التعليق على كتاب العلم  18

التعليق على كتاب العلم 18

الدرس في التعليق على كتاب العلم 18، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

السعادة الحقيقية بالتمسك بالكتاب والسنة

تتمثل السعادة والنعيم الحقيقيان في التمسك بالكتاب والسنة والإيمان والعمل الصالح، لا في المال أو الدنيا، ويزداد إيمان طالب العلم بجمع التحصيل والعبادة والتطبيق لينال الحياة الطيبة.

أولوية الطاعة والرجوع للسنة النبوية على تقليد المذاهب

المؤمن الحق يهتم بفوات الطاعات لا بفوات الدنيا، والسنة النبوية محفوظة عبر علماء الحديث، واتباع الكتاب والسنة واجب على كل مسلم، وأئمة المذاهب نهوا عن تقليدهم المحض وأمروا بالرجوع إلى الحديث الصحيح إذا صح.

نهي الأئمة عن التقليد المحض ووجوب اتباع الكتاب والسنة

أجمع الأئمة الأربعة وغيرهم على ذم التقليد الأعمى وأمرهم بأخذ ما وافق الكتاب والسنة وترك ما خالفها، مؤكدين وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وحده، وأن الرجوع لكتب الفقهاء يكون للاستنارة لا للتعبد بآرائهم، مع التحذير من الاستقلالية في فهم النصوص دون علم.

وجوب الرجوع إلى كلام أهل العلم وعدم الاستقلالية في الفهم

يجب العودة إلى كتب العلماء وأقوالهم بدلاً من الاعتماد على الفهم الشخصي، لأن من يستقل عن أهل العلم يقع في الزلل والضلال.

  • 12 جمادى الأولى 1435هـ - 13/03/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فقال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "كتاب العلم"، وفي سياق ذكره لأدب من آداب طالب العلم، ألا وهو التمسك بالكتاب والسنة، وهو الأدب العاشر: فلا يزال رحمه الله يبين معنى التمسك بالكتاب والسنة، فقال رحمه الله تعالى: "فالمؤمن في خير مهما كان، وهو الذي ربح الدنيا والآخرة". فالمؤمن المتمسك بالكتاب والسنة، وقد تقدم معنى أن الإنسان يحصل على السعادة بقدر تمسكه بالكتاب والسنة، فينال من السعادة بقدر ذلكم التمسك. فلا شك أن أهل الإيمان يتفاوتون في ذلك، وكلما كان الإنسان قوي الإيمان، شديد التمسك بالقرآن والسنة، فإنه يكون أكثر سعادة. لذلك قال: "فالمؤمن في خير مهما كان، وهو الذي ربح الدنيا والآخرة، والكافر في شر، وهو الذي خسر الدنيا والآخرة". فالكافر تسلب منه السعادة مطلقاً. قال الله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾. فالكفار، والذين أضاعوا دين الله وتاهوا في لذاتهم وترفهم، فهم وإن بنوا القصور وشيدوها، وازدهرت لهم الدنيا، فإنهم في الحقيقة في جحيم. حتى قال بعض السلف: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف". وهذه العبارة نقلت عن جمع من السلف، ومن اشتهر بها الحسن البصري رحمه الله تعالى وغيره من أهل الحديث. فانظروا على ما هم عليه من قلة ذات اليد، ومن الفقر، ومن الحاجة، ومن النقص في أمور الدنيا، ولكنهم من أشد الناس سعادة، ومن أكثر الناس راحة وطمأنينة. لنعلم أن الراحة ليست راحة المال، ولا راحة الدنيا، إنما هي راحة القلب، راحة الإيمان، راحة الطاعة، كما تقدم ذلك. وقد نقل عن أحد السلف، وهو من طلابي أو من أهل الحديث، كان مع جماعة من أهل الحديث يتنقلون من بلد إلى آخر لطلب الحديث، فأتوا على نهر، فأخرجوا ما عندهم من طعام، فأخرجوا خبزاً يابساً فبللوه بماء النهر ثم أكلوه. ثم خرج ذلكم العالم إلى النهر، ورفع إزاره، ووضع رجليه في الماء، وأخذ ماء بيديه ثم شرب، ثم صعد وقال هذه المقولة المشهورة: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف". انظروا ماذا أكلوا وماذا شربوا: أكلوا خبزاً يابساً، وشربوا ماء نهر، ومع هذا فإنهم هم السعداء. فلنعلم ذلك، إخواني في الله: من أراد السعادة الحقيقية فليلزم طريقها وبابها. وإن طريق السعادة كما أخبر الله عز وجل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةٍ ﴾. فالحياة الطيبة إنما تكون بالإيمان والعمل الصالح. ولا شك أن الناس يتفاوتون في الإيمان، وأن الإيمان عند أهل السنة والجماعة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فاحرص على أن يزداد إيمانك، واحرص على أن تكثر من الأعمال الصالحة التي هي سبب في زيادة إيمانك. ومن ذلك طريق طلب العلم، فإنه من أعظم أسباب زيادة الإيمان. كيف لا، وفي هذا الطريق تتعرف على كثير من الطاعات، وكثير من العبادات؟ كيف لا، وفي مجالس العلم، وفي كذلك سيرك للعلم، تطلع على علم وفقه، وعلى كذلك أحاديث من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام؟ فكل ذلك سبب لأن تعمل بهذا العلم، فيزداد إيمانك. فطالب العلم ينبغي عليه أن يجمع بين التحصيل وبين العبادة والطاعة والقربة، فلا يقتصر على أخذ العلم دون عمل، ودون كذلك تطبيق لهذا العلم، وعبادة، وامتثال لما يأمر به هذا العلم. قال: "وأما المؤمنون فقد نعموا بمناجاة الله وذكره". فهذا هو النعيم الحقيقي، يوم أن يطمئن قلب المؤمن بذكر الله: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾. ألا بذكر الله تطمئن القلوب. ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، مع أنه قد ابتلي في سبيل نشره للحق، وفي سبيل دعوة الله عز وجل، ابتلي ابتلاء عظيماً، فسجن وضرب، وهو مع هذا من أسعد الناس، كما أخبر بذلك تلميذه البار ابن القيم عليه رحمة الله. سجن، فقال: «ما يفعل أعدائي بي؟ أنا سجني خلوة، ونفي سياحة، وقتلي شهادة». انظروا إلى عظم هذه العبارات، وكيف أنه سد على أعدائه جميع الوسائل والطرق التي يظنون أن بها يصدون هذا العالم، أو ينكدون عيشة هذا العالم، وهو مع هذا في سعادة وفي خير. وهو الذي قال لما سُجن: «المسجون من سجن عن طاعة الله، عن طاعة الله سبحانه وتعالى، هذا هو المسجون الذي سجن عن طاعة الله». قالوا: وكانوا مع قضاء الله وقدره، فإن أصابتهم الضراء صبروا، وإن أصابتهم السراء شكروا، فكانوا في أنعم ما يكون. بخلاف أصحاب الدنيا، فإنهم كما وصفهم الله بقوله: ﴿ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴾. فأهل الدنيا همهم وشغلهم الشاغل أن يتحصلوا على متاع هذه الدنيا، فهم دائماً في حسرة. صاحب الدنيا إذا كسب في يومه رضي، وإن لم يكسب اجتمعت عليه هموم الدنيا. لماذا؟ لأنه لم يكسب في يومه. لكن المؤمن لا يبالي بهذا، لا يبالي بالدنيا، فهمه أن يكسب الطاعات وأن يكسب الحسنات. فإن فاتته الصلاة أو شيء من الصلاة حزن. هذا الذي يحزنه، ليس يحزنه أن يخسر أو يفقد أو كذلك يغبن في صفقة أو في بيع أو في شراء في هذه الدنيا، إنما يحزن، وكذلك يتألم ويغتم ويهتم، عندما تضيع طاعة من الطاعات، أو كذلك مجلس من المجالس، مجالس العلم أو إلى غير ذلك. قال: "وأما الرجوع إلى السنة النبوية"؛ لأنه يبين ما معنى الرجوع إلى الكتاب، الآن يبين ما معنى الرجوع إلى السنة. قال: "وأما الرجوع إلى السنة النبوية، فسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ثابتة بين أيدينا، ولله الحمد، ومحفوظة؛ لأنها من الذكر، وقد قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾. فالسنة تدخل بآية واحدة في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾. فلما كانت السنة من القرآن، حفظها الله عز وجل؛ لأنها من دين الله سبحانه وتعالى ومن ذكره". قال: "حتى ما كان مكذوباً على الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ذكره، فإن أهل العلم بينوا سنته، وبينوا ما هو مكذوب عليه". أتي بزنديق من الزنادق كان يضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلما أرادوا قتله قال لهم - ويظن أنه بذلك قد أشفى غليله -: «قد وضعت كذا وكذا من أحاديث، وضعت كذا وكذا من أحاديث». فقالوا له: «اخسأ عدو الله، يعيش لها الجهابذة، يعيش لها الجهابذة، أهل العلم ينخلون السنة نخلاً، فيميزون صحيحها من ضعيفها وسقيمها». فلله الحمد والمنة، وجد في تاريخ هذه الأمة علماء جهابذة من علماء الحديث، يحفظون روايات الراوي، وما هي الروايات الصحيحة، وما هي الروايات الضعيفة أو الدخيلة أو إلى غير ذلك. فحفظ الله عز وجل السنة بهؤلاء الجهابذة، كأمثال البخاري ومسلم وابن المديني وأبي حاتم وأبي زرعة، وكذلك غيرهم من علماء الحديث، من علماء الحديث إلى عصرنا هذا. سخر الله عز وجل من أهل الحديث من يميز صحيح السنة من سقيمها، ولله الحمد والمنة. وقال: "وبينوا ما هو مكذوب عليه، وبقية السنة ولله الحمد ظاهرة محفوظة، يستطيع أي إنسان أن يصل إليها، إما بمراجعة الكتب إن تمكن، وإلا في سؤال أهل العلم". ولكن إذا قال قائل: كيف توفق بين ما قلت من الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مع أننا نجد أن أناساً يتبعون الكتب المؤلفة في المذاهب، ويقول: أنا مذهبي كذا، وأنا مذهبي كذا، وأنا مذهبي كذا؟ يعني يريد الشافعي والحنبلي والحنفي والمالكي. قال: "حتى إنك لتفتي الرجل وتقول له: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا، فيقول: أنا مذهبي حنفي، أنا مذهبي مالكي، أنا مذهبي شافعي، أنا مذهبي حنبلي، وما أشبه ذلك". فالجواب أن نقول لهم: إننا جميعاً نقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. فما معنى شهادة أن محمداً رسول الله؟ قال العلماء: معناها طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. ويريد بهذا أنه ينبغي على الجميع أن يرجع إلى السنة، ولا يتعصب لقول عالم من العلماء، أو لقول صاحب مذهب من المذاهب. فأنت تشهد أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. فالسنة هي الحاكمة فيما اختلف فيه العلماء. الكتاب والسنة، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾. قال: "فإذا قال إنسان: أنا مذهب كذا، ومذهب كذا، ومذهب كذا، فنقول له: هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا تعارضه بقول أحد". حتى أئمة المذاهب ينهون عن تقليدهم تقليداً محضاً، ويقولون: متى تبين الحق، فإن الواجب الرجوع إليه. والشيخ الألباني رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه "صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم" ذكر آثاراً كثيرة عن هؤلاء الأئمة الأربعة، التي فيها ذم التقليد، والتي فيها نهيهم رحمهم الله تعالى عن تقليدهم بغير حجة ولا برهان. فمما جاء عن أبي حنيفة، وكذلك عن الإمام الشافعي، أنهما قالا: «إذا صح الحديث فهو مذهبي». هذه العبارة جاءت كما ذكر ذلك العلامة الألباني، جاءت عن أبي حنيفة، وكذلك عن الإمام الشافعي. عن الإمام الشافعي، وهكذا يقول أبو حنيفة رحمه الله: «لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه». وقال كذلك رحمه الله، أي أبو حنيفة: «حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي». وقال أيضاً في رواية: «فإنا بشر، نقول القول اليوم نرجع عنه غداً». وقال أيضاً رحمه الله: «ويحك يا يعقوب» - وهو من أخص تلاميذه، ويكنى بأبي يوسف - قال: «ويحك يا يعقوب، لا تكتب كل ما تسمع مني، فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غداً، وأرى الرأي غداً وأتركه اليوم». وهكذا مالك بن أنس رحمه الله تعالى، مما جاء عنه في نهيه وذمه للتقليد، قال رحمه الله: «إنما أنا بشر، أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه». وهكذا جاء عنه رحمه الله أنه قال: «ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك، إلا النبي صلى الله عليه وسلم». وفي رواية: «وقد كان عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فأشار إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام: كل يؤخذ من قوله ويترك، إلا صاحب هذا القبر، إلا صاحب هذا القبر»، وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، مما جاء عنه في ذمه للتقليد ونهي عنه، أنه قال: «ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعزب عنه، فمهما قلت من قول، أو أصلت من أصل، فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت، فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو قولي». وقال أيضاً رحمه الله: «أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد». وقال رحمه الله: «أنتم أعلم بالحديث والرجال مني» - يخاطب الإمام أحمد - «أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحاً فأعلموني به، أي شيء يكون كوفياً أو بصرياً أو شامياً، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً». وهذا فيه تواضع العلماء. ومما جاء عنه رحمه الله أنه قال: «كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل، بخلاف ما قلت، فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي». كل هذه الآثار آثار صحيحة، صححها العلامة الألباني، وقد ذكرها في مقدمة كتابه "صفة صلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم". وكذلك مما جاء عن الإمام أحمد أنه قال: «لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا». من أين أخذوا؟ من الكتاب والسنة. ومما جاء عن الإمام أحمد أيضاً أنه قال: «من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة». فكل هذه الآثار تبين لنا ما ذكره العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله، أن هؤلاء الأئمة كانوا ينهون عن تقليدهم تقليداً محضاً، يعني خالصاً، بدون حجة، لهؤلاء العلماء، وإن خالفوا الحق والسنة، وإن خالفوا الحق والسنة. قال العلامة ابن العثيمين: "فنقول لمن عارضنا بمذهب فلان أو فلان: نحن وأنت نشهد أن محمداً رسول الله، وتقتضي هذه الشهادة أن لا نتبع إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم". قالوا: "هذه السنة بين أيدينا واضحة جلية". ولكن لست أعني بهذا القول أن نقلل من أهمية الرجوع لكتب الفقهاء وأهل العلم، بل إن الرجوع إلى كتبهم للانتفاع بها، ومعرفة الطرق التي بها تستنبط الأحكام من أدلتها، من الأمور التي لا يمكن أن يحقق طلب العلم إلا بالرجوع إليها. يعني ليس معنى تحذير العلماء من التقليد أن نترك هذه المذاهب جملة وتفصيلة، وإنما نستفيد منها، فنأخذ ما وافق الحق، ونترك ما خالف الحق، ونستنير بكلام العلماء، وبخلاف العلماء، وكذلك نستأنس باستنباطاتهم وبفقههم. قال: "ولذلك نجد أولئك القوم" - وهذا فيه رد على من يزعم أن العلامة ابن العثيمين ينصر المذهب الحنبلي السائد في بلده - بل هو رحمه الله تعالى، من قرأ في كتبه يرى تجرده، ويرى كذلك خضوعه للحق إذا تبين له، وإن خالف المذهب الحنبلي. فانظروا إلى "زاد المستقنع"، وكيف أنه قد خالف المذهب الحنبلي في أشياء كثيرة تخالف الحق والسنة، فلذلك خالفها رحمه الله تعالى. فهو من العلماء المحققين، وهو من العلماء المجتهدين، فهو يرجح ما يرى أنه أقرب للدليل والصواب. قال: "ولذلك نجد أولئك القوم الذين لم يتفقهوا على أيدي العلماء، نجد أن عندهم من الزلات شيئاً كثيراً، لأنهم صاروا ينظرون بنظر أقل مما ينبغي أن ينظروا فيه. يأخذون مثلاً صحيح البخاري، فيذهبون إلى ما فيه من الأحاديث، مع أن في الأحاديث ما هو عام ومخصص، ومطلق ومقيد، وشيء منسوخ، لكنهم لا يهتدون إلى ذلك، فيحصل بهذا ضلال كبير". وهذا يدلك على أهمية الرجوع إلى العلماء، وإلى فهم العلماء. لا تستقل بفهمك للأحاديث، وإنما ترجع إلى شرح العلماء. ولله الحمد والمنة، فقد خدمت السنة خدمة عظيمة، فما من كتاب في الحديث إلا وشرح من قبل علماء جلاء، كصحيح البخاري وصحيح مسلم والسنن، وغيرها من كتب الحديث. فعليك أن ترجع إلى هذه الكتب، ولا تستقل بفهمك، ولا تستقل كذلك بنظرك، بل ينبغي عليك أن ترجع إلى كلام أهل العلم، إلى كلام أهل العلم. ومن استقل عن أهل العلم، فلا شك أنه يزل ويضل، كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.