التعليق على مذكرة أصول الفقه 5

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

استصحاب العدم الأصلي ودله من القرآن

يشرح المقطع مفهوم استصحاب العدم الأصلي ويستدل له من القرآن الكريم، حيث يشير إلى عدم مؤاخذة الله للناس على أفعال كانت مباحة ثم حُرمت. يستشهد بآيات تتعلق بالربا والنكاح المحرم.

حكم الأفعال والأعيان قبل الشرع وآراء الفِرَق

يناقش المقطع حكم الأفعال والأعيان قبل ورود الشرع، ويستعرض آراء المعتزلة والأشاعرة وأهل السنة حول دور العقل في تحسين أو تقبيح الأفعال. يستدل بقول الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ على الإباحة الأصلية.

أقسام الحكم التكليفي وتعريف المكروه

يناقش المقطع آراء الفقهاء والأصوليين حول الأصل في الأشياء، ويستعرض أقسام الحكم التكليفي. يعرّف المكروه في الاصطلاح بأنه ما تركه خير من فعله أو ما نهي عنه نهيا غير جازم، ويقدم أمثلة على ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: تنبيه، قد دلت آيات من كتاب الله على أن استصحاب العدم الأصلي حجة على عدم المؤاخذة بالفعل حتى يرد دليل ناقل عن العدم الأصلي. من ذلك أنهم كانوا يتعاملون بالربا، وقبل هذا استصحاب العدم الأصلي، ذكر المنقيم رحمه الله تعريفه في إعلام الموقعين، فقال: هو استدامة ما كان ثابتا، ونفي ما كان منفيا، استدامة إثبات ما كان ثابتا ونفي ما كان منفيا. هذا معنى استصحاب العدم الأصلي، ما كان ثابتا فيستمر ثبوته، وما كان منفيا فيستمر نفيه. قال: ومن ذلك أنهم كانوا يتعاملون بالربا، فلما نزل تحريم الربا خافوا من أكل الأموال الحاصلة منه بأيديهم قبل تحريم الربا، فأنزل الله في ذلك ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، فقوله تعالى ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ يدل على أن ما تعاملوا به من الربا على حكم البراءة الأصلية قبل نزول التحريم، لا مؤاخذة عليهم به. يعني أنهم حين تعاملوا بالربا قبل التحريم كانوا على البراءة الأصلية، وهو الجواز، فلما جاء المنع لم يؤاخذهم الله سبحانه وتعالى فيما حصل منهم قبل ذلك. لهذا قال ﴿فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ يعني مما مضى، وأمره إلى الله. قال: ونظير ذلك قوله ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يعني ما قد مضى، ليس عليكم إثم، يعني من نكح امرأة أبيه قبل التحريم، هذا ليس عليه شيء. لهذا قال «إلا ما قد سلف»، وقوله تعالى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يعني ما حصل من ذلك قبل التحريم، فلا شيء عليكم من حيث الإثم. أما من حيث الاستمرار، لا يجب المفاصلة، يعني يختار إحدى الأختين إذا كان عنده أختان. قال: فإن قوله تعالى «إلا ما قد سلف» في الموضعين استثناء منقطع، إلا ما قد سلف، أي لكن ما سلف قبل التحريم على حكم البراءة الأصلية فهو عفو. ونظائر هذا في القرآن الكريم كثيرة. ومن أصرح الآيات في ذلك قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾، قال: فإنهم لما استغفروا لموتاهم المشركين، فنزل قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾، ندموا على استغفارهم للمشركين مما حصل منهم قبل نزول التحريم، فأنزل الله الآية مبينة أن ما فعلوه من الاستغفار لهم على حكم البراءة الأصلية. قال: فصل، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقتلها في الأفعال، وفي الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها. هذه المسألة مبنية على مسألة التحسين والتقبيح العقليين، هل للعقل أن يحسن أو يقبح قبل ورود الشرع أو ليس له ذلك؟ فالمعتزلة قالوا: العقل يحسن ويقبح قبل ورود الشرع. والأشاعرة قالوا: لا، ليس للعقل الدخل في مثل التحسين والتقبيح. وأهل السنة، قولهم وسط بين الطائفتين، فقالوا: العقل يحسن ويقبح، لكن بعد ورود الشرع. فما أباحه الشرع أو أمر به، فالعقل يحسنه، وما ذمه الشرع أو نهى عنه، فالعقل يقبحه. قال: اعلم أن خلاصة ما ذكره المؤلف رحمه الله في هذا المبحث أن حكم الأفعال والأعيان، أي الذوات المنتفع بها قبل أن يرد فيها حكم من الشرع، فيها ثلاثة مذاهب. قال: الأول أنها على الإباحة، وهو الذي لم يميل إليه المؤلف. قال: واستدل بقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، فإنه تعالى امتن على خلقه بما في الأرض جميعا. قال: ﴿وَلَا يُمْتَنُّ إِلَّا بِمُبَاحٍ إِذْ لَا مِنَّةَ فِي مُحَرَّمٍ﴾ يعني الله امتن مما خلق في هذه الأرض لعباده، خلق لكم، دل ذلك على أن ما في هذه الأرض مباح لنا، إذ لا منة في محرم. قال: واستدل لإباحتها أيضا بصيغ الحصر في الآيات، كقوله «قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون»، فهم الآية أن غير المذكورات ليست محرمة. قال: وقوله تعالى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ الآية، فقوله «قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون» ذكر المحرمات، مفهوم المخالفة أن غير المذكورات على أصل الإباحة أنها مباحة. قال: المذهب الثاني أن ذلك على التحريم حتى يرد دليل الإباحة. هذا مذهب المعتزلة. قال: واستدل لهذا بأن الأصل منع التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وجميع الأشياء ملك لله، فلا يجوز التصرف فيها إلا بعد إذنه. قال: ونوقش هذا الاستدلال بأن منع التصرف في ملك الغير إنما يقبح عادة في حق من يتضرر بالتصرف في ملكه، وأنه يقبح عادة المنع مما لا ضرر فيه. والله جل وعلا لا يلحقه ضرر من انتفاع مخلوقاته بالتصرف في ملكه. قال: المذهب الثالث التوقف عنه حتى يرد دليل مبين للحكم فيه. هذا مذهب الواقفية، واختاره ابن الحزم رحمه الله. قال: واعلم أن لعلماء الأصول في هذا المبحث تفصيلا لم يذكره المؤلف، ولكنه أشار إليه إشارة خفية، وهو أنهم يقولون: الأعيان مثلا لها ثلاث حالات: إما أن يكون فيها ضرر محض ولا نفع فيها البتة، فهذه محرمة. وإما أن يكون فيها نفع محض ولا ضرر فيها أصلا، فهذه لا شك في إباحتها. وإما أن يكون فيها نفع من جهة وضرر من جهة، فإن كان فيها الضرر أرجح من نفعها أو مساويا له، فهي حرام. قال: وقد أشار المؤلف إلى هذا التفصيل بقوله «المنتفع بها»، فمفهومه أن ما لا نفع فيه لا يدخل في كلامه. قال المؤلف رحمه الله: المباح غير مأمور به. الجمهور أنه غير مأمور به. وخالف الكعبي، فقال: بأنه مأمور به. قال: وجه ذلك أن المباح فيه ترك الحرام، وترك الحرام واجب، إذن المباح واجب. قال: من المعلوم أن المباح لم يؤمر به لا تركا ولا فعلا. قال: المكروه، قال المؤلف رحمه الله: القسم الرابع المكروه، وهو ما تركه خير من فعله. وقد يطلق ذلك على المحظور، وعلى ما نهى عنه نهي تنزيه، فلا يتعلق بفعله عقاب لآخره. قال: وعرف المكروه في الاصطلاح بأنه ما هو تركه خير من فعله، وإن شئت قلت: وما نهي عنه نهيا غير جازم. هذا هو تعريف المكروه اصطلاحا. ما نهي عنه نهيا غير جازم، جاء فيه النهي لكن غير جازم بالتحريم. مثل نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب قائما، ثم ثبت عنه وشرب قائما. يقال: هذا النهي للكراهة.