الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الواجب هو ما توعد بالعقاب على تركه، وينقسم إلى معين ومبهم. الواجب المعين لا يقوم غيره مقامه بينما الواجب المبهم يكون محصورا في أقسام معدودة.
ينقسم الواجب إلى معين ومبهم وإلى مضيق وموسع. يشرح المقطع معنى كل قسم وأمثلته مع مناقشة آراء المعتزلة حول التخيير في الواجب.
ينقسم الواجب باعتبار فاعله إلى عيني وكفائي. الواجب العيني يلزم الفرد بينما الواجب الكفائي يلزم المجتمع ويكفي فيه قيام بعض الأفراد.
يختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه ويعلن انتهاء الدرس بحمد الله.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشنقيطي رحمه الله: قال من قدامة، كما نقله الإمام الشنقيطي، قال: ويطلق الوجوب على اللزوم. وفي الاصطلاح، قال الشنقيطي رحمه الله: ويطلق الوجوب على اللزوم، يطلق الوجوب على اللزوم، يعني لزوم الشيء محله، كما مر معنا في درس الماضي، فإذا وجبت جنوبها، يعني سقطت لازم محلها. والفرق بين الوجوب والواجب والإيجاب عندنا: وجوب، وواجب، وإيجاب. الوجوب أو الواجب، الواجب هذا من حيث تعلقه بالمكلف، حيث تعلق بالمكلف، يقال: واجب، مثلا الصلاة واجبة، الزكاة واجبة، الصيام واجب عن المكلف. ومن حيث نفس الفعل، وجوب، يسمى وجوب، وجوب هذا الفعل، وجوب الصلاة، وجوب الصيام، وجوب الزكاة. والإيجاب بالنظر أن الحكم من الله، بالنظر أن الحكم من الله، منه الإيجاب، يقول: أوجب الله كذا، وأوجب الرسول كذا. قال: وفي الاصطلاح، عرفه المؤلف بأنه ما توعد بالعقاب على تركه، ما توعد بالعقاب على تركه. وهذا مرة معنا تعريف بالثمرة، قال: والوعيد بالعقاب على تركه لا ينافي المغفرة، كما بيّنه تعالى بقوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. وقول: ما توعد بالعقاب، ليس كقول من قال: ما أثيب فاعله وعوقب تاركه، عوقب في شيء من الجزم بالعقاب، لكن ما توعد بالعقاب، إخبار بأنه توعد تاركه بالعقاب، وليس فيه جزم له بأنه سيعاقب. وعلى كل، هذا تعريف بالثمرة، يعني أن ثمرة الواجب: يثاب فاعله امتثالا، ويستحق العقاب تاركه. قال: وإن شئت قلت في حد الواجب: ما أمر به أمرا جازما، وهذا هو التعريف الصحيح الذي يميز الواجب عن غيره، ما أمر به أمرا جازما. وضابطه: أن فاعله موعود بالثواب، وتاركه متوعد بالعقاب، كالصلاة والزكاة والصوم. ضابطه يعني ثمرته، ثمرة هذا الواجب، وهذا الأمر الذي جاء أمرا جازما: أن فاعله موعود بالثواب إذا فعله امتثالا، قد يفعله رياء أو سمعة، فهذا ما يحصل له الثواب. وتاركه متوعد بالعقاب، فقد يعقبه الله، وقد يغفر الله له، كحال أصحاب الكبائر. قال المؤلف رحمه الله: والفرض هو الواجب على إحدى الروايتين. هذا كلام من قدام رحمه الله، قال: الفرض هو الواجب على إحدى الروايتين، يعني في مذهب الإمام أحمد من الحنابلة: أن الفرض هو الواجب، لا فرق بين الفرض وبين الواجب. قال: فحاصل كلامه: أن الفرض هو الواجب على إحدى الروايتين، وهو قول الشافعي ومالك: أن الفرض هو الواجب، لا فرق بين الفرض وبين الواجب، هذا قول الجمهور، هذا قول الجمهور من أهل العلم، من أهل الأصول: أنه لا فرق بين الواجب والفرض. قال: وعلى الرواية الأخرى، فالفرض آكد من الواجب. على الرواية الأخرى: أن الفرض أوكد من الواجب، فالفرض ما ثبت بدليل قطعي، كالصلاة، دليل قطعي، يعني من القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي. والواجب ما ثبت بدليل ظني، كالعمرة عند من أوجبها، يعني وجوبها جاء بالسنة في الأحاديث الآحاد، فالدليل الظني ما ثبت بخبر الواحد أو الإجماع الظني، خبر الواحد أو الإجماع الظني، وهو قول أبي حنيفة، يعني التفريق بين الفرض وبين الواجب، هذا قول أبي حنيفة، فرق بين الواجب وبين الفرض أبي حنيفة. والواجب السلام، فقال: الفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني. وسبب تفريق الحنفية بين الفرض والواجب هو نظرهم إلى تعريف الفرض والواجب في اللغة، تعريف الفرض والواجب في اللغة، فالفرض في اللغة: القطع، والواجب: اللزوم والسقوط، فقالوا: بأن تعريف الفرض في اللغة أقوى من تعريف الواجب، فجعلوا الفرض يعني يخالف الواجب. والصحيح أنه لا فرق، كما هو قول الجمهور: أنه لا فرق بين الفرض والواجب، فقد يطلق يعني على الحكم الواجب بأنه واجب، وقد يطلق عليه بأنه فرض، السلام، فلا فرق بين الفرض والواجب. قال: وقيل: الفرض ما لا يسامح بتركه عمدا ولا سهوا، كأركان الصلاة، أركان الصلاة لا يسامح بتركها، إذا ترك الإنسان سهوا، إذا سهى، واجب عليه أن يأتي بهذا الركن، وإذا تعمد كذلك، بطلت صلاته. قال: والواجب ما يسامح فيه إن وقع من غير عمد، كالصلاة بالنجاسة عند من يقول بالمسامحة في ذلك، يعني إذا وقعت من غير عمد، وهذا صحيح: أن إذا صلى الإنسان وفيه نجاسة لم يعلم بها إلا بعد فراغه من الصلاة، فصلاته صحيحة. قال: واصطلح كثير من العلماء من مالكية وشافعية وحنابلة على إطلاق الواجب على السنة المؤكدة، تأكيدا قويا، يعني يعني يجعلون واجب وجوب سنة، واجب وجوب سنة، يعني السنن التي أتى فيها الأمر وتأكد فيها، على أن الأصل إذا ورد الأمر: أنه يحمل على الوجوب، يحمل على الوجوب، إلا إذا صرف أو صارف، فهنا يحمل على الاستحباب، فبعض السنن منها ما هي سنن مستحبة، ومنها ما هي سنن واجبة، يعني جاء فيها الأمر، جاء فيها الأمر، فتحمل على الوجوب. وبعض السنن جاء فيها التأكيد، يعني من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قوله، الحث والترغيب عليها، كالوتر مثلا، سنة مؤكدة، طيب ركعة الفجر ونحو ذلك من السنن. قال: فصل، قال المؤلف رحمه الله: والواجب ينقسم إلى معين وإلى مبهم في أقسام محصورة، الواجب ينقسم إلى مبهم وإلى معين في أقسام محصورة، إلى آخره. قال: اعلم، اعلم أن الواجب ينقسم، ثلاثة تقسيمات، ينقسم باعتبار ذاته إلى واجب معين لا يقوم غيره مقامه، كالصوم والصلاة، وإلى مبهم في أقسام محصورة، فهو واجب لا بعينه، كواحدة من خصال الكفارة في قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ الآية، قال: فالواجب واحد منها لا بعينه. طيب الأول الواجب المعين، هذا لا يقوم غيره مقامه، كوجوب الصلاة ووجوب الصوم، ما يمكن أن تقوم عبادة أخرى مقام الصلاة أو صيام آخر مقام الصوم الواجب. طيب هذا يسمى واجب معين، بالنسبة إلى الواجب باعتبار ذاته. وإلى مبهم في أقسام محصورة، يعني يكون الواجب محصور في أقسام معاقد معدودة، يكون الواجب منها واحد منها، ليس على جهة ماذا؟ التعيين بأحدها، لكن على جهة التخيير، على جهة التخيير: أن تختار أحد هذه الأمور التي أمر بها الشرع. قال: كواحدة من خصال الكفارة في قوله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾، من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، عندك ثلاثة أمور، أنت مخير فيها في كفارة اليمين: تطعم عشرة مساكين، أو تكسوهم، أو تحرر رقبة، هذه ثلاثة، أنت مخير، إن شئت تبدأ بهذا، وإن شئت تبدأ بهذا. فالواجب واحد منها، الواجب واحد منها، لكن ليس واحد معين، يعني لم يأت الوجوب بعتق الرقبة، ولم يأت الوجوب بإطعام عشرة مساكين، يعني فقط على جهة التعيين، ولم يأت بوجوب كسوتهم، لا، جاء الوجوب في أحد هذه الثلاثة، أنت مخير، إن شئت هذا، وإن شئت هذا، وإن شئت هذا. طيب هذا يسمى واجب مبهم في أقسام محصورة. قال: فالواجب واحد منها، واحد منها لا بعينه، فأي واحد فعله الحانث أجزأه، الحانث الذي حلف ثم خالف ما حلف به، هذا يسمى حانث. قال: مثلا: والله ما أدخل بيت فلان، ثم دخل، هذا يقول: حانث، حانث في يمينه، واجب عليه كفارة. قال: أجزأه، يعني إذا فعل واحد من هذه الثلاثة. وزعم المعتزلة: أن التخيير مطلقا ينافي ذلك الوجوب، باطل، المعتزلة قالوا: بأن التخيير في الواجب يبطل هذا الواجب، يبطل هذا الواجب، ولا يكون هذا الفعل هذا الأمر واجبا، يقول: هذا الزعم الذي زعمه المعتزلة باطل؛ لأنه لم يخير بين الفعل والترك تخييرا مطلقا، حتى ينافي ذلك الوجوب، بل لا يجوز ترك بعضها إلا مشروطا بفعل بعض آخر منها، فلو ترك جميعها لكان آثما، ولا خيار له في ترك الجميع، ولا يجب عليه فعل جميعها إجماعا، فتبين أن الواجب واحد منها لا بعينه؛ لأن كل واحد منها يفي بالمقصود الشرعي، ولا يحصل دون واحد منها، هذا واضح في رد زعم المعتزلة. فهذا التخيير لم يكن تخييرا مطلقا، يعني بين الفعل والترك، أنت مخير بينها: تكفر، وبينها لا تكفر، لو كان التخيير على هذه الصورة، صح هذا يبطل الوجوب، لكن لا، التخيير إنما جاء في أحد هذه الخصال المذكورة، والوجوب باقي، يجب عليك أن تكفر، لكن ما هو الواجب؟ أحد هذه ثلاثة، التخيير حصل في هذه الخصال المذكورة، والوجوب باقي على ما هو عليه. إذن حصول التخيير في هذا الواجب لا ينافي الوجوب، كما قال المعتزلة. والواجب عليه واحدة منها، الواجب عليه واحدة منها، فلو تركها جميعا أثم، لو ترك جميع هذا الخصال التي خير فيها، لصار آثما؛ لأنه لم يأتي الواجب. ولو فعلها كلها، فالواجب الذي عليه منها واحدا، الذي عليه منها واحدا. وكذلك غير المحصورة، يعني المبهمة، كاعتاق رقبة في الظهار أو اليمين، فإن الواجب في ذلك رقبة لا بعينها، من غير حصر لما تجب منه، قال الله عز وجل في كفارة الظهار: ﴿فتحرير رقبة﴾، وأيضا في كفارة اليمين: ﴿أو تحرير رقبة﴾، هنا الرقبة مبهمة، أطلقت، لم تعين رقبة بعينها، فأي رقبة أعتقها أجزأته، أي رقبة أعتقها أجزأته. ونظير ذلك: تزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفأين الخاطبين، يعني إذا تقدم لها اثنان، تقدم لها اثنان، على الأصل: أن يجوز للمسلم أن يخطب على خطبة أخيه، لا، قد يحصل ذلك من غير علم، ما يعلم أن فلان خطب عند هؤلاء، فجاء خطب، فتقدم الأثنان، وهي تريد النكاح، فهنا يحصل تخير، تختار أحدهما وتزوج به، فالواجب هو أن تزوج بأحد هذين الاثنين، ليس على جهة التعيين، الذي تختاره وتريده. قال: وعقد الإمام لأحد الرجلين الصالحين، فإن كل ذلك يجب فيه واحد لا بعينه، يعني يجب عقد الإمام لمن يقوم على أمر المسلمين، عندنا اثنان مثلا، كلاهما مهيأ لهذا الأمر، وتوفرت فيهم الشروط، فيجب اختيار واحد منهما. قال: ولا يمكن أن يقال فيه بإيجاب الجميع، ولا بسقوط إيجاب الجميع، كما ترى، يعني هل يقال: تزوج هذه المرأة بكلا الكفأين؟ هذا ما يجوز، تزوج برجلين، لا، إذن لابد اختيار واحد، ولا كذلك أيضا تعقد الإمام الاثنين، الإمام تكون لواحد، إذن فالواجب منهما واحد، ليس على جهة التعيين. قال: وينقسم الواجب أيضا باعتبار وقته، هذا الآن تقسيم، الأول باعتبار ذات الواجب، إنقسم إلى واجب معين، وإلى واجب مبهم. قال: وينقسم الواجب أيضا باعتبار وقته، إلى مضيق وموسع، فالواجب المضيق هو ما وقته مضيق، ما وقته مضيق. وضابط ما وقته مضيق، واجبا كان أو غيره: هو ما لا يسع وقته أكثر من فعله، كصوم رمضان في الواجب، صوم رمضان في الواجب، هل يسع شهر رمضان لصيام غير رمضان؟ لا، هذا يسمى واجب مضيق، ما يمكن فعل عبادة في وقت هذه العبادة، هذا واجب مضيق. وستة من شوال، وستة من شوال عند من يقول: بأنها لابد أن تكون متتابعة، تلي يوم الفطر، على القول بالتتابع بوجوب التتابع، وأن لابد أن تكون بعد الفطر، يعني بعد اليوم الأول من شوال، فهنا ما يمكن فعل عبادة، عبادة صيام غير صوم الست. قال: وهو ظاهر، وحديث بأيوب، وحديث ثوبان، يعني كأن المؤلف يذهب إلى وجوب التتابع، بحيث بأيوب أنه سئل، قال: من صام رمضان ثم أتبعه ستة من شوال، وحديث ثوبان جاء بلفظ: من صام ستة أيام بعد الفطر وأتبعه، ومن صام رمضان وستة من شوال فقد صام السنة، من صام رمضان وستة من شوال فقد صام السنة. طيب والصحيح أنه لا يشترط التتابع، لا يشترط التتابع، يعني يجوز أن يصوم المسلم أيام الست متفرقة؛ لأن يصدق عليه أنه صام رمضان وأتبعه ستة من شوال، يصدق عليه ذلك، فالمقصود أنه يصوم بعد رمضان ستة أيام من شوال، سواء صام متتابعة أو متفرقة، والأولى أن تكون متتابعة، هذا أولى، لكن لو صام متفرقة، فإن شاء الله يثبت له الأجر. قال: والأيام البيض في غير الواجب، والأيام البيض في غير الواجب، يعني إذا أراد أن يصوم صوما يعني غير أيام البيض، في أيام البيض، ما يسع ما يسع هذه الأيام إلا لهذه الأيام، فيكون صومها من الوقت المضيق. وقوله: في غير الواجب، يعني في الأيام مستحبة، بخلافه إذا أوجبها على نفسه بالنذر مثلا، نذر أن يصوم أيام البيض، صار واجبا بالنذر. أو كذلك قد يحمل قوله: في غير الواجب، كصيام رمضان، فصومها في شهر رمضان واجب، صومها في شهر رمضان واجب. قال: والواجب الموسع هو ما يسع وقته أكثر من فعله، ما يسع وقته أكثر من فعله، يعني يسع لفعل هذا الواجب، وفعل غيره، يسمى واجب موسع. قال: كالصلاوات الخمس، الصلاوات الخمس، وقتها واسع، تستطيع أن تصلي هذه الفريضة، تصلي مع ما يتسع من نوافل، كالرواتب وغيرها. ومثاله في غير الواجب: الوتر، وركعتا الفجر، والعيدان، والضحى، يعني أن هذا وقتها موسع، الوتر من بعد الصلاة العشاء إلى قبل الفجر، هذا كله وقت الوتر، وقت واسع، وهي مستحبة، ليست بواجبة. كذلك ركعتا الفجر من طلوع الفجر إلى صلاة الفجر، فإن فاتتك، صليت بعد الفجر أو بعد شروق الشمس. والعيدان، العيدان يعني عيد الفطر وعيد الأضحى، وقتها من طلوع الشمس إلى قبل الزوال، وقت واسع. والضحى أيضا من طلوع الشمس إلى قبل الزوال، إلى زوال الشمس. قال: والوقت في الاصطلاح هو الزمن الذي قدره الشارع للعبادة، الزمن الذي قدره الشارع للعبادة. والأولى بالتعبير بلفظ: الشرع، أولى من الشارع، أن نلفظ الشارع ورد في الشرع، بخلاف لفظ الشارع، لم يرد في الشرع، مثلا: شرع، قول الله جل وعلا: ﴿شرع لكم من الدين﴾، طيب فالتعبير بما ورد في الكتاب والسنة أوفق. قال: والوقت في الاصطلاح هو الزمن الذي قدره الشارع للعبادة، المشرع هو الله عز وجل، أو رسوله عليه الصلاة والسلام. قال: وما زعمه بعض من أن الواجب الموسع مستحيل، زاعما أن التخيير في فعل العبادة ذات الوقت الموسع في أول الوقت ووسطه ينافي الوجوب؛ إذ الواجب حتم لا تخيير فيه، ولا يجوز تركه، فهو باطل، أي الزعم بأن الواجب الموسع مستحيل، وهذا زعم المعتزلة. قال: لأن الواجب الموسع كمسألة التخيير، نفس مسألة التخيير، ما قيل فيها يقال في هذه المسألة. قال: لأن الواجب الموسع من قبيل الواجب المبهم في واحد لا بعينه، يعني هي كوجوب الواجب المبهم في واحد لا بعينه، ككفارة اليمين، كما مرة معنا: أن الواجب أحد خصال الكفارة. وهكذا أيضا في الواجب الموسع في الوقت الموسع: أنت مأمور أن تؤدي العبادة في هذا الوقت، إن شئته في أوله، وإن شئته في وسطه، وإن شئته في آخره، فكل الوقت وقت للعبادة. وكونك مخيرا في فعل العبادة في سائر وقتها، ليس هذا معنى أنه ينافي وجوب هذه العبادة، كما زعم المعتزلة. قال: كالصلاة يجب أن تؤدى في حصة من حصص الوقت لا بعينها، يعني لا بوقت معين، مدام أن الوقت كله وقت للصلاة، فلك أن تؤدي الصلاة في أي وقت من هذه الأوقات، هذا الكلام على من حيث يعني الجواز، لا من حيث الأفضلية، من حيث الأفضلية، لا شك أن الصلاة في أول وقت أفضل، إلا صلاة العشاء، فيستحب تأخيرها عند عدم المشقة. قال: كوجوب واحدة من خصال الكفارة لا بعينها، فأي حصة من حصص الوقت من أوله أو وسطه أو آخره، فعل فيها الصلاة أجزأته، كما أن أي واحدة من خصال الكفارة فعلها أجزأته. قال: وقد أجمع العلماء على أن من أدى الصلاة في أول وقتها: أنه يثاب ثواب الفرض، وتلزمه نية الفرض، وتلزمه نية الفرض، محل الاستدلال لزوم نية الفرض مع جواز التأخير، وإذا شاء أن يؤخرها، وإذا شاء أن يؤخرها، له أن يؤخرها، له أن يؤخرها. وإذا نوى أنها هي الفريضة، صلاها في أول وقتها، وسقط عنه الفرض. قال: فدل ذلك على بطلان قول من قال: أنها لو وجبت في أول الوقت لما جاز ترك أدائها إلى وسط الوقت أو آخره، وتبين أنها غير واجبة في أول الوقت؛ لأن التخير في تركها في ذلك الوقت إلى ما بعده ينافي الوجوب، ولا شك أن ذلك كله باطل، كما بينا، واضح. قالوا: ينقسم الواجب أيضا باعتبار فاعله إلى واجب عيني وواجب على الكفاية، فالواجب العيني هو ما ينظر فيه الشارع إلى ذات الفاعل، كالصلاة والزكاة والصوم؛ لأن كل شخص تلزمه بعينه طاعة الله عز وجل، لقوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. وأما الواجب على الكفاية، فضابطه: أنه ما ينظر فيه الشارع إلى نفس الفعل بقطع النظر عن فاعله، كدفن الميت وإنقاذ الغريق ونحو ذلك؛ فإن الشارع لم ينظر إلى عين الشخص الذي يدفن الميت أو ينقذ الغريق، إذ لا فرق عنده في ذلك بين زيد وعمر، وإنما ينظر إلى نفس الفعل الذي هو الدفن والإنقاذ مثلا. وستأتي مسألة فرض الكفاية في مباحث الأمر إن شاء الله تعالى. طيب هنا الآن قسم الواجب باعتبار فاعله إلى واجب عيني، وواجب على الكفاية، الواجب العيني: ما ينظر فيه الشرع إلى ذات الفاعل، يعني ينظر فيه الشرع إلى الفاعل نفسه: أنه يجب عليه بعينه أن يؤدي هذا الواجب، كالصلاة، الصلاة واجب عيني، يجب على كل إنسان بعينه، ليس المقصود هو حصول الصلاة سواء قام فلان أو فلان، لا، الواجب هو على كل مكلف أن يصلي، كل واحد بعينه يجب عليه أن يؤدي الصلاة. وهكذا الصيام، وهكذا الحج للمستطيع، وغيرها من الواجبات العينية؛ لأن كل الشخص، وكل عبد، تلزمه طاعة الله، وما خلق الجن والإنس إلا ليعبدون، هذا يسمى واجب عيني. مثل أيضا توحيد الله جل وعلا، تحقيق أركان الإسلام: الشهادتين، الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج. قال: وواجب كفائي هو ما نظر فيه الشرع إلى نفس الفعل، ما نظر فيه الشرع إلى نفس الفعل دون الفاعل، دفن الميت فرض كفائي، واجب كفائي، تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، كل هذه واجبات كفائية، المطلوب أن يوجد هذا الفعل، يوجد تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، سواء صلى عليه فلان أو فلان أو فلان من الناس، إذن المقصود هنا: حصول هذا الفعل، دون النظر عن الفاعل، هنا ما نظر الشرع إلى الفاعل، لكن نظر إلى الفعل، لابد من وجود هذا الفعل، وجود الدفن. وكذلك أيضا إنقاذ الغريق واجب كفائي، سواء أنقذه فلان أو فلان أو فلان من الناس، المهم أنه ينقذ، المطلوب حصول هذا الفعل، وهو الإنقاذ، فيجب على من كان قادرا على إنقاذ أن ينقذه، فإذا فعل سقط الإثم على الباقين. ولهذا بعض المعبرين في الواجب الكفائي: إذا قام به البعض سقط الإثم على الباقين، وإذا تركوه جميعا أثموا. لو أن الناس تركوا هذا الميت لم يغسلوه ولم يكفنوه ولم يصلوا ولم يدفنوه، أثموا جميعا؛ لأنه ضيعوا هذا الواجب الذي أمر به الشرع، وأراد فعله وإيجاده، لم يوجد، أثموا الجميع. لكن لو قام به البعض وأتوا بهذا الفعل، هنا سقط الإثم عن البقية، وحصل بهؤلاء الكفاية الذين قاموا به، إذن الواجب العيني ينظر فيه الشرع إلى عين الفاعل، إلى الشخص بعينه. وأما الواجب الكفائي فينظر فيه الشرع إلى الفعل دون الفاعل، ينظر فيه إلى الفعل دون الفاعل. وأيضا بعضهم قسم الواجب تقسيما رابعا، فقال: واجب مقدر، وواجب غير مقدر، الواجب المقدر كالزكاة، الزكاة لها أنصبة مقدرة في الشرع. والواجب غير المقدر كالطمأنينة في الصلاة، الطمأنينة ليس لها قدر محدود ومعين. نقف هنا إن شاء الله إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.