، يقول: «نريد نوع كذا»، خلاص: «امشي معي، قم، وذهب إلى صاحب المعرض، أجمل ثلاجة»، يقول: «هذا نريد، هذه الثلاجة»، آخر: «هذه الغسالة»، طيب: «بكم؟» صاحب المعرض: «هذه الثلاجة بكم؟» يقول: «ستين ألفًا»، يقول: «هذا السمسار: أنا سأشتريها لك، انظر يا جماعة: يكلم الزبون: أنا سأشتريها لك بستين ألفًا كما سمعت، وسأقسيتها، سأقسيتها عليك لمدة ثمانية أشهر، بعشرة آلاف»، واضحة، جماعة: «عملاء، سأشتريها لك بستين ألفًا، لكن خلال أنا سأسهل لك البيعة، أنت ما تستطيع تدفع ستين ألفًا الآن، أدفع كل شهر عشرة آلاف، بالراحة، لمدة كم؟ ثمانية أشهر، بكم؟ بثمانين ألفًا»، يقول: «هذا الزبون يقول: ماذا؟ ثمانية أشهر، كل شهر عشرة آلاف، سأدفعها، وأنا بالسهولة»، كما يقولون، وحنا ربما يسهل على أن يقول: «خمسة آلاف، خمسة آلاف، لمدة ستة عشر شهرًا»، يقول: «يا ما أحسن، جزاك الله خير، نعمة ما فعلت»، واضحة، جماعة. وفي الحقيقة ماذا؟ يشتري هذا، ثم يبيعه، يبيع هذه الغسالة بكم؟ بثمانين ألفًا، وحقيقتها بأنه اشتراها له بكم؟ بستين ألفًا، يعني حقيقتها كأنهم قالوا: «خذ هذه ستين ألفًا، اشتري هذه الثلاجة»، حقيقتها مقابل مقابل، تعطيه ثمانين ألفًا، مقابل هذه إيش؟ ستين ألفًا، لكن بأجل، بأجل. وهذا ما يسميه الفقهاء: هذا يسميه الفقهاء: يسمونه «ربا القرض»، ربا القرض، ربا القرض، هذا حاله، يعني في الجاهلية كان هذا الربا أظهر -كما يقال- من نار على علم، ما هو ربا القرض؟ يأتي الإنسان المحتاج إلى صاحب المال: «أريده قرضًا، كم تريد؟» يقول: «مثلًا مئة ألف»، خلال كم تردها؟ يقول: «خلال سنة»، يقول: «طيب، أيش الضمان؟» الضمان كذا وكذا، يقول: «سأعطيك مئة ألف، لكن بشرط بعد سنة تدفعها لمئة وعشرة آلاف»، واضح، جماعة: «سأعطيك مئة إلى سنة، لكن كم تدفعها؟ كم تردها؟ مئة وعشرة آلاف»، هذا ربا صريح، هذا كان يتعامل به من؟ الجاهليون، واضح، هذا كان يتعامل به الجاهليون، وهو ربا، واضح، صريح. فالآن بعض الناس احتال على هذا النوع من الربا، بعض الناس مما يتعاملون ببيع التقسيط احتالوا على هذا النوع من الربا، كيف؟ يأتي بالمشتري، ويقول له: «التقسيط؟» ما هو ربا؟ «تقسيط إلى كم؟ إلى أجل؟» سأعطيك ستين ألفًا، مقابل كم؟ ثمانين ألفًا، لكن بالتقسيط، ما الفرق بين هذا وذاك؟ في الحقيقة ما يفرق؟ دفع ستين مقابل ثمانين إلى أجل، في الزمن الأول، عند الجاهليين، كان يعطيه المبلغ مئة ألف، فيردها لهم مئة وعشرة آلاف بعد إيش؟ بعد أجل، فسواء بسواء، سواء بماذا؟ بسواء. فهذا نوع من أنواع بيع التقسيط المحرم، محرم، لماذا؟ لما تقدم، هذا أمر. الأمر الثاني -كما سمعتم- أن الشروط تتساقط في هذا البيع، السلعة في الحقيقة هل كانت في ملك ذلك السمسار؟ إذن سقط شرط، هل كانت في حوزته؟ الجواز ماذا؟ سقطت، سقط الشرط الثاني، فبقي معهم ماذا؟ مسألة تحديد السعر، الذي هو الثمن، والمدة، والسلعة. أما الشروط الأخرى ماذا؟ ساقطة. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبع ما لا تملك»، قال: «لحكيم بن حزام: لا تبع ما لا تملك»، كما في سنن الترمذي، وأبي داود،