التعليق على العقيدة الطحاوية 32

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 32، ألقاها

التسليم للكتاب والسنة

يشرح أهمية التسليم للكتاب والسنة وعدم التكلم في الأمور الغيبية أو ما لا يعلمه الإنسان. يحذر من البحث في أمور مثل القدر لأنها سر الله عز وجل.

خطورة الخوض في الغيبيات

يُنبه إلى أن الله عز وجل قد غيب بعض الأمور عن بني آدم ويحذر من الخوض في الغيبيات بغير علم مما قد يؤدي إلى نقص كمال التوحيد. يشير إلى أهمية التسليم بالغيبيات كما جاء في الكتاب والسنة.

وجوب التصديق والاعتصام بالكتاب والسنة

يجب التصديق للكتاب والسنة ولما جاء فيهما من غير تحريف أو تشبيه، ونعوذ بالله من الضلال. يُظهر أهمية الاعتصام بالكتاب والسنة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وأله وصحبه. وننعته بعد، قضينا في الدرس الذي مضى قول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى والإمام الطحاوي: "لا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والإسلام". ثم قال رحمه الله تعالى: "فمن رام علم ما حظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم حجبه وحرمه عن خالص التوحيد وصاف المعرفة وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان والتصديق والتكذيب والإقرار والإنكار، موسوسا تائها شاكا، لا مؤمنا مصدقا ولا جاحدا مكذبا". فهذه الفقرة أو هذه الجملة ذكر هنا الإمام الطحاوي رحمه الله بعدما ذكر التسليم للكتاب والسنة. فإن من التسليم للكتاب والسنة عدم المعارضة، أن يعارض كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. أيضا أن يتكلم فيما لا علم له به. فراجل أنه يتسلم للكتاب والسنة ويقبل ما جاء في الكتاب والسنة. وما لم يأتي في الكتاب والسنة من الغيبيات أو مما لا يدركه عقل الإنسان ولا يعرفه، فهذا لا يتكلم به. ومن رام علم ما حظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم حجبه وحرمه عن خالص التوحيد وصاف المعرفة وصحيح الإيمان. ولهذا فإن كثيرا من أهل العلم ممن قعد في أشياء لا ينبغي أن يقعدوا فيها. وقد قال رب العالمين سبحانه وتعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾. ولا تقف ما ليس لك به علم، أي لا تتطرق ولا تتكلم في أشياء ليس لك بها علم فتجادل فيها وتدخل فيها. فإن من رام علم ما حظر عنه علمه لم يقنع بالتسليم حجبه وحرمه عن خالص التوحيد. أي أن هذه الأمور التي قد تطرق في قلب الإنسان فيدخل في أشياء ليس في علمه، فيطرق أشياء ليست أو غيبها الله عز وجل عن عباده. غيبها الله عز وجل عن عباده، فيقوم ويتحرج عنها ويضيقها فيقع في عدم تسليم الله جل وعلا. وكذلك أيضا قد يدخل هذا أيضا في علم القدر. فإن علم القدر سر الله عز وجل في خلقه، غيب الله عز وجل عن خلقه. فلهذا فمن اعترض على القدر أو أراد أن يبحث عن هذه الأشياء ويقوم فيها فهو يقوم بالباطل. ولهذا جاء في الحديث: "وإذا ذكر القدر فأنسك". أي لا ينبغي للمسلم أن يقوم في القدر الله جل وعلا، أي في أسبابه. أن إذا أطابق القدر أو جاءت البطائق أو جاءت الابتلاء فيحزن لماذا هذا الذي حصل لي؟ ولماذا يحصل بغيره؟ أو أنه لماذا حصل كذا في السوق؟ لماذا لا يحصل كذا؟ فيبحث عن أشياء ويعارض قدر الله عز وجل. ومن قال في القدر لماذا لا يفلح؟ الذي يقول في القدر لماذا لا يفلح؟ لأنه اعتراض على الله عز وجل. ولهذا لا يسأل بلماذا في القدر. لا يقال: لم فعل كذا الله عز وجل؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾. رب العزة سبحانه وتعالى غيب أشياء على بني آدم لأنها إما أنها لا تدركها عقولهم، وإما أنها ليس لهم مصلحة في علمهم بمثل هذه الأمور، فغيبها الله عز وجل لعلمه. فبالرغم من علم ما حظر عنه علمه لم يأت له علم في الكتاب والسنة بهذه الغيبيات، فلا يفضل له أن يحشر نفسه ويتكلم بغير علم في مسائل الغيبيات. ما جاءنا بالكتاب والسنة أردنا، وما لم يأت من الكتاب والسنة فلا نعرفه. فقال هنا: "فمن رام علم ما حظر عنه علمه ولم يطلع للتسليم الغيبي". فهنا إذا لا يقنع بالتأويل الغيبي، ولم يسلم أمره إلى الله، ولم يستسلم لكلام ربه وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. فإنه هذا الأمر سيؤديه إلى أن يفجر وينقص عنده كمال التوحيد. أنه يقول قد بتوحيده الذي يقوض بأشياء من علم الغيبيات مما لا توجد بالكتاب والسنة، أو قد توجد في الذهن ولا توجد في الواقع. أنه يفكر فيها الإنسان لكنها لا توجد في الواقع. فمثل هذه الشائطة يبغي أن يحل عنها، لا يظهرها. وإن وجدت في قلبه فإنه لا ينبغي له أن يظهرها. وهذا مثل الخطرات التي ذكرت في حديث قد ذكرنا مثلها في مضيق في الوسوسة. قال الصحابة رضي الله عنهم: "إنه لا يجد أحدنا من خطره إلا لو ألقي من السماء". ما تكلم أن هناك أشياء تحملها الإنسان في قلبه ما يستطيع أن يتكلم بها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أوجدتم ذلك؟" قالوا: نعم. فقال: "ذاك الإيمان". أي أنه قال: "الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة". الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة، أي أنه ما أخرج هذا الأرض، ما أخرج هذا الكلام إلى الخارج، وإنما صار وسوسة له فقط. وإذا كان الأمر وسوسة فقط، فهذا يدل على أن هذا العبد قد جاهد نفسه. فهذا الأشياء تطرأت عليه. فقال رحمه الله: "عجبه مرامه عن خالص التوحيد". وقال في المعرفة: "المعرفة هنا مراد بها العلم". أن المعرفة تأتي بمعنى العلم، وتأتي بمعنى أيضا العلم الذي ينكر من صاحبه. ما قال الله عز وجل: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ على علم منفور، لأنهم ما عملوا به. وقال الله عز وجل: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾، عندهم علمها. فغالبا المعرفة تطلق على العلم الذي لا يعمل به صاحبه، وتسمى معرفة. وقد يطلق في اللغة تسمى العلم معرفة. ولهذا قال هنا: "وطأة المعرفة"، أي أنه إذا رام معرفة ولم يقنع بالتسليم، فإنه يفجر أولا عن خالص التوحيد. يقول في قلبه شيء غير صحيح أو في قلبه شيء غير صحيح عن التوحيد. فإنه يقوم في أفعال الله جل وعلا، يقوم في أفعال الله سبحانه وتعالى، إما بالإثبات أو بالنفي. بما ليس موجودا في الكتاب والسنة، أو نفي بعض الأشياء التي هي موجودة في الكتاب والسنة. ولهذا الإمام ابن القيم رحمه الله سمى توحيد الأفعال توحيد الأسماء والصفات، وسمى توحيد المعرفة توحيد العلم الخبري. وسماه أيضا التوحيد العلمي الخبري، توحيد الأسماء والصفات. وسمى التوحيد العلم الخبر، وسماه كذلك توحيد المعرفة. وتوحيد الألوهية سماه الصلاة والعبادة. فهنا التوحيد المعرفة، فقال: "بالرغم من علم ما حظر عنه علمه ولم يصنع بالتسليم". فهم حجبه وحرمه عن خالص التوحيد، وطأة المعرفة، وصحيح الإيمان. أنه إذا أظهر هذا الأمر مثل ما أظهر بعض الكلام في مثلا التسلسل أو عدم التسلسل، المعرفة والمستقبل أيضا كذلك. من هذه الأمور التي لم يأت عليها الكتاب ولا سنة رسوله، ما ذكروا عن العقل الخيار كما يدعيه قوم، فراجئ ومسينه. وأن الله عز وجل خلق الكون من هذا العقل، وغيرها من هذه الأشياء التي ينبغي لمسلم أن لا يقوض فيها بغير علم. قال: "وطأة المعرفة وصحيح الإيمان". فلا حجبا عن هذه الموارد إذا قرح بها وطار متشكا، كلف دينه، يعترض على دين الله جل وعلا. يأتي له بالشكل ويضع دارك الشكل، ويخطر له شيء من التذبذب، ويخطر له شيء من التكذير، فيكون حيران، كما قال: "إنه يتذبذب بين الكفر والإيمان، والتفريق والتكذيب". لأنه ذكر شيء ثقلت في عقله على أنها شبهات، ثقلت في عقله على أنها شبهات أصابته من هذا الباب. قال رحمه الله: "يتذبذب بين الكفر والإيمان والتصديق والتكذيب والإقرار والإنكار، موسوسا تائها شاكا، لا مؤمنا مصدقا ولا جاحدا مكذبا". وهذا كله بسبب أنه أظهر هذه الوساوس بالشبهات، واعترض على شرع الله جل وعلا ودينه. فلهذا فإنه صار من المتذبذبين، فأحيانا يجره ذلك إلى الكفر بالله، وأحيانا إلى التكذيب، وأحيانا إلى الإنكار. وعكسه أيضا كذلك. فلهذا تجد أهل البدع والضلال غالبا أنهم في حيرة، وفي تردد، وفي تناقض. حتى أنه يقال أن الرازي رحمه الله في كتابه "التسعين الكبير" ذكر في كتابه مسائل السحر، وأجاز السحر. وهذا من تخبطاته، ومن الشبهات التي تنظر في قلوبه. فلهذا يكون متذبذبا بين الكفر والإيمان، ومتذبذبا بين التصديق والتكذيب. هذا الرازي كان يسميه بعض العلماء "علم الكتب". كتب الغيب. ثم إنه كلم بذلك، فغير عنوان الكتاب. فأولا أهل الحيرة، أهل الكلام، هم متحيرون. تأتيهم الحيرة بسبب أنهم يقوضون في معاني باطلة، يقوضون في معاني باطلة، فيترددون بين الشك والإيمان. فهذا أبو حيان التوحيدي كان من العلماء ممن ينتسبون إلى الإسلام، ثم تزندق، صار زنديقا كافرا متذبذبا. بسبب أنه لم يؤمن بالإيمان الصحيح، بل أخذته الشبهات والمجتهدات. قال: "تزندق بين الكفر والإيمان، والتكذيب والإقرار، موسوسا تائها". إذا كان هذا التردد لم يخرج منه وتكلم به، أما إن كان كتمه في نفسه واستحضر على أن يضبط نفسه، فهذا هو طريق الإيمان. قال: "أموالك أموالك". وإذا كان لا أموالك من المطلقات والأجاحدة المكذبات. وهذا حال أهل الفلسفة وأهل الكلام وغيرهم من العقلانيين الذين قدموا العقل على النقل. فمثل هذه العبارات التي بينها المؤلف، أن من طرق في ما لم يأت فيه كتابه بشيء، وكذلك طرق في القدر، فإنه يقص في توحيده ويقص أيضا علمه ويقص أيضا إيمانه. فإنه يؤثر على إيمانه، فيتذبذب بين الكفر والنفاق، أو بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار. فلهذا الواجب علينا التصديق للكتاب والسنة، ولما جاء فيهما من غير قوم الأمثال والعقيدة التي تدريب بأثر هذا العلم، علم الكتاب والسنة. نعوذ بالله تعالى من هذا، ولنحذر في ضد الله. الحمد لله رب العالمين.

شاركنا على