الدرس في التعليق على كتاب العلم 65، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يحث الشيخ ابن عثيمين طلاب العلم على تعلم قواعد اللغة العربية كافةً لأن استقامة اللسان وفهم الشريعة يتوقفان على إتقان النحو. ويضرب مثالاً بتغير حركة واحدة في آية ﴿براء من المشركين ورسوله﴾ كيف قلبت المعنى تماماً، مما يبرز خطورة الجهل بالإعراب.
يؤكد المقطع على ضرورة إتقان قواعد اللغة العربية (النحو والصرف) لأن الخطأ في حركة واحدة يغير المعنى تماماً، مستشهداً بآية ابتلاء إبراهيم وحديث تسوية الصفوف وقصة أبي الأسود الدؤلي. ويبين أن تعلم النحو زينة للمجالس وواجب على طالب العلم، مشيراً إلى أن الصرف أسهل من النحو لضبطه بالسماع.
يُبيّن المقطع أن طلب العلم مقدم على الدعوة وأولى بها لأن الدعوة الصحيحة لا تقوم إلا على علم وبصيرة مستدلاً بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾. ويؤكد أن طالب العلم يجمع بين الأمرين فيستزيد من العلم ويدعو إلى الله بما آتاه الله فلا يغلب جانب الدعوة فيجهل.
يُعتبر دعوة جماعة التبليغ غير موفقة لأنها تتم دون علم مما جعل الناس يملون من تكرار حديثهم المحدود بالصفات الست وقصار السور. في المقابل أهل السنة يجمعون بين الدعوة والعلم وهو ما يوصي به العلماء.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: سُئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى، يقول السائل: «من الملاحظ انصراف كثير من طلاب العلم عن إتقان قواعد اللغة العربية مع أهميتها، فما تعليقكم؟». فأجاب فضيلته بقوله: «نعم، فهم اللغة العربية مهم، سواء في قواعد الإعراب أو قواعد البلاغة، كلها مهمة. ولكن بناءً على أننا والحمد لله عرب، فإننا يمكننا أن نتعلم دون أن نعرف قواعد اللغة العربية، لكن من الكمال أن يتعلم الإنسان قواعد اللغة العربية، فأنا أحث على تعلم اللغة العربية في جميع قواعدها». فملخص هذا الجواب: أن الشيخ رحمه الله تعالى يحث وكذلك يدعو إلى الاهتمام بأمر اللغة العربية، كيف يستقيم لسان طالب العلم، وكيف يستطيع أن يركب الجمل والكلمات والعبارات، فلا يتأتى له ذلك إلا بتعلم اللغة العربية. فطالب العلم ثمرة علمه أن يعمل به ثم يدعو إليه، ومما يعين على الدعوة إلى العلم أن يستقيم لسان طالب العلم كي يستطيع أن يحاضر، وأن يخطب، وأن يدرس، وأن ينصح. فإن كان ذا لسان مستقيم وذا لغة كذلك طيبة، فإنه يستطيع أن يركب الجمل والعبارات. ثم إن تعلم اللغة العربية كذلك من فوائدها أن يكون الطالب فاهماً لما يلقى إليه، فمن أسباب فهم العلم تعلم اللغة العربية، لأن العلم الشرعي لغة التخاطب فيه هي اللغة العربية. ولذلك من أعظم فوائد تعلم اللغة العربية فهم الشريعة، فهم الكتاب والسنة، ولا يتأتى ذلك إلا بتعلم قواعد اللغة العربية، كي تميز بين الفاعل والمفعول، وبين الاسم والفعل، وبين الضمير والظاهر، وبين كذلك العمدة والفضلة، وإلى غير ذلك مما تجده في اللغة العربية. وأهم علم من علوم اللغة العربية - وعلومها كثيرة، اللغة العربية علومها كثيرة - ولكن أهم تلك العلوم التي يستقيم بها اللسان هو علم قواعد الإعراب، علم قواعد الإعراب، وهو ما يسمى بعلم النحو، وهو ما يسمى بعلم النحو: كيف تضبط حركة الكلمة في آخرها؟ كيف تضبطها؟ فإن الأصل في الكلمات الإعراب، خصوصاً الأسماء، وكذلك نعم، خصوصاً الأسماء، وهي كثيرة، فالأصل فيها الإعراب، والإعراب تتغير حركته، تتغير حركة الحرف الأخير من الكلمة بحسب موقعها من الإعراب. فإذا لم تكن عالماً عارفاً بقواعد اللغة العربية، ترفع المنصوب وتنصب المرفوع، فيختل المعنى تماماً، يختل المعنى تماماً. يروى أن أعرابياً سمع قارئاً يقرأ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ﴾ [التوبة: 3]، فقال هذا الأعرابي: «وأنا أتبرأ مما تبرأ منه الله». انظر: كسرة غيرت المعنى، فكان المعنى أن الله تبرأ من المشركين وكذلك تبرأ من رسوله. انظر: حركة واحدة غيرت المعنى. وإلا فالآية بالنصب: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولَهُ ﴾، يعني: والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلك بريء من المشركين، بريء من المشركين. فانظر: حركة واحدة تغير المعنى، تغير المعنى. ومثله قوله تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ﴾ [البقرة: 124]، هنا قدم المفعول على الفاعل وجوباً، فمن الخطأ الفاحش أن تقرأ: «وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات»، فجعلت إبراهيم هو الذي ابتلى ربه، والعياذ بالله، فيكون المعنى فاحشاً، يكون المعنى فاحشاً. فهذا كله يدلنا على أهمية تعلم اللغة العربية. نعم، قد يخطب خطيب وهو غير متمكن من اللغة العربية، فيرفع المنصوب فيختل المعنى تماماً، يختل المعنى تماماً. أحدهم قام وقرأ حديثاً: «لتسون صفوفكم أو لا يخالفن الله بين قلوبكم»، نصب لفظ الجلالة، ونصب الجلالة هنا ما موقعه من الإعراب؟ ما موقعه من الإعراب؟ «أو لا يخالفن الله»، الله لماذا؟ لأنه فاعل، لأنه فاعل: «لا يخالفن الله بين وجوهكم»، ليس «لا يخالفن الله» وكأنك جعلت فاعلاً: «خالف بين الله»، وهذا والعياذ بالله يفسد المعنى، ويكون المعنى فاحشاً. انظر: حركة واحدة. فكل هذا يدلنا على أهمية تعلم اللغة العربية، خصوصاً قواعد الإعراب. وكما تعلمون، وكما يذكر في كتب النحو، أن سبب كتابة علم النحو وكتابة قواعده: كثرة اللحن وتفشيه في ذلك الوقت، في عهد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. فقيل: إن أبا الأسود الدؤلي كان على سطح بيته مع ابنته، فقالت ابنته: «ما أحسن السماء»، رفعت «أحسن». فقال لها: «الله»، لأنها كأنها تستفهم هنا، رفعت اسم التفضيل، قالت: «ما أحسن»، كأنك تقول: «ما أعلم الناس؟» فتقول: «فلان». طيب، فإذا رفعت لفظ الجلالة بعدما... فهنا ما تكون استفهامية، فكأنك تستفهم. فقال لها أبو الأسود: «الله، الله الذي أحسن السماء». قالت: «ما أريد هذا، ما أريد أن أستفهم»، هي تعرف أن الله الذي أحسن السماء، لكن أرادت ماذا؟ أرادت أن تتعجب، والتعجب يكون بنصب أفعل التفضيل لا برفعه. فحقها أن تقول: «ما أحسنَ السماء»، هذا التعجب، كقوله تعالى: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾ [البقرة: 175]، هذا أيضاً من باب التعجب. فانظر: حركة واحدة غيرت المعنى، من استفهام أو من تعجب إلى استفهام، من تعجب إلى استفهام. فهذا يدلك على أهمية تعلم اللغة العربية، فهي زينة المجالس. قبيح بطالب العلم أن يخطب أو أن يتكلم ويخاطب جمعاً من الناس ثم يلحن مثل هذا اللحن فيغير ويفسد المعنى. فتعلم النحو زينة المجالس. فأنصح إخواني طلاب العلم أن يحرصوا على إتقان هذا العلم، على إتقان هذا العلم، وهو علم اللغة العربية. وكان شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى يحث الطلاب على تعلم هذا العلم بما تستقيم به ألسنتهم. لا أقول لك: تتبحر في هذا العلم حتى تكون سيبويه عصره، لا، وإنما المراد أن تدرس من هذا العلم ما يستقيم به لسانك، وما تستطيع أن تربط به الجمل، تربط به الجمل. فإذا كان كذلك، ففي كفيك في أخذك لهذا العلم، علم اللغة العربية. وكذلك تعلم غير علم النحو، كعلم الصرف، وهو ما يتعلق بحركات الكلمة، حروف الكلمة في وسطها أو في أولها، فهذا يسمى بعلم الصرف. وهذا العلم أسهل من علم النحو، لأن علم الصرف عبارة عن حركة واحدة تلزم الكلمة فتضبطها، وذلك بالسماع، فتستطيع أن تعرف حركتها، بخلاف علم النحو، فإنه تتغير حركة الآخر بحسب اختلاف العوامل، بحسب اختلاف العوامل. وسئل فضيلة الشيخ: «أيهما أفضل: التفرغ للدعوة إلى الله عز وجل، أم التفرغ لطلب العلم؟». فأجاب قائلاً: «طلب العلم أفضل وأولى، وبإمكانه طالب العلم أن يدعو وهو يطلب العلم، ولا يمكن أن يقوم بالدعوة إلى الله وهو على غير علم». قال الله تعالى: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾ [يوسف: 108]. فكيف يكون هناك دعوة بلا علم؟ ولا أحد دعا بدون علم أبداً إلا الجهال، ومن يدعو بدون علم لا يوفق. فكما ذكر الشيخ رحمه الله: أن العلم هو الذي... العلم هو الذي يوجب... هو الذي يفرض صاحبه أن يدعو إلى الله، يفرض صاحبه أن يدعو إلى الله. فلا يمكن أن يدعو الداعي بدون علم، بدون علم، فلا بد من الجمع بين الأمرين: بين العلم والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. تتفرغ للعلم وتجعل أياماً أو تجعل أوقاتاً للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فلا يمكن كما قال أن يقوم بالدعوة إلى الله وهو على غير علم، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾. قد قال بعض أهل العلم: إن البصيرة هي أعلى مراتب العلم، فهي علم وزيادة، بمعنى أن تعلم وأن تضع هذا العلم في موضعه، تحدث الناس بما يعرفون، تدعو إلى الله عز وجل إن نفعت الذكرى، فهذا من البصيرة. قد يكون الإنسان عنده علم لكن يثقل على الناس، ويدعوهم في أوقات لا تناسبهم، أو كذلك يعطيهم كل ما عنده من علم وإن كان لا يناسب أفهامهم ولا يناسب مداركهم، فهذا ليس من البصيرة. فقال العلماء: البصيرة هي العلم وزيادة، يعني يكون عندك علم، ويكون عندك بصيرة في نشر هذا العلم، وفي بث هذا العلم، وفي بث هذا العلم. فطالب العلم يجمع بين الأمرين، يجمع بين الأمرين: يطلب العلم ويزداد من طلب العلم، ويدعو إلى الله سبحانه وتعالى بما أتاه الله عز وجل من العلم. والله الحمد والمنة. هذا تجده في مراكز أهل السنة، فإن أهل السنة في مراكزهم يجمعون بين العلم وبين الدعوة إلى الله، سواء كانت الدعوة إلى الله بالخطابة أو بالتدريس أو بالخروج الدعوي إلى القرى والمناطق المجاورة، أو بالتأليف أيضاً: بكتب الرسائل والمؤلفات. فكان شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى يطرح مثل هذا السؤال لطلابه: «أيهما أفضل: طلب العلم أو الدعوة إلى الله؟». فجوابه كجواب العلامة ابن العثيمين، لأنهما يستقيان من مشكاة واحدة. فكان يحث طلابه على طلب العلم والاستزادة من العلم، وكذلك يحثهم على الدعوة إلى ما علموا، الدعوة إلى ما علموا. فهكذا طالب العلم يجمع بين الأمرين: يزداد من العلم، ويدعو إلى الله سبحانه وتعالى، فلا يغلب جانب الدعوة على العلم، فإذا فعل ذلك صار جاهلاً، فبماذا يدعو؟ والناس يحتاجون إلى جديد. إذا لم تطلب العلم، ستكون محاضراتك وكلماتك ودروسك مكررة، مكررة ومحصورة. لكن إذا استزدت من العلم، أتيت بالفوائد الجديدة وبالمواعظ الجديدة، لماذا؟ لأنك تعلمت واستزدت من العلم، واستزدت من العلم. فمن فوائد الاستمرار في طلب العلم أن توفق في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. أما الدعوة من غير علم كحال جماعة التبليغ، فهذه دعوة غير موفقة، كما قال الشيخ: «ومن يدعو بدون علم لا يوفق». فقد مل الناس حديثهم، لأنه حديث واحد: الصفات الست وقصار السور، ولا يستزيدون من العلم. أما أهل السنة فقد جمعوا بين الأمرين، وهذا ما ينصح به العلماء. طيب، نكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر.