التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 10

التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 10

الدرس في التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 10، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

آداب تنبيه الطالب لمعلمه عند الخطأ

يؤكد النص على وجوب تنبيه الطالب لمعلمه عند الخطأ برفق ولطف دون تعيير، مراعياً المقام والوقت المناسب. ويستشهد بأدب ذي اليدين مع النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله بأسلوب مهذب: «أقصرت الصلاة أم نسيت؟»

حق المعلم وآداب التلميذ في توقيره

يبيّن المقطع عظمة حق المعلم على تلميذه مستدلاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بن كعب وأقوال السلف. ويفسر عبارة «من علمني حرفاً صرت له عبداً» بأنها استعباد محبة وخدمة لا عبادة، مختتماً بمثال الشيخ ابن باز في توقير شيخه.

أدب طالب العلم مع معلمه والصبر على جفائه

يؤكد المقطع على مكانة الأدب مع المعلمين في التراث العلمي الإسلامي، مستشهداً بمحبة ابن باز لشيخه وأبيات الشافعي في الصبر على جفاء المعلم. ويذكر قصة هشام بن عمار مع مالك، منتقداً أزمة الأخلاق في مجالس العلم المعاصرة حيث يتذمر الطلاب من التكليف بالحفظ.

الصبر على جفاء المعلم والدعاء بالتوفيق

يشير المقطع إلى أن تحمل مشقة المعلم وتكرار نصائحه يعود بالنفع على المتعلم، مستشهداً ببيت شعر يحث على الصبر على جفاء المعلم. ويختتم بالدعاء بأن يرزق الله الجميع الأدب والعلم والعمل والإخلاص والصبر والتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع آداب المعلمين والمتعلمين للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «وإذا أخطأ المعلم في شيء فلينبهه برفق ولطف بحسب المقام، ولا يقول له: أخطأت، أو ليس الأمر كما تقول، بل يأتي بعبارة لطيفة يدرك بها المعلم خطأه من دون أن يتشوش قلبه؛ فإن هذا من الحقوق اللازمة، وهو أدعى للوصول إلى الصواب، فإن الرد الذي يصحبه سوء الأدب وانزعاج القلب يمنع من تصور الصواب ومن قصده». وهذا يا إخوان من أدب الطالب مع شيخه ومعلمه وأستاذه، فإذا حصل من المعلم خطأ - كمثال سبق لسان، أو لربما يخطئ في مسألة من المسائل يخالف فيها نصا صريحا أو إجماعا صحيحا - فهنا ينبغي أن يكون الطالب والمتعلم متحليا بالأدب ملتزما به، فيحاول أن ينبه المعلم على هذا الخطأ، لكن ليس بعنف، وليس بشدة، وليس بأن يظهر نقص المدرس وكماله هو. بعض المتعلمين يجعل خطأ المدرس فرصة لكي يظهر لأصحابه وأقرانه أنه فاهم، وأنه عارف، وأنه ذكي وحافظ، إلى غير ذلك، فيكون بإساءة الأدب مع المعلم. وإنما يرد عليه بحسب المقام. وقد ذكر العلامة العثيمين رحمه الله تعالى أنه أحيانا قد يكون الكلام في محاضرة، وهذه المحاضرة مسجلة، ولربما تبث مباشرة أو ستبث عقب المحاضرة، فهنا لا بأس أن ينبه التلميذ الشيخ، أن ينبهه عقب المحاضرة لكي ينبه على هذا الخطأ، لكي ينبه المعلم الحضور على هذا الخطأ. وأما إذا كان كحالنا نحن في هذا المركز، يلقي المعلم الدرس ثم يراجع، والإخوة كذلك من المتعلمين موجودين ومستقرين، فممكن يأتي بعد الدرس أو في وقت من الأوقات الأخرى وينبه الأستاذ أو الشيخ على هذا الخطأ الذي وقع فيه. فما أجمل يا إخوان الأدب حتى عند الرد وعند بيان الخطأ. النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة: صلى ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى جدع أو عود فاتكأ عليه كهيئة المغضب، وفي القوم أبو بكر وعمر وغيرهما، فهابوا أن يكلموا النبي صلى الله عليه وسلم، وكان فيهم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ انظروا إلى الأدب. قال: «أقصرت الصلاة أم نسيت؟» قال عليه الصلاة والسلام: «لم تقصر ولم أنسَ». ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ومن عنده: «أكما يقول ذو اليدين؟» قالوا: أجل يا رسول الله. فقام وصلى بالناس ركعتين، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم. وهكذا لما لبست أو التبست القراءة على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سلم نظر إلى أبي بن كعب فقال له: «ما منعك أن تفتح علي؟» يعني: ترد علي في ماذا؟ في الصلاة. فإذا كان هناك حاجة إلى التنبيه أو الرد، فينبغي على الطالب أن يفعل ذلك مع لزوم الأدب، وبأسلوب يكون أدعى إلى قبول المعلم وعدم انزعاج قلبه. وهذا يا إخوان إن دل على شيء دل على عظم حق المعلم على تلميذه، فهو حق عظيم، كما سبق الإشارة إلى بعض ذلك. ولهذا ذكر العلماء أنه من شيم الكرام الاعتراف بحق المعلم ما عاش. ولهذا ذكر الإمام ابن عساكر رحمه الله تعالى كما في تاريخ دمشق عن شعبة بن الحجاج رحمه الله تعالى قال: «من كتبت عنه أربعة أحاديث فأنا له عبد». شعبة يقول: «من كتبت عنه أربعة أحاديث فأنا له عبد». وهكذا أيضا رواه الخطيب البغدادي كما في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع أن شعبة رحمه الله تعالى قال: «كنت إذا سمعت من الرجل الحديث كنت له عبدا ما حييت». فكل ما لقيته سألته عنه. وبهذا المعنى يا إخوان العبارة التي حفظناها منذ الصغر: إيش يقولون؟ «من علمني حرفا صرت له عبدا». من علمني حرفا صرت له عبدا. ليس هنا العبودية هي عبودية الصلاة والصيام والركوع والسجود والإخلاص في النية وغير ذلك، وإنما صرت له عبدا أي: صرت له مثل العبد المملوك. أرأيت إنسانا عنده عبد مملوك، إذا أمره أو لقيه كيف يتعامل العبد المملوك مع سيده من البشر؟ فهذا هو المقصود. ورد نحو ذلك في حديث أبي أمامة فيما أذكر، وفيه أن من علم آية أو آيتين فكان له كذا وكذا من الحق العظيم نحو هذا، إلا أن الحديث لا يصح، فهو منكر، بل حكم عليه بعض العلماء بالوضع. فإذن يا إخوان، توقير المعلمين وتوقير المدرسين هذا من الأمر العظيم الذي ينبغي أن نحرص عليه. الإمام ابن باز رحمه الله تعالى، الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى استفاد من شيخه محمد بن إبراهيم آل الشيخ، فكان الشيخ ابن باز رحمه الله يقول: «أرجو أن أكون حسنة من حسناته»، أي من حسنات العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ. وأيضا مما يذكر عن الشيخ ابن باز مع شيخه محمد بن إبراهيم آل الشيخ كان يقول: «لا يوجد أحب إلي بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد الصحابة من محمد بن إبراهيم آل الشيخ». وكم يا إخوان هي - ماذا يعني - تراجم العلماء من المعاصرين ومن السابقين التي فيها الأدب وفيها الاحترام لمن علمه ومن درسه ومن كان له فضل عليه. حتى أن العلماء يذكرون أن الولادة كما تكون من بطون الأمهات، كذلك أيضا تكون بالخروج إلى النور من الظلمات إلى النور، ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾، فيها حياة عظيمة، هي حياة الهداية وحياة الطاعة. ولو حصل من المعلم شدة، ولو كان من المعلم غلظة على الطالب، فمع هذا كله يجب على الطالب أن يلازم الأدب. وفي الأبيات المحفوظة والمنقولة عن الإمام ناصر السنة أبي عبد الله الشافعي رحمه الله تعالى حين قال: «اصبر على مر الجفاء من معلم *** فإن رسوب العلم في نفراته ومن لم يذق مر التعلم ساعة *** تجرع كأس الجهل طول حياته ومن فاته التعليم وقت شبابه *** فكبر عليه أربعا لوفاته وذات الفتى والله بالعلم والتقى *** إذا لم يكن لاعتبار لذاته وذات الفتى والله بالعلم والتقى *** إذا لم يكن لاعتبار لذاته». وفي قصة هشام بن عمار مع الإمام مالك رحمه الله تعالى، يعني حين أن حضر في مجلس الإمام مالك فرآه الإمام مالك صغيرا، فبعد ذلك قام بضربه نحو خمسة عشر سوطا، فبكى هشام بن عمار، وندم الإمام مالك على فعله، فأراد أن يتحلل منه، فقال هشام بن عمار للإمام مالك: «زدني ولا أحلك حتى تحدثني بكل صوت حديثا». فحدثه خمسة عشر حديثا بخمسة عشر سوطا كان قد ضربها إياه. فماذا قال هشام بن عمار؟ نعم. أتظن أن طالب اليوم يقول هذا؟ ما رأيكم يا جماعة؟ نحن اليوم عندنا أزمة، أزمة أخلاق وآداب، حتى في مجالس العلم. قد يلزم المدرس الطالب بحفظ أحاديث كعمدة الأحكام مثلا، أو بحفظ أبيات كالجزرية، أو أحاديث كالبخاري، يأتي الطالب يقول: إيش هذا المدرس يبغى نفسه؟ هذا مدرس شديد، أنا ما سأدرس عنده. أي أدب هذا يا إخوان؟ أي أدب هذا؟ يعني ليس هناك أدب حتى في الحلقة في المجلس. طيب، المدرس حين أن يلزمك بحفظ حديث أو أبيات أو غيرها، باب من أبواب كتاب التوحيد مثلا، أو من صحيح البخاري، قل لي بربك ما هي الفائدة التي ستعود على المعلم؟ لا شيء، إلا أنه سيتحمل تعب حين أن يسمع لك، وحين أن يكرر، دائما ينبه ويعيد، لكن الفائدة عائدة وحاصلة للتلميذ والمتعلم نفسه. إذن: «اصبر على مر الجفاء من معلم *** فإن رسوب العلم في نفراته». فأسأل المولى عز وجل أن يرزقنا جميعا أدبا وعلما وعملا وإخلاصا وصبرا وتوفيقا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.