التعليق على مذكرة أصول الفقه 3

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حكم الصلاة في وقت موسع عند الموت

إذا مات الشخص في وقت موسع ولم يصل، فإنه لا يعتبر عاصيا إذا لم يكن هناك ظن بالموت، أما إذا غلب على ظنه الموت، فعليه تقديم الصلاة. إذا صلى بعد ذلك في آخر الوقت، تعتبر صلاته أداء.

تقسيم ما لا يتم الواجب إلا به

يناقش تقسيم ما لا يتم الواجب إلا به إلى قسمين أو ثلاثة أقسام، حيث يشمل ما هو خارج عن قدرة العبد وما هو تحت قدرته. يُوضح أن ما تحت قدرة العبد ومأمور به يعتبر واجباً.

تعدد الأدلة وعلاقته بقوة الوجوب

ذكر الشاطبي أن تعدد الأدلة يعطي قوة في الأمر، وضرب مثالا بوجوب الطهارة والصلاة، حيث إن الطهارة واجبة بنصوص مستقلة بينما يستدل بوجوب الصلاة أيضا على وجوب الطهارة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: إذا أخر الواجب الموسع فمات في أثناء وقته قبل ضيقه لم يمت عاصيا إلى آخره. قال: خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أن المكلف إذا مات في أول الوقت أو وسطه، والحال أنه لم يؤدي الصلاة، لم يمت عاصيا؛ لأن الوقت موسع، والوقت الموسع يجوز للإنسان أن يأتي بالصلاة في أي حصة شاءها من حصصه، سواء كانت من أوله أو وسطه أو آخره. وهذا ظاهر؛ علمنا أن الوقت الموسع يجوز للإنسان أن يفعل فيه العبادة في أي وقت من أوقات هذا الوقت الموسع، في أوله أو وسطه أو آخره. إذا أخره إلى آخره ثم مات، لم يكن بذلك عاصيا؛ لأنه يجوز له أن يؤخره. قال: وأما إن مات والحال أنه لم يبق من الوقت قدر ما يسع الصلاة، فإنه إذن يموت غير عاص فيما إذا لم يغلب على ظنه أنه يموت في أول الوقت أو وسطه. يموت غير عاص إذا لم يغلب على ظنه أنه يموت في أول الوقت أو وسطه. أما إذا غلب على ظنه، وجب عليه أن يقدمها. إذا غلب على ظنه أنه سيموت في آخر الوقت أو في وسط الوقت، وجب عليه أن يقدم الصلاة في أول وقتها. قال: كالمحكوم عليه بالقتل مع تعيين وقت التنفيذ؛ لأن الوقت يضيق في حقه بسبب ظن الموت. يعني إنسان مسجون حكم عليه بالموت بالقتل، وأنه سيقتل مثلا في وقت العصر، هنا الآن يعرف أنه سيموت في هذا الوقت، واجب عليه أن يقدم الصلاة في أول وقتها. قال: لأن فلو تخلف الظن وسلم من الموت وأدى الصلاة في آخر الوقت، فهل تكون صلاته أداء؟ هذه مسألة أخرى. الآن علمنا أنه يجوز أن يؤخر الصلاة في الوقت الموسع إلى آخر وقتها، فإن مات قبل أدائها لم يموت عاصيا، إلا إذا علم أنه سيموت أو غلب على ظنه أنه سيموت في وقت هذه الصلاة أو في آخر وقتها، واجب عليه أن يقدمها. قال: طيب إذا ظن ثم تخلف هذا الظن وسلم من الموت وأدى الصلاة في آخر الوقت، هل تكون صلاته هذه أداء أو تكون قضاء؟ قال: هل تكون صلاته أداء، وهو الظاهر لوقوعها في الوقت؛ يعني أنها تعتبر أداء لأنه صلى في وقتها، أو تكون قضاء؟ الصحيح أن تكون أداء كما ذكر المؤلف رحمه الله، ويؤيد ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة». قال: ولو وقعت في آخر الوقت. قال: يعني هل تكون قضاء ولو وقعت في آخر الوقت، بناء على أن الوقت ضاق في حقه بسبب ظن الموت، بدليل أنه لو مات في الوقت مع ظن الموت ولم يبادر بالصلاة، صلى مات عاصيا كما ذكرنا. الراجح أنه تعتبر أداء، وهذا مما يظهر ثمره ما تقدم معنى من تقسيم الوقت إلى موسع ومضيق. فمن آثار هذا التقسيم هذه المسألة الفقهية. قال فصل: قال المؤلف: ما لا يتم الواجب إلا به ينقسم إلى ما ليس داخلا تحت قدرة المكلف كالقدرة، وما ليس داخلا تحت قدرة المكلف كالقدرة واليد، كذا عندي، إيش عندكم؟ نفسه، كالقدرة واليد في الكتابة، وحضور الإمام والعدد في الجمعة، فلا يوصف بوجوب. وإلى ما هو داخل تحت قدرة العبد فيما يتعلق باختيار العبد، كالطهارة للصلاة، والسعي للجمعة، وغسل جزء من الرأس، وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم، فهو واجب إلى آخره. قال: حاصل معنى كلامه رحمه الله أن ما لا يتم الواجب إلا به قسمان: الأول قسم ليس تحت قدرة العبد، كزوال الشمس لوجوب صلاة الظهر، وككون من تعينت عليه الكتابة مقطوع اليدين، وكحضور الإمام والعدد الذي لا تصح الجمعة بدونه. والعدد الذي لا تصح الجمعة بدونه، فلا قدرة للمكلف على قهر الإمام والجماعة على الحضور إلى المسجد. فهذا النوع لا يوصف بوجوب إلا على قول من جوز التكليف بما لا يطاق، وهو مذهب باطل مردود. قال: هذا القسم ليس تحت قدرة العبد، كزوال الشمس لوجوب الظهر؛ يعني أن صلاة الظهر لا تجب إلا بزوال الشمس. لا تجب إلا بزوال الشمس، فقولنا في القاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به، فهنا الآن لا تتم صلاة الظهر إلا بزوال الشمس. فقولنا: ما يتم الواجب إلا به فهو واجب، ذكر أن الواجب قسمان: قسم ليس تحت قدرة المكلف، يعني تحصيله. تحصيل هذا الواجب كزوال الشمس، أو غروب الشمس لصلاة المغرب، هذه أشياء ليس تحت قدرة المكلف ولا يستطيعها. قال: أو كون من تعينت عليه الكتابة مقطوع اليدين، ما يمكن أن يكتب، هو مقطوع اليدين، هذا الشيء ليس في قدرته. كذلك حضور الإمام والعدد الذي لا تصح الجمعة بدونه، هذا على القول بأن الجمعة لها عدد معين، على القول أنها تشترط مثلا أربعين. طيب إذا لم يكن هناك أربعون، هل يجب على الإمام أن يذهب ويبحث عن هذا العدد ويكمله حتى يصلي الجمعة؟ الجواب لا، ليس هذا في قدرته. قال: هذا النوع لا يوصف بوجوب إلا على قول من جوز التكليف بما لا يطاق، أنه يجوز التكليف بما لا يطيق، وهذا قول كثير من المتكلمين، منهم الأشاعرة، وبعضهم يطلق عليه التكليف بالمحال. والذي عليه جمهور علماء أهل السنة أن مثل هذا النوع لا يوصف بالوجوب. قال: وقسم تحت قدرة العبد، كالطهارة للصلاة، والسعي للجمعة، وغسل جزء من الرأس؛ إذ لا يتحقق تعميم غسل الوجه إلا بغسل جزء يسير من الرأس، وإمساك جزء من الليل مع النهار؛ إذ لا يتحقق الإمساك في جميع نهار رمضان إلا بإمساك جزء يسير من الليل، بناء على أن الغاية في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ خارجة، وهو الصحيح؛ لأن من أخر الإمساك عن جميع أجزاء الليل بتمامها، يكون متناولا للفطر قطعا في نهار رمضان. قال: يعني من أخر الإمساك عن جميع أجزاء الليل بتمامها، يعني بالليل كله، يكون متناولا للفطر قطعا في نهار رمضان؛ يعني سيدخل جزء من النهار ويكون فيه مفطرا. قال: إذ لا واسطة بين الليل والنهار، ومجمع الأحاديث يوهم جواز تناول المفطر بعد الصبح، فهو محمول على أن المراد به أنه في آخر جزء من الليل لشدة قربه من النهار. قال: يحمل على أن المراد به تناوله في آخر جزء من الليل قبل الفجر. طيب هذا القسم الثاني. قال: قسم تحت قدرة العبد؛ يعني يستطيع أن يأتي به، كالطهارة للصلاة، الطهارة للصلاة هذا من قدرة المكلف، يستطيع تحصيله. يستطيع تحصيله كذلك السعي للجمعة؛ يعني كونه يذهب حتى يحضر الجمعة هذا في قدرته. قال: كذلك غسل جزء من الرأس؛ غسل جزء من الرأس يعني في غسل الوجه، إذا لا يتحقق تعميم غسل الوجه إلا بغسل جزء يسير من ماذا؟ من الرأس، كالناصية، مقدمة الرأس. هكذا أيضا إمساك جزء من الليل مع النهار؛ لأنه لا يمكن أن يكون ممسكا إلا إذا أمسك جزء يسيرا منهما قبل أذان الفجر. قبل أذان الفجر، وإذا أمسك الليلة كلها، يعني أقصد الإمساك في النهار، ما يتأتى إلا بأن يكون هناك جزء من الليل يمسك فيه عن الطعام والشراب. قال: وهذا القسم الأخير، أعني ما هو تحت قدرة المكلف، قال المؤلف: أنه واجب. هذا حاصل معنى كلامه رحمه الله. هذا الآن ما قرأناه، يعني كشرح وضحه الشارح رحمه الله من كلام المؤلف. قال مقيده عفا الله عنه: يعني نفسه الشارح رحمه الله، قال: وهذا التقسيم غير جيد. وحاصل تحرير المقام أن يقال: ما لا يتم الواجب إلا به ثلاثة أقسام. الأول: قسم ليس تحت قدرة العبد، كما مثلنا له آنفا؛ يعني كتحصيل زوال الشمس أو غروبها لصلاة الظهر في الزوال، وصلاة المغرب في الغروب، هذا شيء ليس في قدرة العبد، فهذا لا يجب عليه. قال: الثاني: قسم تحت قدرة العبد عادة، إلا أنه لم يؤمر بتحصيله. شيء في قدرة العبد، لكن لم يؤمر بتحصيله. قال: كالنصاب لوجوب الزكاة؛ يعني بلوغ المال النصاب، هذا ما أمر به الإنسان أن يتكلفه حتى يخرج الزكاة، فهذا في قدرته، لكن ما أمر به. ما أمر بتحصيله. كذلك الاستطاعة لوجوب الحج؛ هل هو مكلف أن يتكلف جمع المال حتى يحج؟ الجواب لا. الإقامة لوجوب الصوم؛ يعني هل يجب عليه أن يقيم حتى يصوم؟ لا، إذا كان في سفر، لو أنه يسافر. قال: وهذان القسمان لا يجبان إجماعا. الثالث: القسم الثالث: ما هو تحت قدرة العبد، مع أنه مأمور به، كالطهارة للصلاة، والسعي للجمعة إلى آخره، هذا واجب على التحقيق. وإن شئت قلت: ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب. الواجب المطلق؛ يعني سواء كان سببا أو كان شرطا. قال: قال: كالطهارة للصلاة، وهي شرط. وما لا يتم الواجب المعلق -أي المعلق على شرط- كالزكاة معلق على ملك النصاب، والحج على الاستطاعة، إلا به فليس بواجب؛ يعني ما لا يتم الواجب المعلق إلا به فليس بواجب. فالزكاة واجب، لكنه معلق بإيش؟ بالشرط، ملك النصاب، إذن ليس بواجب إلا لمن ملك النصاب. الحج معلق وجوبه بالاستطاعة، فمن لم يكن مستطيعا لم يجب عليه الحج. قال: كالنصاب للزكاة، والاستطاعة للحج. وأوضح من هذا كله أن نقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كالطهارة للصلاة. وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، كالنصاب للزكاة. هذه خلاصة. ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كالطهارة للصلاة. طيب الخروج لصلاة الجمعة أو لصلاة الجماعة. طيب ستر العورة، شراء الثوب مثلا لستر العورة، وشراء الماء للوضوء إلى آخره. قال: وما لا يتم الوجوب إلا به فهذا ليس بواجب، كالنصاب للزكاة، فهذا ليس بواجب، أو تحصيل الاستطاعة للحج، هذا ليس بواجب. قال: تنبيه: اعلم أن الطهارة للصلاة واجبة إجماعا كما لا يخفى. وحينئذ، فعل أن ما يتم الواجب المطلق إلا به واجب، فجميع النصوص الموجبة للصلاة توجب الطهارة؛ لأنها لا تتم إلا بها. جميع النصوص الموجبة للصلاة توجب الطهارة من باب ما يتم الواجب إلا به فهو واجب. قال: فالأدلة التي وردت في الأمر بالصلاة، طيب الصلاة ما يمكن أن تؤدى تكون صحيحة إلا بالوضوء، إذن في الأدلة التي وردت في الأمر بالصلاة هي نفسها ماذا؟ أمرت بالطهارة. من باب ما يتم الواجب إلا به فهو واجب. قال: وما لا يتم الواجب إلا به واجب، وإن كانت الطهارة واجبة بأدلة أخرى. الطهارة نفسها قد جاءت في أدلة مستقلة في وجوبها. قال: إذ لا مانع من تعدد الأدلة؛ يعني كون الطهارة أن بعض قد يعترض يقول: هذا المثال كيف نستدل بوجوب الطهارة بوجوب الصلاة في هذه القاعدة، والطهارة نفسها قد جاءت فيها أدلة توجبها؟ يقال: هذا كون جاءت فيها أدلة أخرى لا يمنع. لا يمنع من الاستدلال بها والتمثيل بها. وكثرة الأدلة ماذا؟ تقوي. تقوي هذا الأمر، ولا مانع من ذلك. وهذا كما ذكره الشاطبي رحمه الله: أن تعدد الأدلة تعطي قوة في الأمر. قال: وعلى العكس، فالطهارة واجبة بالنصوص الأخرى فقط دون النصوص الموجبة للصلاة. الطهارة واجبة بالنصوص الأخرى؛ يعني النصوص التي فيها وجوب الطهارة، ليس فيها دليل على وجوب الصلاة. بخلاف وجوب الصلاة، فهو يستدل به على وجوب الطهارة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.