الدرس في التعليق على كتاب العلم 34، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يحذر الشيخ ابن عثيمين طالب العلم من المعاصي كالحسد وسوء الظن، مشدداً على وجوب كونه قدوة صالحة للناس لرجوعهم إليه في الفتوى. ويؤكد أن الكتب هي الأداة الأساسية لطالب العلم، فلا غنى له عن اقتنائها وبناء مكتبة نافعة.
يبيّن المقطع ضرورة معرفة موضوع الكتاب ومؤلفه قبل الشروع في قراءته لضمان تلقي العلم الصحيح من أهل السنة وتجنب الكتب الضارة، مع التشديد على الاطلاع على مصطلحات المؤلف عبر مقدمته لتوفير الوقت وفهم المراد بدقة.
يؤكد المقطع على وجوب قراءة مقدمة المؤلف لمعرفة اصطلاحه الخاص، لأن الألفاظ تختلف دلالتها بين العلماء. ويضرب أمثلة على مصطلح «متفق عليه» عند ابن حجر وابن تيمية، ومصطلحات «الروايتين، والوجهين، والقولين، والاحتمالين» في الفقه الحنبلي، والفرق بين «إجماعا» و«وفاقا»، محذراً من سوء الفهم الناتج عن جهل هذه الاصطلاحات.
يعلن المتحدث عن انتهاء الجزء الحالي من الدرس، ويؤكد أن ما تبقى سيتم استكماله في جلسة قادمة، مختتماً بالبسملة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: قال العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله في ختام كلامه على أخطاء يجب الحذر منها: قال رحمه الله: بذلك ينبغي للإنسان أن ينزل نفسه منزلتها، وأن لا يدنسها بالأقذار. فكل ما تقدم من الحسد، ومن القول على الله بغير علم، ومن سوء الظن، وإلى غير ذلك مما ذكر من المعاصي ومن العوائق التي تعيق الطالب على الاستمرار في طلب العلم. قال: وأن يحذر هذه الأخطاء مما تقدم؛ لأن طالب العلم شرفه الله بالعلم، وجعله أسوة وقدوة. فإذا كان العالم وطالب العلم يقع في هذه المزالق وهذه المعاصي، فبمن يقتدي عامة الناس؟ فينبغي لطالب العلم أن يكون قدوة حسنة للناس، ولمن يدعوهم إلى الله عز وجل، وذلك في الاستقامة والتخلص من تلك الأدواء. قال: حتى أن الله رد أمور الناس عند الإشكال إلى العلماء، فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فهذه منزلة ومنقبة رفيعة عالية: أنك يا طالب العلم، ويا من وفقك الله لأن تكون في منزلة العلماء، يرجع الناس إليك. فإذا كان الطبيب مريضًا، فإلى من يذهب الناس لطلب ما يكون سببًا في علاج مشاكلهم وفي حل مسائلهم؟ قال: فالحاصل أنك يا طالب العلم محترم، فلا تنزل بنفسك إلى ساحة الذل والوضع، بل كن كما ينبغي أن تكون. فمن دنس نفسه بتلك المعاصي وبتلك الأدواء نزل نفسه منزلة الذل والوضع. فينبغي لطالب العلم أن يرفع بالعلم رأسًا، وأن يستقيم على طاعة الله سبحانه وتعالى حتى يكون قدوة حسنة لغيره. قال: الباب الرابع: في كتب طالب العلم وفتاوى حول العلم، وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: كتب طالب العلم، الفصل الثاني: فتاوى حول العلم، الفصل الثالث: فوائد متنوعة. قال: الفصل الأول: كتب طالب العلم. قبل البدء في هذا الفصل لا بد أن نبين بعض الأمور المهمة لطالب العلم. وهذا الفصل مهم جدا؛ لأن آلة طالب العلم هي الكتب، كما أن آلة الطبيب الجسدي هي تلك الأدوات الحديثة من الأجهزة، ومن الأمور التي يعالج بها. فكذلك طالب العلم لا بد أن يهتم بالكتب، وباقتناء الكتب، ويبني كذلك إن شاء مكتبة بقدر المستطاع يقرأ فيها ويبحث فيها ويستفيد منها. فلا غنى لطالب العلم، بل وللعالم، عن كتب أهل العلم. لذلك أفرد العلماء أبوابا مستقلة في تنبيه طالب العلم على كيفية التعامل مع هذه الكتب حتى يستفيد منها حق الاستفادة. قال: لا بد أن نبين بعض الأمور المهمة لطالب العلم، وهي: الأمر الأول: كيف تتعامل مع الكتاب؟ هذا الكتاب الذي أنت تقرأ فيه له آداب، وله معاملة خاصة، حتى تستفيد من هذا الكتاب، وحتى تأخذ العلم الصحيح من هذا الكتاب. فما هي هذه الأمور؟ قال: الأمر الأول: كيف تتعامل مع الكتاب؟ التعامل مع الكتاب يكون بأمور: الأول: معرفة موضوعه. إذا أردت أن تقرأ في كتاب، لا بد أولا أن تعلم عن ماذا يتحدث هذا الكتاب: أهو في العقيدة؟ أهو في التوحيد؟ أهو في الفقه؟ أهو في التفسير؟ أهو في علم الكلام؟ أهو في علم الفلسفة؟ أهو في السحر؟ أهو في... لا بد أن تحدد موضوع هذا الكتاب، ولا تقرأ أي شيء. لا بد أن تعرف موضوع الكتاب، بل وتعرف كذلك مؤلف الكتاب؛ لأن العلماء قد قالوا، ومنهم ابن سيرين عليه رحمة الله: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ». فمن وسائل تلقي العلم: تلقي العلم عن طريق الكتب، كما تقدم. فإذا أردت أن تقرأ كتابا أو أن تشتري كتابا، لا بد أن تعرف موضوعه، ولا بد أن تعرف مؤلفه؛ حتى تأخذ العلم من أهل السنة، وحتى تأخذ العلم الصحيح النافع، وتحذر من العلم الضار. لذلك قال: الأول: معرفة موضوعه، حتى يستفيد الإنسان منه؛ لأنه يحتاج إلى التخصص. فمثلا: أنت وجدت من نفسك ميولا إلى علم العقيدة، فمعرفة موضوع الكتاب يجعلك تقتني كتب العقيدة. أو عندك ميول إلى علم الفقه أو علم النحو، فأنت تأخذ الكتاب وتقرأ في الكتاب الذي تريد أن تتخصص في العلم الذي يبحث فيه هذا الكتاب. قال: ربما يكون كتاب سحر أو شعوذة أو باطل، فلا بد من معرفة موضوع الكتاب حتى تحصل الفائدة منه. قال: الثاني: يعني في كيفية التعامل مع الكتاب: معرفة مصطلحاته. لأن بعض المؤلفين من أهل العلم يجعل له مصطلحا خاصا في هذا الكتاب، فأنت إذا لم تعرف مصطلحات الكتب لا تفهم مراد المؤلف، ولذلك لا تستفيد من هذا الكتاب. فإذا كان للمؤلف اصطلاح خاص، فينبغي عليك أن تتعرف على مصطلحات أهل العلم. لذلك قال: الثاني: معرفة مصطلحاته؛ لأن معرفة المصطلحات يحصل بها أنك توفر أوقاتا كثيرة. كيف توفر أوقاتا كثيرة؟ يعني تقرأ وتفهم هذا الكتاب لأنك عرفت المصطلحات. أما إذا لم تعرف، فلربما فكرت كثيرا وكثيرا، وأخذ منك هذا التفكر وقتا كثيرا حتى تفهم المراد، فهذا يضيع عليك وقتا كثيرا. لكن إن عرفت المصطلحات، فإنك توفر أوقاتا كثيرة. قال: وهذا يفعله العلماء في مقدمات الكتب، يعني ينبه المؤلف على مصطلحاته في مقدمة الكتاب. ولذلك ينصح القارئ لأي كتاب أن يقرأ مقدمة الكتاب حتى يطلع على مصطلحات صاحب الكتاب. ما هو مباشرة تقرأ من وسط الكتاب، أو تقول: هذه مقدمات ليست من أصل الكتاب، فتقرأ من أول الكتاب، من أول المؤلف، وتترك مقدمة المؤلف؟ بل تقرأ في أول مقدمة المؤلف، لعله ينبه على مصطلحات خاصة به. ولذلك قال هنا الشيخ: فمثلا نعرف أن صاحب «بلوغ المرام» وهو الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى، إذا قال: «متفق عليه»، يعني: رواه البخاري ومسلم، وهذا المصطلح الشائع. قال: لكن صاحب «المنتقى» على خلاف ذلك، وهو الجد ابن تيمية، وكتاب «المنتقى في أحاديث الأحكام» أوسع من كتاب «بلوغ المرام» في كثرة إيراده للأحاديث الواردة في الباب. قال: فإذا قال صاحب «المنتقى»: «متفق عليه»، فإنه يعني: رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم. إذن المصطلحات اختلفت. فالحافظ ابن حجر: «متفق عليه» البخاري ومسلم فقط. وأما صاحب «المنتقى» فـ «متفق عليه» يضيف الإمام أحمد مع البخاري ومسلم. وهذا الاصطلاح ينتفع منه طالب العلم من حيث الرجوع إلى شرح الحديث، ومن حيث كذلك النظر في إسناد الحديث، وإلى غير ذلك. قال: وكذلك في كتب الفقه يفرق كثير من العلماء بين القولين والوجهين والروايتين والاحتمالين. هذه في كتب الفقه، خصوصا كتب الفقه الخاصة بالحنابلة. ففرق بين أن يقول: المسألة فيها قولان، أو فيها وجهان، أو فيها روايتان، أو فيها احتمالان. كل لفظ من هذه الألفاظ له معنى خاص ومصطلح خاص عند أهل هذا المذهب. فأنت إذا لم تعرف هذا المصطلح، لا ستفهم تلك النقول التي تنقل عن أصحاب المذهب. قال: فالروايتان عن الإمام: إذا قال: هذه المسألة فيها روايتان، يريد عن الإمام إمام المذهب، ليس عن الأتباع والأصحاب. قال: والوجهان عن الأصحاب: إذا قال: المسألة فيها وجهان، معنى: ليس عن صاحب المذهب وعن إمام المذهب، إنما هو عن أصحابه، إنما هو عن أصحابه. انظر كيف هذه المصطلحات اختلفت. قال: وهم أصحاب المذهب الكبار، أهل التوجيه، يعني: من كبار طلبة، أو من كبار المعتنقين لهذا المذهب ممن ينقل عنهم. قال: والاحتمالان: للتردد بين قولين. والقولان: أعم من ذلك كله، فيشمل صاحب المذهب، يعني: إمام المذهب، وأصحابه، أو أصحابه. وهذا كمثال، وإلا فكذلك ترى في بعض المصطلحات لبعض أهل العلم اصطلاحا خاصا بهم. وهذا تعرفه في المقدمة، تعرفه في مقدمة الكتاب؛ فإن صاحب الكتاب ينبه على مصطلحاته. قال: كذلك يحتاج أن تعرف مثلا: إذا قال المؤلف: «إجماعا» أو «وفاقا». إذا قال: «إجماعا»، يعني: بين الأمة، يعني هذا الإجماع بين الأمة. وإذا قال: «وفاقا»، يعني: مع الأئمة الثلاثة فقط دون غيرهم من الأمة، كما هو اصطلاح صاحب «الفروع» في فقه الحنابلة. فهذه المصطلحات يستفيد منها القارئ ويعرف مذاهب الأئمة. قال: وكذلك بقية أصحاب المذاهب، كل له اصطلاح، فلا بد أن تعرف اصطلاح المؤلف. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى.