التعليق على العقيدة الطحاوية 48

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 48، ألقاها

مفهوم القدر الإلهي والإيمان به

يشرح مفهوم القدر الإلهي وأهمية الإيمان به، حيث يشير إلى أن الله تعالى قد علم كل شيء قبل حدوثه وقدره تقديرا محكما. يُؤكد على أن العبد يجب أن يعلم أن الله سبق علمه في كل كائن من خلقه.

أثر الإيمان بالقضاء والقدر على حياة المسلم

يؤكد على أهمية الإيمان بالقضاء والقدر كجزء من توحيد الربوبية، ويوضح أن ما قدره الله لا يتغير. يُشدد على أن الإيمان بالقضاء والقدر يقود المسلم إلى توحيد العبادة والاعتراف بربوبية الله.

خطورة المخاصمة في القدر وثمرات الإيمان به

يشرح خطورة المخاصمة في القدر، ويبين أن من ثمار الإيمان بالقدر تنظيف القلب من الحسد والغل. يعلم العبد أن كل شيء من عند الله، ويعتبر كل من اعترض على قدر الله خصما لله.

تحذير من التفكير في ذات الله تعالى

التفكير في ذات الله أو الخوض في ذلك قد يؤدي إلى الضلال والكفر، لذا يجب تجنبه والاكتفاء بالإيمان دون الخوض في التفاصيل. هذا التحذير يشير إلى خطورة التفكير المفرط في أمور الدين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «قال وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرا محكما مبرما، ليس فيه ناقض ولا معقض ولا مزيل ولا مغير ولا ناقص ولا زائد من خلقه بسماواته وأرضه»، وذلك من عقد الإيمان، ووصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله وربوبيته، كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وكان أمر الله قدرا مقدورا﴾. فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما، وأحضر للنظر فيه قلبا سقيما، لقد التمس بوهمه في محض الغيب سرا كتيما، وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما. فهذه العبارة أيضا كأنه ختم بها الكلام في القدر. قال «على العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه» بعدما ذكر أمور القدر، وأيضا شموله المراتب. أراد أيضا أن يذكر مع أنه قد ذكر العلم من قبل، أراد أن يذكر أن هذا كله ينبغي للعبد أن يعلم ويعتقد أن هذا قد سبق علم الله عز وجل فيه في كل ما هو كائن. أي أن الله عز وجل قدر هذه المقادير بعد أن علمها سبحانه وتعالى، بعد أن علم من عباده ما هم عاملون، فقدر لهم ما علمه جل وعلا، قدر لهم ما علمه سبحانه وتعالى. وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله. فلهذا فهذه الأمور كلها قد علمها ربنا سبحانه وتعالى: علم من هو الذي سيطيع، ومن هو الذي سيعصي، علم من هو السعيد، ومن هو الشقي، علم كذلك من الذي يختم له بالحسنة، ومن الذي لا يختم له. قدره الله عز وجل بما علمه سبحانه وتعالى من عباده. ولهذا جاء في الصحيحين: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم معه بالكتابين، تحدث علي فقال: «هذا كتاب الذي عن يمينه، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم، ثم ختم عليه، فلا يزاد فيه، وهذا كتاب أهل النار وأسماء آبائهم، ثم ختم عليه، فلا يزاد فيه». فقالوا: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». فأهل السعادة يسيرون لعمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة يسيرون لعمل أهل الشقاوة. فهذا القدر أمره عظيم، فالذي يعتقد أو الذي يجب على المسلم أن يعتقده أن العبد له مشيئة واختيار، جعلها الله عز وجل له، وهذا كله بعلم الله جل وعلا. فعلم الله عز وجل طاعة الطائع، ومعصية العاصي، فلهذا قدر الله عز وجل ما علمه سبحانه وتعالى. وهذا هو ميزان هذا الباب. قال: «فقدر ذلك تقديرا محكما مبرما». أي علم ما علمه سبحانه وتعالى، قدره تقديرا محكما مبرما. بل إنه لا يزاد فيه ولا ينقص، لا يزاد فيه ولا ينقص. بل إنه تقدير مثل ما يحصل في هذا القول، فهو مقدر عند الله جل وعلا. قال: «ليس فيه ناقض ولا معقد». أي لا يستطيع أحد أن ينقص هذا الشيء أو أن يؤخر هذا الحكم، لا يستطيع أحد أن يؤخر حكم الله جل وعلا وينقضه أو يتعقبه. بل أمره نافذ سبحانه وتعالى، ومشيئته نافذة في كل شيء. قال: «ولا مزيل ولا مغير». لا يستطيع أحد أن يزيل حكم الله جل وعلا مهما كان. وأما ما يكرر مثلا من العين أنها سابقة القدر، وهذا إنما في قدر الله جل وعلا، ليس في علم الناس. وإنما هو في قدر الله سبحانه وتعالى. كذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من أحب أن يوسع له في رزقه ويبارك له في أثره فليصل رحمه». وقال أيضا في المسند: «صلة الأرحام تصل الأرحام، تعمران الديار وتزدن في الأعمار». أو قال: «صلة الأرحام، حسن الجواب». صلة الأرحام تعمران الديار وتزدن في الأعمار. فهذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ليس أنه يزيد في قدر الله أو ينقص في قدر الله، لا. وإنما هذا هو في علم الناس. وإلا فهو في قدر الله عز وجل لا يزاد ولا ينقص. ومن أهل العلم من يقول: إن هذا بحسب الصحيفة التي مع الملائكة، بحسب الصحيفة التي مع الملائكة هي التي تتغير. وأما حكم الله جل وعلا الذي قدره سبحانه وتعالى فلا يتغير أبدا، لا يتغير ولا يزيد ولا ينقص. وإنما الزيادة تكون فيما عند الملائكة. وأيضا هذا الزائد كما قال بعضهم: العلم المراد أنه يجد في هذا الأمر أنه قدر له كذا، ولما فعل لما وصل رحمه جاد في عمره كذا، فهو زيادة في عمره قبل أن يخلقه الله جل وعلا، فزید في عمره لأجل أنه كان يصل رحمه وكان يحسن الجوار وغيرها من هذه الأمور. وإلا في كتاب الله جل وعلا لا يغير شيء، أي في اللوح المحفوظ. قال: «ولا مغير ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه». ثم قال رحمه الله: «وذلك من عقد الإيمان». معنى ذلك: مما يكون عقيدة عند العبد، ويعتقده العبد، وهو واجب، وهو الذي اختلف به كثير من الناس: الإيمان بالقضاء والقدر. وقد ذكرنا أشياء كثيرة في هذا الباب، أي في الاعتقاد. فيجب على المؤمن أن يعتقد أن القضاء والقدر كله من عند الله سبحانه وتعالى، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الله عز وجل كتب ذلك كله في مقادير الخلق. فلا يزاد فيها ولا ينقص. قال: «وذلك من عقد الإيمان». من عقد الإيمان، معنى كما قلنا: من الاعتقاد. ومن الوصول التي أعتقدها المسلم: وصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله وربوبيته. والظاهر أنه أراد بتوحيد الله: أي توحيده في الربوبية وفي القضاء والقدر. فإن الإيمان بالقضاء والقدر جزء من توحيد الربوبية. فالذي يؤمن بالربوبية فهو أيضا يؤمن بالقضاء والقدر. ومن آمن بالقضاء والقدر فلا شك أنه طبق الإيمان بربوبية الله سبحانه وتعالى. وأيضا الاعتراف أنه عبد لله سبحانه وتعالى. وهذا يقوده إلى التوحيد الإلهي، يقوده ويلزمه توحيد العبادة، لأنه يعترف أنه عبدا لله. فربنا جل وعلا هو الذي خلقه، وهو الذي رزقه، وهو الذي أيضا قضى له هذه الأمور. فمن آمن بالقضاء والقدر فهو أيضا مؤمن بتوحيد الله جل وعلا وعبادته سبحانه وتعالى، لأنه يعترف بأنه عبدا لله. قال: «كما قال جل وعلا في كتابه: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وكان أمر الله قدرا مقدورا﴾». ثم قال رحمه الله: «فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما». أي خاصم الله في القدر، إما بأنه اعترض على قدر الله جل وعلا، وخاض في قدر الله. فهذا خاصم الله عز وجل في قدره. أو أنه اعتقد الباطل، واعتقد أن الله عز وجل لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، كما كان يعتقد القدرية الغلاة. فهذا أيضا يعتبر مخاصم لله جل وعلا. وكذلك أيضا الذي يقول: إن الله عز وجل ليس له دخل في أعمال العباد، مثل ما يقوله المعتزلة القدرية. فهؤلاء أيضا خصماء الله جل وعلا في هذا الباب. فكل من قال قولا باطلا في القدر فهو داخل في هذا الباب. فهو صار عنيدا، صار خصيما لله جل وعلا. وأعظمهم الذي يعترض على قدر الله جل وعلا، أعظمهم الذي يعترض على قدر الله ويخوض: لماذا هذا حصل له كذا؟ ولماذا أنا لم أفعل كذا؟ أو لماذا لم يكن لي كذا؟ فيتبرم لأنه فقير. وأيضا يدخله الغل والحسد على من كان أفضل منه، بسبب اعتراضه على قدر الله جل وعلا. ولهذا تجد غالبا الحسد الذي يحسد ويغل في قلبه على الناس، فهذا غالبا فيه شيء فيه ضعف في القدر، فيه ضعف في الإيمان بالقدر. ولهذا من ثمار الإيمان بالقدر: تنظيف القلب من هذه الأشياء. من أعظم الثمار التي تحصل بها العبد على الإيمان بقضاء الله وقدره: أنه ينظف قلبه عن الحسد والغل، ويعلم أنه كله من عند الله جل وعلا. فلا يتطاول على الآخرين، ولا يحسدهم، ولا أيضا يغل قلبه عليهم بسبب ما عندهم من الأموال أو بسبب ما أعطاهم الله عز وجل من الخير في أمر الدنيا أو أمر الآخرة. قال: «وصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله». ثم قال: «فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما، وأحضر للنظر فيه قلبا سقيما». أي ضعيف القلب، لأنه لم يؤمن بالقدر حق الإيمان، ولم يؤمن بقضاء الله وقدره. ذلك الإيمان الذي أراده الله. ولهذا ضعف قلبه وضعف إيمانه. قال: «لقد التمس بوهمه في محض الغيب سرا كتيما». أي تفكر في أشياء ليست له، وتفكر دخل في أشياء ليست من شأنه. وإنما الواجب عليه أن يسلم أمره إلى الله جل وعلا. وهذا الذي فعل هذا. قال: «وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما». أي كذب، وأتى بأقوال ليست صحيحة، بسبب خوضه في قدر الله. وشيء غيبه الله عز وجل على الناس، لا ينبغي أن يبحثوا عنه. فهذا سر الله عز وجل في خلقه. فبدأ رحمه الله جل وعلا كلامه في القدر بأنه سر الله، وأصل القدر سر الله. وانتهى بهذا الكلام لذكره، وهو أنه من السر الكثير الذي غيبه الله عز وجل على خلقه. فمن تفكر بهذا وخاض فيه فإنه سيعود أفاكا أثيما، كافرا بالله جل وعلا أو ساكتا بدينه. فهذا ما يذكر في هذا الباب. الله تعالى أعلم.

شاركنا على