التعليق على كتاب التوحيد 50

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 50، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

النهي عن الغلو في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وبيان خطر الإطراء

يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الناهي عن الإطراء والمبالغة في مدحه كما غلت النصارى في عيسى عليه السلام، مبيناً أن كل مبالغة في مدح النبي تدخل في النهي وتعد غلواً محرماً، وينتقد قول البوصيري في البردة المجيز للمبالغة ونسب علم الغيب للنبي، مؤكداً أن شرف النبي في عبوديته لله لا في صفات الألوهية.

تقسيم الحقوق الثلاثة (حق الله، حق الرسول، الحق المشترك) والتحذير من الغلو في الدين

يبيّن المقطع أن صفة العبودية للرسول ﷺ شرف عظيم، ويقسم الحقوق إلى ثلاثة: حق خالص لله كالتسبيح، وحق خالص للرسول ﷺ كنصرته وتوقيره، وحق مشترك بينهما كالإيمان بهما مستدلاً بآية الفتح، ثم يحذر من الغلو في الدين مستشهداً بحديث ابن عباس موضحاً أن الغلو مجاوزة الحد مدحاً أو قدحاً وسبب لهلاك الدين والأمم.

أنواع الغلو في الدين وصوره في العقائد والعبادات والعادات والأخلاق

يستعرض المقطع صور الغلو في الدين مقسمة إلى: الغلو في العقائد كإنكار صفات الله أو الإشراك، والغلو في العبادات كإفراط في الصيام والصلاة أو تحريم المباحات، والغلو في العادات كترك الدنيا والتكفف، والغلو في الأخلاق كتعظيم العلماء أو الجماعات فوق حدهم، ويؤكد أن التنطع والغلو سبب للهلاك كما جاء في حديث «هلك المتنطعون».

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الحمد كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، قال شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه التوحيد، في باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. قال: وعن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين. وقوله هنا: «لا تطروني»، الإطراء هو المبالغة في المدح، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم الأمة أن تطره، يعني تبالغ في مدحه. ولذلك قال: «كما أطرت النصارى ابن مريم»، فالنصارى غلت في مدح عيسى عليه السلام، فقالوا: ابن الله، وقالوا: ثالث ثلاثة، فجعلوه، جعلوه بمنزلة الإله، جعلوه بمنزلة الإله، وهذا غلو، وهذا غلو. طيب، قوله: «كما أطرت النصارى ابن مريم»، هل المراد به لا تقولوا: إني ابن الله، أو إني ثالث ثلاثة، أو ما هو دون ذلك؟ الصواب: الثاني، كل ما فيه مبالغة في المدح، ولو كان دون قول النصارى، فيدخل في هذا النهي، فيدخل في هذا النهي. لا كما يدعيه بعض أهل الضلال، مثل البوصيري صاحب البردة، فهو القائل: «وسوى دعوى النصارى في نبيهم، فقل ما شئت في مدحه واحتكم». أيش معنى هذا؟ معنى ذلك: أنه يقول: لا تقولوا مثل ما تقول النصارى في نبيهم، أن محمداً ابن الله، أو أنه ثالث ثلاثة، وما دون ذلك فقل ما شئت، وقل ما شئت فيه واحتكم. ولذلك هو القائل: «فإن من جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم». فأجاز أن تقول: إن النبي يعلم الغيب. وهذا معنى قوله: «ومن علومك علم اللوح والقلم»، يعني تعلم ما في اللوح المحفوظ. وهذا من الإطراء المحرم؛ لأنه غلو ومبالغة في المدح. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعلم الغيب، فكل ما فيه مبالغة، ولو كان دون ما ادعته النصارى في نبيهم، فيدخل في الإطراء، فيدخل في الإطراء. فمن الإطراء أن تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب. ومن الإطراء أن تعتقد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجيب دعوة الداعي، أو أن له التصرف في شيء من هذا الكون، أو إلى غير ذلك، أو أنه يملك شيئاً من الدنيا. وإن من جودك الدنيا وضرتها، ضرتها يعني الآخرة، فهذا من الغلو، وهذا من الإطراء المحرم. ولذلك قال: «إنما أنا عبد، إنما أنا عبد». وهذا شرف، كون العبد ينسب إلى العبودية، هذا شرف. ولذلك وصف الله عز وجل نبيه بالعبودية في مواضع شريفة: في الإبلاغ، في الوحي، في غير ذلك. ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾. لهذا الشرف العظيم نسبه إلى العبودية في الوحي: ﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ﴾، يعني النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا ذكر الله عز وجل صفة العبودية قبل صفة الرسالة في آية، قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾. ذكر أول شيء صفة العبادة، ثم ذكر صفة الرسالة، فدل ذلك على أن صفة العبودية شرف عظيم. ولذلك قال: «قولوا: عبد الله ورسوله». قولوا: عبد الله، فلا يعبد، لا يوصف بشيء من أنواع العبودية. ورسوله، فلا يكذب. فلا غلو ولا تفريط، لا إفراط ولا تفريط. فلا يعبد، وهذا من الغلو. ولا يكذب، وهذا من الإفراط، وهذا من التفريط، وهذا من التفريط. لذلك ذكر العلماء أن الحقوق ثلاثة، أن الحقوق ثلاثة: حق لله فلا يشاركه فيه أحد، حق لله فلا يشاركه فيه أحد، وذلك ما يتعلق بما يختص به من الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، فهذا حق لله. وحق للرسول، وهو معونته ونصرته وتوقيره واحترامه عليه الصلاة والسلام. وحق مشترك بين الله ورسوله، وهو الإيمان بالله ورسوله، فهذا مشترك. وهناك آية في القرآن جمعت هذه الحقوق الثلاثة، هناك آية في القرآن جمعت هذه الحقوق الثلاثة، وهي قول تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. فقول: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، هذا حق مشترك بين الله ورسوله، وهو الإيمان. صح. ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾، هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، التعزير بمعنى المعاونة والنصرة، وتوقروه يعني تحترموه وتعظموه تعظيماً شرعياً. ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾، هذا حق خاص بالله سبحانه وتعالى، فإن التسبيح لا يكون إلا لله عز وجل. فهذه الآية جمعت على أنواع الحقوق الثلاثة: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ حق الله ورسوله، ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ حق الرسول، ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ هذا حق من حق الله عز وجل. فلا يجوز التجاوز في شيء من هذه الحقوق، فما كان مختصاً بالله لا يجوز أن يصرف لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل. واضح. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». وهذا حديث ابن عباس، أخرجه أحمد وغيره. وهذا الحديث في أوله أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل ابن عباس ليأتي له بحصى رمي الجمرات، فأتى ابن عباس بسبع حصيات أمثال حصى الخذف، مثل حبة الفاصوليا، كبيرتين مثل الحمص، فأخذ النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «بمثل هذا فارموا»، فرموا. «وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». فقال: «وإياكم»، يعني احذروا واجتنبوا الغلو. فالغلو هنا مفعول به لفعل محذوف، الغلو مفعول به لفعل محذوف، والتقدير: إياكم احذروا واجتنبوا الغلو. واضح. ﴿فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَن كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ﴾، يعني من الأمم السابقة. والهلاك هنا يشمل معنيين، الهلاك يشمل معنيين: المعنى الأول، الهلاك في الدين، فإن الغلو يهلك الدين، فينسلخ أهله من الصواب ومن الطريق المستقيم. فمن غلا شذ في النار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن شذ شذ في النار». فالمراد بالهلاك في أحد المعنيين: هلاك الدين. فمن غلا وقد خرج عن الجد والصواب والطريق المستقيم. وقد يراد به هلاك الأجساد، فالغلو سبب للمخالفة، مخالفة الدين، ومخالفة الدين سبب للعقوبة، صح، سبب للعقوبة. فالغلو سبب لنزول العقوبة، فيقوم بذلك هلاك الأجساد والقرى والمجتمعات بسبب هذا الغلو، بسبب هذا الغلو. والغلو كما تقدم تفسيره: هو مجاوزة الحد مدحاً أو قدحاً، مجاوزة الحد مدحاً أو قدحاً. وهذا الحديث أفادنا أن الغلو أنواع، الغلو أنواع. فقد يكون الغلو في العقائد، كمن يعتقد أن هناك إلهاً غير الله، هذا غلو. أو من يعتقد تنزيه الله عن الأسماء والصفات، فيجره ذلك إلى التعطيل أو إلى التشبيه، هذا من الغلو، مثل ما هو فعل الأشاعرة والماتريدية. ما الذي جرهم إلى نفي الصفات؟ الغلو في التنزيه، قالوا: يتنزه أن يكون الله له سمع أو له بصر، فعطلوا هذه الصفات، فعطلوا هذه الصفات. وقد يكون الغلو في العبادات، مثل هذا المثال الذي ورد به هذا الحديث، ما المناط الذي قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من أجله: الحصى بمثل هذا فارموا، وإياكم والغلو. فمن رمى بحجر مثل هذا، هذا غلو. كيف الذي يرمي بنعل؟ أو غلو زيادة. واضح. إنسان مثلاً غلا في العبادة فصام الدهر، أو قام الليلة كلها، هذا غلو في العبادة، هذا غلو في العبادة. كذلك من الغلو في العبادة مثلاً ترك الزواج من أجل العبادة، هذا غلو، وقال: في سنة الأنبياء. أو ترك الطعام من أجل العبادة، هذا غلو. وقد يكون الغلو في العادات، الغلو في العادات، كمثل بعض الصوفية الذين يتركون الدنيا بحجة التفرغ للعبادة، يتركون الدنيا جملة وتفصيلاً، يقول لك: نحن ما ننشغل بالدنيا، ويكونون عالة على غيرهم، هذا من الغلو باعتقاد ذلك. أما من ترك الدنيا وتوكل على الله وليس بعالة على غيره ولا يذل نفسه، هذا أمر طيب. لكن يترك الدنيا ثم يكون عالة على غيره ويحرم ذلك على نفسه، فهذا من الغلو. أو من حرم الادخار، يقول لك: لا تدخر شيئاً، لا تفتح لك حساب، ولا تترك شيئاً في البيت، ولا شيئاً، توكل على الله، هذا غلو. وقد يكون الغلو في الأخلاق والسلوك والمنهج. فمن الغلو: الغلو في العلماء، أن يجعل هذا العالم قوله كقول النبي، لا يخرج عنه، ما قاله هو الصواب، هذا غلو، هذا غلو. أو كذلك الغلو في جماعة من الجماعات، وأنها لا تخطئ، وأنها على الصواب، وإن خالفت الحق، هذا غلو. وقد يكون الغلو في الأشخاص، فالغلو له صور كثيرة وأنواع عديدة. قال: ولمسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هلك المتنطعون»، قالها ثلاثاً. المتنطعون هم المتشدقون، المتقعرون في الأقوال أو الأفعال. في الأقوال يتكلمون بكلام فيه تكلف وتنطع، وفيه تشدق، فهذا منهي عنه، وهو يدخل في الغلو، بمعنى الغلو في الألفاظ أو في الأقوال أو في الأفعال. ففي الأفعال بمعنى الغلو: مجاوزة الحد، مجاوزة الحد، سواء كان في القول أو في الفعل. فهنا قول: «هلك المتنطعون»، هو بمعنى الحديث المتقدم: «فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». فالتنطع سبب للهلاك كما تقدم، إما هلاك في الدين، وإما هلاك كذلك في الأجساد. فمن تنطع خرج عن الجادة. ها، التنطع بمعنى التشدق في الكلام، يعني الإتيان بألفاظ غريبة وألفاظ فيها شيء من التكلف، هذا تنطع، ما أمرنا بهذا. وهكذا في الأفعال بمعنى الغلو، التنطع بمعنى الغلو: مجاوزة الحد. طيب، طيب، إن شاء الله نكتفي اليوم بهذا، والمسائل نؤجلها إلى الدرس القادم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر