المحاضرة بعنوان ففروا إلى الله، وكانت بمسجد ابن عباس بزغفه الجمعة ٩ صفر ١٤٣٥هـ ألقاها
المحاضرة تبدأ بمقدمة دينية حول الفرار إلى الله تعالى بعد ذكر إهلاك الأمم السابقة وتوضيح عظمة الله وضرورة الفرار إليه. يُبين الله عزته ورحمته بعباده.
الفرار إلى الله يعني الهروب من معصيته إلى طاعته ومن الكفر إلى الإيمان، ويقتضي الخوف من الله واللجوء إليه بالتوبة والطاعة. يكون الفرار بالتوبة والمسارعة في الخيرات.
فرار العامة إلى الله هو فرار من الجهل إلى العلم ومن الكسل إلى العمل، ويتطلب سيرًا حثيثًا على علم وامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه. يتضمن ذلك التوبة والعمل الصالح.
المحاضرة تنتهي بدعاء الله جل وعلا بالتوفيق للجميع لما يحب ويرضى، ويصلي على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين. يُظهر الختام أهمية الدعاء والصلاة في اختتام الأعمال.
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الناس، إن موضوع المحاضرة في هذه الليلة هي عن قوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. وفي الحقيقة هي مقدمة بين يدي المحاضرة، وإلا فالمحاضر هو الأخ الفاضل فهد السليماني حفظه الله تعالى. والله جل وعلا ذكر هذه الآية بعد أن ذكر آيات في سورة الذاريات من إهلاكه للأمم، فأظهر قوته وجبروته وعظمته في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ إلى آخر الآيات. ثم ذكر سبحانه قوم فرعون بقوله: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. ثم ذكر إهلاك قوم عاد فقال: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمِ الرِّيحَ الْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾. ثم ذكر قوم ثمود فقال سبحانه: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾. ثم ذكر قوم نوح وقال سبحانه: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. فبين الله جل وعلا في هذه الآيات الكريمات عظمته سبحانه وتخويفه لعباده كي يفروا إليه سبحانه وتعالى. ثم ذكر سبحانه وتعالى عظمته وعزته ورحمته بعباده وما خلق لهم في هذه الأرض، قال سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَتَذَكَّرُونَ﴾. فالله جل وعلا أنعم على العباد ورفع السماء فدل على عظمته سبحانه، وفرش الأرض وجعل فيها من النعم وجعل فيها من الأنهار والبحار والحيوانات والمخلوقات ما يكون لنا عبرة في أن نوحده سبحانه وأن نفر إليه. ثم قال سبحانه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ فالفرار إلى الله جل وعلا ذكر العلماء عند هذه الآية وقفات. الوقف الأولى أن الفرار إلى الله جل وعلا تقتضي أن هناك شيء مخوف يفر منه، ولم يذكر لأنه كثير، فكل ما كان يقطع العبد عن صلته بالله جل وعلا فيجب على العبد أن يفر منه إلى الله. قال العلامة السعدي رحمه الله: الشيء إذا خافه العبد فر منه، إلا الله جل وعلا فإن الخوف منه يقتضي الفرار إليه. ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين، وقد ذكر الله جل وعلا عن إبراهيم عليه السلام هذا المعنى في قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. ثم ذكر الله جل وعلا أعظم ما يفر منه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ فأبان وأوضح أن أعظم ما يفر منه هو الشرك بالله جل وعلا بجميع صوره وجميع أشكاله وجميع أنواعه. الفرار إلى الله جل وعلا يقتضي الخوف من الله، ويقتضي اللجوء إليه، ويقتضي الإنابة إليه، ويقتضي الخضوع إليه. ولذلك كان الخوف من الله جل وعلا من أعظم أركان العبادة، بل هو ركن من أركان العبادة كما قال ابن القيم رحمه الله. فنسأل الله جل وعلا أن يعيننا وأن يجعلنا من المستمعين للقول المتبعين لأحسنه. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا على ما منّ به علينا من النعم الكثيرة المتتابعة التي لا يسعنا عدها. نسأل الله جل وعلا أن يعيننا على شكرها، وأن يتجاوز ربنا تبارك وتعالى عن تقصيرنا في ذلك الشكر. ثم إني أشكر إخواني في هذا المسجد جزاهم الله خيرًا على تهيئة هذه الكلمة لإخوانهم. فنسأل الله جل وعلا أن يتقبل من الجميع عمله الصالح وأن يتجاوز عن سيئاته. أيها الإخوة، إن موضوع الفرار إلى الله جل وعلا موضوع كبير وعظيم، ويحتاج منا جميعًا إلى تأمل وإلى تدبر وإلى تفكر وإلى وقفات نقف فيها مع أنفسنا. أولًا: ما معنى الفرار؟ الفرار كما ذكر علماء اللغة رحمهم الله تعالى أنه بمعنى الهروب. والمفسرون رحمهم الله تعالى لهذه الآية أي لقول الله جل وعلا: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ بينوه بعبارات مختلفة وأساليب متنوعة. فمنهم من يقول: الفرار إلى الله جل وعلا أو الفرار من الله إلى الله معناه أنه الفرار من معصية الله جل وعلا إلى طاعة الله جل وعلا. ومنهم من يقول: هو الفرار من الكفر من الشرك من المعاصي من البدع إلى التوحيد والإيمان والسنة وسلوك سبيل الخير الذي أراده الله جل وعلا. والناظر في المعاني المذكورة يجدها متلازمة ويجدها أن بعضها يصدق بعضًا. فكلها تصب في مصب واحد وهو أن الإنسان يفر من المخالفات من المعاصي بشتى أنواعها إلى الله جل وعلا بالتوبة بالطاعة بالمسارعة في الخيرات. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب مدارج السالكين: الفرار إلى الله جل وعلا على نوعين: فرار من الله إلى الله، وفرار من الله إلى غير الله. فأما الأول فهو فرار أولياء الله، فهو فرار من الله إلى الله. قال: وأما غيرهم فيفرون من الله جل وعلا إلى غير الله، كما هو حال عبدة الأوثان، كما هو حال عبدة القبور، كما هو حال أهل المعاصي والطغيان. أما أهل الطاعة فإنهم يفرون من الله جل وعلا إلى الله جل وعلا. وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في ذلك الموضع عن صاحب منازل السائرين أنه ذكر أو قسم الفرار إلى الله الذي هو فرار أولياء الله جل وعلا إلى ثلاثة أقسام. يكفينا أن نذكر في هذا المقام فرار العامة. قال: فرار العامة إلى الله جل وعلا هو فرار من الجهل إلى العلم، ومن الكسل إلى العمل. فالمؤمن لابد في سيره إلى الله جل وعلا حتى يسير سيرًا حثيثًا مرضيًا مرادًا لله رب العالمين جل وعلا أن يكون سيرهم إلى الله جل وعلا على علم. فكما ذكر أول منازل السير الفرار من الله جل وعلا إلى الله أن يتعلم الإنسان ما يحتاجه في أمر دينه. وابتداءً بأعظم الواجبات من توحيد الله جل وعلا، أن يعلم ما معنى التوحيد الذي بعث الله جل وعلا به رسله وأنزل به كتبه. وما معنى الشرك الذي حذر منه المرسلون من أولهم إلى آخرهم. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. قال الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. فأمر ربنا جل وعلا بالعلم بلا إله إلا الله. ثم بعد أن يتعلم الإنسان ما يحتاجه من أمور دينه يعمل بما علم، ويسعى سعيًا حثيثًا إلى العمل. فيكون بإذن الله جل وعلا من المحسنين. قال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. فالله جل وعلا معك، وإذا كان الله جل وعلا معك فهل تخشى أحدًا؟ الجواب: لا. وتأمل إلى الحديث الذي رواه الترمذي وغيره في جامع من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «يا غلام، احفظ الله يحفظك». هذا فرار من الله إلى الله، احفظ الله بامتثال أوامره، واحفظ الله في اجتناب نواهيه. ثم قال: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك». فما عليك إلا السير والسعي إلى الله جل وعلا. جاء في حديث البراء ابن عازب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه كذلك معنى من معاني الفرار من الله جل وعلا إلى الله جل وعلا. فقال: «إذا أويت إلى فراشك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت». قال: «فإن مت من ليلتك مت على الفطرة». فانظر إلى هذا الحديث وهو مترجم ومبين لقول الله جل وعلا: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. ثم إن الفرار إلى الله جل وعلا ليس بسهل، ولا بالأمان، ولا كذلك بأن ينشط الإنسان ساعة أو يوم أو يومين ثم ينام بعد ذلك. العمل أو الأمر يحتاج إلى عمل، ويحتاج إلى علم أولًا، ويحتاج إلى سؤال الله جل وعلا التوفيق. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.