التعليق على مذكرة أصول الفقه 4

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف المصطلحات الشرعية

يتناول المقطع تعريف مصطلحات الندب والثواب والعقاب والمباح في اللغة والشرع، ويشرح معانيها ودلالاتها في السياقات المختلفة.

حكم الزيادة على الواجب في العبادات

يتناول حكم اختلاط الواجب بالمستحب في العبادات، مثل اختلاط الميتة بالمذكاة أو أخت الرضاع بالأجنبية، ويشرح حكم الزيادة على الواجب في العبادات مثل الطمأنينة في الركوع والسجود.

شرح المندوب وأدلة مشروعيته

المندوب هو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، وقد اختلف العلماء في كونه مأمورا به، والصواب أنه مأمور به بدليل شمول الأمر الشرعي للمندوب.

شرح مفاهيم لغوية شرعية متفرقة

المقطع يشرح معنى "حميت" و"أبحنا" في سياق استعمال النعم، ويبين أن "حميت" تعني منع الوصول، بينما "أبحنا" تعني الاستعمال.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام شنقيطي رحمه الله: فصل، قال المؤلف رحمه الله: وإذا اختلطت أخته بأجنبية، أو ميتة بمذكاة، حرمنا الميتة بعلة الموت، والأخرى بعلة الاشتباه. قال: هذه المسألة يترجم لها علماء الأصول بقولهم: ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه، فتركه واجب. فإن اختلطت ميتة بمذكاة، أو أخته بأجنبية، فلا يتم ترك الحرام -الذي هو أكل الميتة في الأولى، ونكاح الأخت في الثاني- إلا بترك الجميع، فترك الجميع واجب. واختلاط أخته بالأجنبية، هذا قد يحصل بالأخت من الرضاع، أن يرضع -مثلا- ترضع بنت معه -يعني من أمه- ثم تنسى، ويكون لها أخوات، وتنسى أيتهن التي رضعت معه، فهنا تختلط أخته بماذا بالأجنبيات؟ فنقول: اجتنب الزواج من هذا البيت كله حتى تترك الحرام. قال: وقول المؤلف رحمه الله: حرمنا الميتة بعلة الموت، والأخرى بعلة الاشتباه، فيه نظر؛ لأن الميتة غير معروفة بعينها -يعني الميتة التي هي ميتة غير معروفة بعينها- فهنا يكون ماذا؟ نقول: حرمنا إحداهما. حرمنا إحداهما -يعني الصواب أن يقول: حرمنا إحداهما-؛ فلأجل هذا التحريم فإننا نجعل الجميع محرم؛ لأنه لا يمكن ترك الحرام إلا بترك الجميع. قال: فالجميع محرم؛ لأنه لا يتم ترك الحرام إلا بترك الجميع، فكل واحدة أكل منها احتمل أن تكون هي الميتة، والقاعدة عند أهل العلم: أنه إذا اجتمع حاضر ومبيح، فيقدم جانب الحضر -يعني جانب المنع يقدم، يغلب جانب المنع- ويدل على ذلك تحريم الشريعة لأكل البغل؛ الحيوان البغل مولد من حرام وحلال، وهو مولد من الفرس والحمار الأهلي. فلما كان كذلك غلب جانب الحضر، فحرم أكله. وحين اختلطت الآن الميتة بالمذكاة، غلب جانب الحضر، وهو المنع والتحريم؛ حتى يجتنب الوقوع في الحرام. قال: وقول من قال: إن المذكات حلال، لكن يجب الكف عنها، ظاهر التناقض، كما بيّنه المؤلف. نعم، كيف تكون حلال ويجب الكف عنها؟ إذا كانت حلال، جالس تعمال الحلال، فيكون في هذا القول تناقض. والقول الأول هو الصواب، كما مر معنا: أنه يحرم الجميع بأجل ترك الحرام. قال: فصل، قال المؤلف: الواجب الذي لا يتقيد بحد محدود، كالطمأنينة في الركوع والسجود، إلى آخره. قال: اعلم أولا أن الزيادة على الواجب لها حالتان. هذه المسألة سيتكلم عليها المؤلف فيما يتعلق بالزيادة على الواجب: هل تكون واجبة أو لا تكون واجبة؟ قال: اعلم أولا أن الزيادة على الواجب لها حالتان: الأولى أن تكون الزيادة على الواجب متميزة عنه، كصلاة نافلة بالنسبة إلى الصلوات الخمس، وهذه الزيادة غير واجبة، كما هو واضح. أن تكون الزيادة على الواجب متميزة عنه -يعني منفصلة ومتميزة عن الواجب- كصلاة النافلة بالنسبة لصلاة الخمس؛ الصلاة النافلة متميزة ومنفصلة عن الصلوات الخمس، هذه واجبة، وهذه مستحبة. وهنا فهذه الزيادة على الواجب، وهي النافلة، غير واجبة. لكن ينبغي أن لا توصل الفريضة بالنافلة، يجب ماذا؟ أن يفصل بين الفريضة والنافلة بفاصل: إما من كلام، أو انتقال إلى مكان آخر، أو وقت -يعني يكون بين الفريضة وبين النافلة- في حديث معاوية رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرهم أن لا يصلوا صلاة بصلاة حتى يتكلموا، أو يخرجوا، أو يتحركوا -الحديث في مسلم-. قال: الثانية أن تكون الزيادة غير متميزة عن الواجب -يعني متصلة بالواجب- كالزائد على قدر الفرض من الطمأنينة في الركوع والسجود، ونحو ذلك. فقال قوم: الزيادة هنا واجبة، وهذا قول الحنفية. قال: الزيادة هنا على القدر الواجب من الطمأنينة واجبة؛ قال: لأن الجميع امتثال للأمر الواجب، ولا يتميز فيه واجب عن غيره، فالكل واجب؛ لأنه امتثال للواجب -يعني في الأمر بالطمأنينة- كما في حديث المسيء صلاته: فاركع حتى تطمئن راكعا إلى آخره -آخر الحديث-. قال: هنا ما يمكن يتميز الواجب عن غيره، فيكون الجميع واجب، يكون الطمأنينة في كل هذا الركن واجب. قال: والحق أن الزيادة غير واجب، الصواب أن ما زاد على القدر الواجب ليس بواجب، وهذا قول مذهب كثير من الشافعية والحنابلة وبعض المالكية. قال: والدليل على ذلك جواز تركه، والاقتصار على ما يحصل به الفرض فقط من الطمأنينة، من غير شرط ولا بدل -أي من غير أن يأتي بمثل في وقت آخر- فيجوز أن يتصل على موضع الفرض -يعني مثلا ما هو الواجب من الطمأنينة قدر تسبيحة، لو أنه سجد أو ركع وطمأن قدر تسبيحة ثم قام، هل بفعل هذا يكون آثم أو ترك واجبا؟ الجواب: لا. إذن ما زاد على هذا القدر مستحب وليس بواجب، إذ لو كان واجبا لكان آثما، أكان آثما في تركه؟ فالقول الصواب أن ما زاد على الواجب ماذا؟ ليس بواجب. والخلاف في هذه المسألة خلاف معنوي، وليس خلاف رفضي؛ لأن على القول الأول -على القول بأنه واجب- إذا تركه باعتبار ترك ماذا؟ ترك واجبا، وعلى القول الثاني يكون ترك مستحبا، ولم يترك واجبا. قال المؤلف: الثاني المندوب -يعني من الأحكام الخمسة المندوب-. قال: خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث: أن المندوب هو ما فعله، ما في فعله الثواب. صوابته في النسخة اللحظة: ما فعله الثواب، هو ما في فعله الثواب، وليس في تركه عقاب، وهذا أجود التعريفين الذين ذكره المؤلف. طبعا هذا التعريف بالثمرة -يعني ثمرة المندوب: أن من فعله أثيب، ومن تركه ليس عليه عقاب-. قال: وإن شئت قلت: ما أمر به أمرا غير جازم، وهذا هو التعريف بالحد. ما أمر به أمرا غير جازم. قال: والتحقيق أن المندوب مأمور به. وهذه مسألة خلافية ستأتي الآن: هل المندوب مأمور به أو غير مأمور به؟ والصواب أن المندوب مأمور به، وهذا مذهب كثير من الشافعية والحنابلة، وهو الراجح. قال: لأن الأمر قسمان: الأول أمر جازم -أي في تركه العقاب- وهو الواجب، أمر جازم -أي في تركه العقاب- وهو الواجب، وأمر غير جازم -أي لا عقاب في تركه- وهو المندوب. والدليل على شمول الأمر للمندوب قوله تعالى: ﴿وَفِعْلِ الْخَيْرِ﴾ [آل عمران:104] -أي ومنه المندوب- ﴿وَأْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران:104] -وأمر بالمعروف- ﴿وَفِعْلِ الْخَيْرِ﴾ [آل عمران:104] -أي ومنه المندوب- يعني من فعل الخير ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب. ومع ذلك جاء الأمر بالفعل، جاء الأمر بالفعل -مثلا النوافل أليس هي من الخير؟ الجواب: نعم، وهي مندوب، قراءة القرآن، التسبيح، التكبير، إلى آخره، أفعال الخير كثيرة، ومع ذلك كثير منها مندوب، وجاء الأمر بها-. ﴿وَأْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران:104] -أي ومنه المندوب- يعني من المعروف ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب ومستحب، هنا جاء الأمر. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:90] -أي ومن الإحسان وإيتاء ذي القربة ما هو مندوب- يعني ما ليس بواجب. واحتج من قال: إن الندب غير مأمور به -وهذا قول بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وهو قول حنفية: أن المندوب غير مأمور به- بماذا؟ احتجوا بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:63]. قالوا: في الآية التوعد على مخالفة الأمر بالفتنة والعذاب الأليم، والندب لا يستلزم تركه شيئا من ذلك -يعني إذا ترك فعل المندوب لا يستلزم من هذا ماذا؟ حصول الفتنة أو عذاب أليم- قالوا: إذن فليس بمأمور، إذا المندوب ليس بمأمور به. قال: والحديث: «لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، مع أنه ندبهم إلى السواك. قالوا: فدل ذلك على أن الندب غير مأمور به. هذا احتجاجهم في كون المندوب غير مأمور به. قال: الجواب: أن الأمر في الآية والحديث المذكورين يراد به الأمر الواجب، فلا ينافي أن يطلق الأمر أيضا على غير الواجب. فقول جل وعلا في الآية: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:63] إلى آخره، هذا يراد به الأمر الواجب، الذي يترتب على ترك حصول الفتنة أو العذاب الأليم. نحن نتكلم هنا الأمر بالمندوب، وقوله في الحديث: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم» -يعني أمر إيجاب لأمرتهم- أمر إيجاب، وإلا قد أمر به أمر استحباب. طيب يعني لو لا المشقة لأمرتهم أمر إيجاب أن يستعمل السواك عند كل صلاة، لكن جاء الحث والترغيب في استعمال السواك، فهو مستحب. قال: وقد قدمنا أن الأمر يطلق على هذا وهذا -يعني يطلق على الأمر الواجب، ويطلق على الأمر المستحب-. قال: وزعم من قال: أن الندب تخيير، بدليل جواز تركه، والأمر استدعاء وطلب، والتخيير والطلب متنافيان. زعم غير صحيح، الذي زعم هذا بعض الأصوليين، قالوا: الندب تخيير -يعني إنسان مخير إن شاء فعله وإن شاء تركه- وهذا يتنافى مع الأمر؛ لأن الأمر استدعاء وطلب، الأمر فيه استدعاء وطلب للفعل، لكن المندوب مخير الإنسان في فعله: إن شاء فعله، إن شاء تركه، فكيف يكون المندوب مأمورا به؟ يعني هذا كأنه اعتراض على من قال بأن المندوب مأمور به. قال: هذا الزعم غير صحيح؛ قال: لأن الندب ليس تخيرا مطلقا، بدليل أن الفعل فيه أرجح من الترك؛ للثواب في فعله وعدم الثواب في تركه. هذا الجواب الأول. قال: «ولأن المندوب أيضا مطلوب، إلا أن طلابه غير جازم». وهذا الجواب الثاني على هذا الزعم. فكون المندوب فيه تخيير يقال: ليس هذا التخيير تخيير مطلق -يعني أن الفعل والترك سواء- لا، الصح أن فيه تخيير، لكن الفعل أرجح من الترك، ولهذا رتب على فعله الثواب والأجر، رتب على فعله الثواب والأجر. إذا ليس هو ترك المطلق أو تخيير المطلق. كذلك أيضا أن المندوب مطلوب، وقد جاء الأمر به، لكن الطلب الذي جاء فيه ليس طلب جازم كالأمر الواجب، وإنما أمر على جهة الاستحباب، إنه أمر على جهة الاستحباب. قال: والندب في اللغة الدعاء إلى الفعل، ومنه قوله: «لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات» -على ما قال برهانا- «حين يندبهم» -يعني حين يدعوهم- «حين يدعوهم عند حصول النائبات والمصائب والحوادث» فلا يسألونه برهان على ما قال، بل يصدقونه، وكذلك يقبلون قوله. قال: والثواب في اللغة الجزاء مطلقا، ومنه قوله: «لكل أخي مدح ثواب علمته، وليس لمدح الباهلي ثواب». فالثواب في اللغة بمعنى الجزاء، فقوله: «لكل أخي مدح ثواب علمته» -يعني جزاء علمته- «وليس لمدحاءلي ثواب» -يعني جزاء-. قال: أي جزاء. وزعم أن الثواب يختص بجزاء الخير بالخير، غير صحيح -يعني من زعم أن الثواب يختص بالخير بجزاء الخير- يعني يقال: من فعل فعل من أفعال الخير يثاب. طيب يثاب على فعله -مثلا من صلى أثيب، من تصدق أثيب، من صام أثيب، إلى آخره- فجعل الثواب خاص بفعل الخير فقط، هذا ليس بصحيح، بل يطلق الثواب على فعل الخير، يطلق أيضا على فعل السوء والشر، هذا يثاب بالخير، وذلك يثاب بالسوء. قال: بل يطلق الثواب أيضا على جزاء الشر بالشر في اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة:60]. الآية، الشاهد قوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً﴾ [المائدة:60] -جعل الشر مثوبة يثابون به-. ومنه أيضا في قوله جل وعلا: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الزخرف:25] -هل وجدوا جزاء أعمالهم؟ ومع ذلك سماه ثوابا-. قال: وقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الزخرف:25]. والعقاب في اللغة التنكيل على المعصية، ومنه قول النابغة الذبياني -والنابغة من كبار الشعراء، وسمي بذلك؛ لأنه نبغة في الشعر-: «وَمَنْ عَصَاكَ فَعَاقِبْهُ مُعَاقَبَةً تَنْهَى الظُلُومَ وَلَا تَقْعُدْ عَلَى ضِمَادِ» -عاقبه معاقب يعني نكل به تنكيلا، نكل به تنكيلا-. قال: المباح، قال المؤلف رحمه الله: القسم الثالث المباح، وحده: ما أذن الله في فعله وتركه، غير مقترن بذن مفاعله وتاركه، ولا مدحه. قال: اعلم أن الإباحة عند أهل الأصول قسمان: الأولى إباحة شرعية -أي عرفت من قبل الشرع- كإباحة الجماع في ليالي رمضان المنصوص عليها بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:187]. وتسمى هذه الإباحة الإباحة الشرعية؛ لأنها جاءت من جهة الشرع، وكان قبل ذلك المنع -كان قبل ذلك المنع- يعني كان الشرع إذا صام، وصلى العشاء، أو نام، لا يحل له ماذا؟ أن يأتي أهله إلى الليلة الثانية. ثم رفع الله هذا الحكم، وأباح إتيان رجل أهله في ليالي رمضان، قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:187]. قال: الثانية إباحة عقلية، وهي تسمى في الاصطلاح البراءة الأصلية. والإباحة العقلية هي بعينها استصحاب العدم الأصلي؛ حتى يرد دليل ناقل عنه -يعني عند عدم معرفة حكم شيء من الأحكام: هل هو حلال أو حرام؟ يقال: نستصحب العدم الأصلي، الأصل عدم التحريم؛ حتى يأتي دليل ينقل هذا الحكم من الحل إلى التحريم-. ولأن الأصل عدم التحريم. قال: ومن فوائد الفرق بين الإباحتين المذكورتين -يعني الإباحة الشرعية والإباحة العقلية- قال: أن رفع الإباحة الشرعية تسمى نسخا؛ كرفع إباحة الفطر في رمضان. إباحة رفع الفطر -إباحة الفطر في رمضان- يعني في ليالي رمضان، هذه تسمى نسخا؛ لأنها جاءت من جهة الشرع، فيكون هذا الحكم ناسخا لما كان قبل من تحريم ذلك، ومن منع من ذلك. قال: وجعل الإطعام بدلا عن الصوم -المنصوص في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:184] فإنه منسوخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185]. فالإباحة الأولى بين الفطر وبين الإطعام. طيب هذه من جهة الشرع، ثم جاءت الشرع ونسخت هذا الحكم بقوله: بإلزامه لمن شهد رمضان بالصيام: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185]؛ فيكون هذا الحكم ناسخا للحكم الأول. طيب لأن هذه الإباحة ثبتت من جهة الشرع. وأما الإباحة العقلية، فليس رفعها نسخا؛ لأنها ليست حكما شرعيا، بل عقليا. ولذا لم يكن تحريم الربا ناسخا لإباحته في أول الإسلام؛ لأنها إباحة عقلية -يعني كان إباحة الربا إباحة عقلية-. كانت إباحة عقلية؛ بمعنى على البراءة الأصلية عن الأصل؛ للأشياء الحل، فجاءت في الشريعة تحريم الربا، لم يكن هذا التحريم ناسخا؛ لأن الإباحة لم تثبت من جهة الشرع، وإنما كانت ثابتة من جهة العقل. كذلك أيضا تحريم الخمر، تحريم الخمر، إباحته كانت إباحة عقلية؛ على البراءة الأصلية، ثم جاء تحريمه في الشرع، فلا يكون تحريمه ماذا؟ نسخا لإباحته. قالوا: أمثال ذلك كثيرة جدا. والمباح في اللغة هو ما ليس دونه مانع يمنعه، ومنه قول عبيد بن الأبرص: «وَلَقَدْ أَبَحْنَا مَا حَمَيْتَ وَلَا مُبِيحَ لِمَا حَمَيْنَا» -يعني أبحنا ما حميت بمعنى فعلنا ما أردت منعه، ولا مبيح لما حمينا يعني لا رافع لما منعنا- «كيف حميت؟ حميت» -يعني أردت منع الوصول إليه- «فنحن أبحنا» -يعني استعملنا نعم، لم نجعل- «لم نجعل ما حميت يمنعنا من الوصول إليه». طيب نقف هنا إن شاء الله. صلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.