الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 16، ألقاها
يبدأ الكلام بمسائل الإيمان بالقدر حسب ما ذكره المؤلف، ويوضح رتب القدر الأربع. يشدد على أن كل شيء يحدث بمشيئة الله تعالى.
يشرح تفوق الله عز وجل على الأضداد والأنداد، ويبين أن قضائه وحكمه نافذين دون معارضة. يشير إلى خطورة جعل الند لله.
يؤكد على الإيمان بالقضاء والقدر كجزء من أركان الإيمان، ويرد على المعتزلة والقدرية الذين يخالفون هذا الاعتقاد. يبين أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكرنا في شرح الطحاوية ما ذكره المؤلف في كلامه في المقدمة أو في البداية، وكأنها مقدمة جعلها لهذه العقيدة، ومن ثم ذكر بعد ذلك هذه المسائل. فذكر هنا في مسألة القدر، وقوله: «وقدر لهم أقدارا وضرب لهم أجالا لم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملونه قبل أن يخلقه، وأمرهم بطاعة ونهاهم عن معصيته»، أن تتضمن -كما قلنا- رتبة العلم والكتابة والخلق. وقال: «وكل شيء نجريه بتقدير ومشيئتي، ومشيئتي تنفذ»، في الدرس الذي مضى كنا نقول «تنفذ»، ونبهنا بعض الإخوة حفظه الله «فتنفذ» من النفاذ، و«تنفذ» هي الصحيحة، وهي داخل في باب «نصر ينصر»، «نفذ ينفذ»، وفي «نفذ» بالدال «تنفذ» وهو من النفاذ، لكن بالدال هي من الاختراق أو الدخول، كما قال الله عز وجل: ﴿لا تنفذ﴾، ﴿فانفذ﴾، ﴿لا تنفذون إلا بسلطان﴾. قالوا: كل شيء يجري بتقدير ومشيئتي، ومشيئتي تنفذ، أي في كل شيء، لا مشيئة العباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشاء لم يكن. يهدي من يشاء، ويعصم ويعاقب فضلا، وهذا لرحمته سبحانه وتعالى يهدي من يشاء بفضله ورحمته، فهو له الحمد جل وعلا؛ لأن الملك ملكه. ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدله، من عدله جل وعلا أنه يضل من استحق الضلال، ومن أراد الضلال، وإلا قد بيّن الله عز وجل أسباب الهداية، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها. وقال صلى الله عليه وسلم: «فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى». قال رحمه الله تعالى: وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، كما قال الله عز وجل: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾، فتقلب الناس بين فضل الله وعدله، فمن آمن واهتدى فهو بفضل الله جل وعلا، ومن كفر وأيضا صار من أهل النار فهو بعدل الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وهو متعال عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره. آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كل شيء عنده. وإن شاء الله تعالى سيذكر أيضا المؤلف رحمه الله في باب القدر، سيأتي أنه سيذكر أيضا هذا الباب، وكما قلنا لعل هذا الذي قدمه هو مقدمة لهذه العقيدة، وإلا سيذكر مسائل الإيمان والقدر وغيرها بعد ذلك. وإن شاء الله تعالى نتكلم عليها بما ذكر أو بما إذا جئنا إليها، ولكن كما قلنا هذا يحفظ أن مراتب القدر أربعة: العلم والكتابة والخلق والمشيئة، هذه مراتب القدر. وأيضا مسألة أخرى وهي إن شاء الله تعالى ستأتي، لكن ننبه عليها مسألة مشيئة العبد، قد تكلمنا أيضا في ذلك، وقلنا أن العبد له مشيئة جعلها الله عز وجل له باختياره، لكنها تابعة لمشيئة الله جل وعلا، تابعة لمشيئة الله جل وعلا. قال: وهو متعال عن الأضداد والأنداد، الأضداد هم المعارضون، المعارض الضد هو المعارض، والند هو المثل، فربنا جل وعلا متعال عن الأضداد، وأيضا كذلك الأنداد، ليس له ضد وليس له أيضا مثل، فلهذا فلا يستطيع أحد أن يرد أمره، فهذا الذي قصده المؤلف رحمه الله، فهو ليس له معارض حتى يعارض أمره، بل أمره نافذ ومشيئته نافذة، فلهذا قال: هو متعال عن الأضداد والأنداد. وكما قال الله عز وجل: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾، ﴿لبغى بعضها على بعض﴾، أنه إذا كان هناك إلهين اثنين لكان لبغى أحدهما على الآخر، لكن الله عز وجل واحد لا شريك له جل وعلا، فليس له معارض يعارض في حكمه وفي أمره سبحانه وتعالى، وكذلك ليس له مثل ولا ند، بل الأمر أمره جل وعلا وحده سبحانه وتعالى، فلهذا فأمر الله عز وجل ومشيئته نافذة في كل شيء، لا شيء يخرج عن قضائه وحكمه سبحانه وتعالى، لا شيء يخرج عن قضائه وحكمه جل وعلا. ولهذا قال: وهو متعال عن الأضداد والأنداد. وربنا جل وعلا قد ذكر الآيات الكثيرة في النهي عن أن يجعل لله عز وجل أندادا، وقال أيضا في النهي: «فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون»، أي أنه لا ند له ولا مثيل له سبحانه وتعالى، فلهذا فالذي يجعل مع الله عز وجل ندا فقد أشرك به. ولهذا جاء في حديث عبد الله بن مسعود أنه سئل: أي الذنب أعظم؟ سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم -كما في حديث مسعود- أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك»، أن تجعل الله ندا وهو خلقك، فدل هذا على أن جعل الند من دون الله جل وعلا من أعظم الكبائر وأعظم الذنوب. قال: وهو متعال عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه؛ لأنه لا أحد يعارضه، ولا أحد مثله سبحانه جل وعلا، ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته، ولا أيضا كذلك في أفعاله، بل هو وحده جل وعلا الذي يفعل ما يشاء، وهو أيضا فعال لما يريد جل وعلا، فعال لما يريد سبحانه وتعالى. وهذه الإرادة إرادة كونية كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الكلام على الفرق بين الإرادتين. قال: وهو متعال عن الأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، أيضا لا يعقب أحد على حكمه، لا يعارض ولا يعقب، لا يستطيع أحد أن يعقب على حكم الله جل وعلا، لماذا؟ لأن حكم الله نافذ، وليس هناك من يستطيع أن يعقب على حكم الله جل وعلا، كما قال الله عز وجل: ﴿ولا معقب لحكمه﴾. والله عز وجل جعل للعبد ملائكة يحفظونه من أمر الله، جعل العبد ملائكة يحفظونه من أمر الله، أي أمرهم الله عز وجل أن يحفظونه، فإذا وكلهم الله عز وجل بحفظه فإنه سبحانه وتعالى لا معقب لحكمه، لا معقب، لا يستطيع أحد أن يعقب على حكم الله، فيكون هذا العبد مثلا في شيء من غير حكم الله سبحانه وتعالى. فقال المؤلف هنا: لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره. فربنا جل وعلا هو الغالب على أمره سبحانه وتعالى، وغالب على كل شيء جل وعلا، وله الحكم سبحانه وتعالى، فلا يستطيع أحد أن يعلو على أمر الله سبحانه وتعالى. ولهذا في هذا رد على القدرية، أن هذه العبارات كلها فيها رد على القدرية الذين يقولون بأن هناك ما يكون في هذا الكون بغير حكم الله، بغير حكم الله وبغير إرادة الله سبحانه وتعالى. ولهذا فهم يجوزون أو يقولون أن العبد يخلق فعله، أن العبد يخلق فعله، فهو الذي يشاء الهداية، وهو الذي يشاء الضلالة، وهو الذي أيضا يفعل الفعل، وهذا كلام باطل، بل أن الله عز وجل جعل للعبد إرادة ومشيئة، لكنها تابعة لمشيئة الله جل وعلا، تابعة لمشيئة الله، ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾، فلهذا فربنا سبحانه وتعالى لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ولا غالب لأمره، فإذا أراد شيئا إنما يقول له «كن فيكون»، إنما إذا أراد شيئا أن يقول له «كن فيكون»، فلا راد لقضائه، بل ربنا سبحانه وتعالى أمره نافذ في كل شيء جل وعلا. قال: وهو متعال عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره. آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كل شيء عنده. آمنا بذلك كله، أي بكل ما ذكرناه، أو أنه أراد بكل أمر أمر به سبحانه وتعالى، وحكم حكم به جل وعلا، وقضاء قضى به جل وعلا. وهذا أيضا من المسائل العظيمة، وهو الإيمان بالقضاء والقدر، الإيمان بالقضاء والقدر كما تعلمون أن الإيمان بالقضاء والقدر هو من أركان الإيمان الستة التي ذكرت في حديث جبريل، من أركان الإيمان الستة الإيمان بالقضاء والقدر. فهذا قال: آمنا بذلك كله، أي بقدر الله عز وجل وقضائه وأمره وحكمه سبحانه وتعالى. وأيقنا أن كل شيء عنده، لا يخرج شيء عن أمر الله وعن حكمه سبحانه وتعالى، لا يخرج شيء عن أمر الله وعن حكمه سبحانه وتعالى، بل كل شيء بقضاءه وقدره وأمره وحكمه سبحانه جل وعلا. فخلاصة ما ذكره المؤلف هنا أراد أن يرد على المعتزلة، وكذلك أراد أن يقرر ما عليه أهل السنة في الإيمان بالقضاء والقدر، وأن العبد له مشيئة لكنها تابعة لمشيئة الله، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وما يكون إلا ما يشاء سبحانه وتعالى. فنكتب بهذا، والله تعالى أعلم.