الدرس في التعليق على آداب المعلمين والمتعلمين للسعدي 11، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد المحاضر على وجوب تصحيح الخطأ برفق ولطف سواء من المتعلم للمعلم أو العكس، مشدداً على ضرورة تواضع المعلم وقبول الحق ممن يصوبه. ويستشهد بقصة محمد بن القاسم العثماني الذي صحح قول شيخه الجوهري في مجلس العلم بأدب جم، معتبراً ذلك قدوة في الإنصاف وحسن الخلق.
يروي المقطع كيف نصح العثماني شيخاً كبيراً بخطأ في رواية حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقبل الشيخ النصيحة بتواضع وأعلن رجوعه للحق أمام الناس. وقد أثار هذا الموقف إعجاب ابن العربي وجعله قدوة في الاعتراف بالفضل، مستشهداً بموقف النبي صلى الله عليه وسلم في قبول تصحيح يهودي.
يقارن المحاضر بين إبليس الذي أبى واستكبر فاستحق اللعن، وآدم الذي تاب واستغفر فنال العفو والرحمة، مبيناً أن قبول الحق من أعظم الخصال. ويسوق أمثلة من سيرة العلماء كإمام الشافعي والدارقطني والشيخ الوادعي الذين كانوا يعلنون تراجعهم عن الخطأ بشجاعة، مما زادهم احتراماً في القلوب لا نقصاناً.
يؤكد المقطع على ضرورة أن ينصف الإنسان من نفسه ويعترف بالفضل لمن أسدى إليه معروفاً أو نبهه على أمر مهم. ويختتم الدرس بالصلاة على النبي والحمد لله رب العالمين خاتمةً لهذا المحور التربوي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في رسالته «آداب المعلمين والمتعلمين»: قال رحمه الله تعالى: «وإذا أخطأ المعلم في شيء فلينبهه برفق ولطف بحسب المقام، ولا يقول له: أخطأت، أو: ليس الأمر كما تقول، بل يأتي بعبارة لطيفة يدرك بها المعلم خطأه من دون أن يتشوش قلبه، فإن هذا من الحقوق اللازمة، وهو أدعى للوصول إلى الصواب. فإن الرد الذي يصحبه سوء الأدب وانزعاج القلب يمنع من تصور الصواب ومن قصده». وسبق معنا في الدرس الماضي التعليق على هذه العبارة. قال رحمه الله تعالى: «وكما أن هذا لازم على المتعلم، فعلى المعلم إذا أخطأ أن يرجع إلى الحق، ولا يمنعه قول قاله ثم رأى الحق في خلافه من مراجعة الحق والرجوع إليه، فإن هذا علامة الإنصاف والتواضع للحق، فالواجب اتباع الصواب سواء جاء على يدي الصغير أو الكبير». قال: «ومن نعمة الله على المعلم أن يجد من تلاميذه من ينبهه على خطأه ويرشده إلى الصواب، ويزول استمراره على جهله». قال: «فهذا يحتاج إلى شكر الله، ثم إلى شكر من أجر الله الهدي على يديه متعلما أو غيرَه». هذا يا إخوان يعتبر من أدب المعلم، أنه لا بد أن يتواضع، لا بد أن يتواضع، وهكذا لا بد من الإنصاف وعدم الظلم أو التعدي أو غير ذلك، وهذا من الأمور التي ينبغي أن يتحلى بها المعلمون، أن يتحلى بها المعلمون، فيتعلم الطالب من معلمه التواضع وقبول الحق، وهكذا أيضا الإنصاف، وهكذا أيضا الإنصاف. وذكر الإمام أبو بكر بن العربي المالكي رحمه الله تعالى كما في كتابه «أحكام القرآن» عن شيخه محمد بن القاسم العثماني، وقصة الإمام محمد بن القاسم العثماني قصة مشهورة ينبغي أن يستفيد منها المعلم والمتعلم. قال محمد بن القاسم العثماني: «دخلت الفسطاط، وهي مدينة ببلاد مصر، فحضرت مجلس أبي الفضل الجوهري، وكان من كبار علماء مصر، فسمعته يقول في حديثه: إن النبي صلى الله عليه وسلم طلق وآلى وظاهر». انظروا، انظروا: الطالب لما يكون مركزاً مع عبارات المعلم، سمعه يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم طلق، وهذا صحيح، طلق حفصة وغيرها ثم راجع حفصة، وآلى أي حلف أنه لا يقرب أزواجه شهراً، وهذا أيضا صحيح، لكن «وظاهر» هذا ليس بصحيح، ﴿إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ وهو الظهار، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقع في ذلك. قال العثماني: «فلما انتهى المجلس تبعته إلى منزله، وكان هناك جماعة من الناس، فانتظرت حتى ذهب معظمهم، أي لم يتبق إلا عدد يسير جدا، فنظر إلي وقال: كأنك رجل غريب، كأنك رجل غريب. فقلت: نعم. قال: ألك حاجة؟ ألك حاجة؟ فقلت: نعم، فأمر الجلساء أن يذهبوا، فأمر الجلساء أن يذهبوا، فقال له: أيها الشيخ، حضرت مجلسك فسمعتك تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم طلق، وصدقت، وقلت: آلى، وصدقت في هذا، وقلت: ظاهر من أهله، وهذا لم يكن، فإن الظهار منكر من القول وزور». انظروا إلى الأدب، أدب هذا التلميذ مع ذلكم الشيخ. قال: «فماذا؟ العثماني قال: فأخذني وضمني إلى نفسه، احتضنه وضمني إلى نفسه، وقال: جزاك الله خيرا من معلم، وإني كائب، وإني تائب مما قلت، وراجع إلى الحق». أول مرة يرى، ومع أول مجلس كانت هذه النصيحة والتنبيه من هذا التلميذ. قال العثماني: «فانصرفت عنه، ثم جئت أو بكرت في اليوم الثاني إلى الجامع، فوجدته قد سبقني إلى الجامع، وقد جلس على المنبر، يعني المكان الذي يحدث الناس منه، فلما رآني جئت، يعني أول ما رآه دخل من بابي الجامع، قال: فلما رآني دخلت من بابي الجامع قال: مرحبا بمعلمي، مرحبا بمعلمي. قال: فانصرف الناس، وتطاولت الأعناق إلي، وحدقت الأبصار إلى جهتي، وجعل الناس يرفعونني بأيديهم ويدفعونني حتى أوصلوني إلى المنبر، قال: فأجلسني إلى جانبه، وقال: أيها الناس، أنا معلمكم، أنا معلمكم، وهذا معلمي، وهذا معلمي. ثم ذكر لهم القصة، وأخذ يدعو، أي لهذا الرجل، والناس يؤمنون، والناس يؤمنون». قال الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى معلقا على هذه القصة: «فانظروا رحمكم الله إلى هذا الدين المتين، والاعتراف بالعلم لأهله على رؤوس الملأ، من رجل ظهرت رياسته، لرجل غريب لا يعرف، هذا الشيخ كان كبير العلماء في البلد، وهذا الشاب كان رجلا غريبا، آه، ماذا؟ صغيرا». قال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: «فاقتدوا به ترشدوا، فاقتدوا به ترشدوا، ترشدوا». وهذا يا إخوان درس عظيم جدا. النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه ذلك اليهودي وقال: يا محمد، إنكم تنددون، أي تشركون، تقولون: والكعبة، وما شاء الله وشئت، على قول من يحسن هذا الحديث، فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ ما عاند، وإنما قبل، فأمر الصحابة أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت، ثم شئت. وهنا في القرآن الكريم يا إخوان، في القرآن الكريم درسان: الأول: لإبليس، عليه من الله ما يستحق. إبليس يا إخوان حين أن أمر الله عز وجل الملائكة بالسجود لآدم كان معهم وليس منهم، فشمله الأمر، فماذا فعل؟ أبى واستكبر، وكان من الكافرين، فماذا كان جزاؤه؟ اللعن والطرد والإبعاد من رحمة الله عز وجل. درس آخر: آدم عليه الصلاة والسلام، لما نهي أن يأكل من الشجرة، فعصى آدم وأكل هو وزوجه حواء من تلكم الشجرة، فلما، فلما حصل، فلما حصل ذلك، تاب آدم وندم على فعله، وآه، ماذا؟ استغفر ربه عز وجل، فماذا؟ فكان العفو وكانت الرحمة من الله تبارك وتعالى. إذن يا إخوان: ماذا؟ قبول الحق والاعتراف به، وعدم الإصرار على الخطأ، هذا مما لا يجوز. الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: «ما ألقيت الحجة على أحد فقبلها إلا هبته وزاد في عيني، وما ردها أحد إلا سقط من عيني، إلا سقط من عيني». وهكذا ذكروا عن الإمام أبي الحسن الدارقطني رحمه الله تعالى مع أبي بكر الأنباري رحمه الله: الدارقطني كان في مجلس أبي بكر الأنباري، فسمع الأنباري يتكلم في الرجال، فأخطأ الأنباري في ضبط رجل، في ضبط رجل، الدارقطني إمام، فماذا فعل الدارقطني؟ لم يتجرأ أن يكلم الشيخ مباشرة، فكلم المستملي منه، المستملي الذي يبلغ عن الشيخ، الشيخ يحدث، والمجالس قد يكون فيها المئات أو الألوف، وهذا يبلغ، فكلم المستملي: أن الشيخ ذكر رجلا وأخطأ في ضبطه، وأن الصواب كذا وكذا وكذا. فقام المستملي وأخبر الإمام أبا بكر الأنباري أن هناك شابا ويذكر أنك أخطأت في ضبط هذا الرجل، هذا الرجل. فقال ابن الأنباري هذا: «إني أخطأت في ضبط الاسم الفلاني، وقد أوقفنا هذا الشاب على الصواب». شوف، أمام الملأ يقول: «وقد أوقفنا هذا الشاب على الصواب». قال الدارقطني: «فعظم في عيني، فعظم في عيني». بعض المعلمين يظن أنه إذا أظهر خطأه وتراجع عن خطأه ونسب الصواب إلى بعض الطلاب أن قدره سينزل ويقل في أعين المستمعين والحاضرين، لكن العكس يا إخوان، إنما يزيد ويرتفع. وقد أدركنا شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى يا إخوان في المجلس، لربما يسأل عن مسألة فيجيب أحد الطلاب فيتراجع عن قوله لقول ذلكم الطالب، وقد يقرر أحيانا مسألة في درس فيكلمه بعض الطلاب في هذه المسألة فيتراجع الشيخ عن قوله إلى قول ذلكم الطالب، فيأتي في الدرس الثاني ويعلن تراجعه عن هذا القول، وأن فلانا من طلابه قد ماذا؟ نبهه على ذلك، ويشكر ذلكم الطالب على هذا التنبيه، على هذا التنبيه. هذا يا إخوان من الأمور المهمة جدا، من الأمور المهمة جدا، أن الإنسان ينصف من نفسه، وهكذا أيضا يعرف الفضل لمن أسدى إليه نفعا ونبهه على أمر، فهذا من الأمور التي ينبغي أن ينتبه لها. وبه نكتفي، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرا للمشاهدة.