التعليق على الجواب الكافي 14

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم حسن الظن بالله وشروطه

يشرح مفهوم حسن الظن بالله تعالى وارتباطه بحسن العمل والتوبة، ويحذر من سوء الظن بالله مستدلًا بأحاديث نبوية.

علاقة حسن الظن بالعمل الصالح والتحذير من سوء الاستغلال

يؤكد على ضرورة اقتران حسن الظن بالعمل الصالح ويحذر من سوء استغلال حسن الظن لتبرير الإهمال في الطاعات والمعاصي.

التمييز بين حسن الظن والغرور

يفرق بين حسن الظن بالله والغرور، موضحًا أن حسن الظن ينفع بالتوبة والندم وإصلاح العمل، مستشهدًا بالآيات القرآنية.

ختام الفصل والإشارة إلى الفصل التالي

يشير إلى انتهاء الفصل الحالي ويشير إلى أن هناك فصلًا آخر تابعًا له، ويكتفي بما ذكر حتى الآن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. ما بعد، طيب إن شاء الله نكمل هذا الفصل. قال رحمه الله تعالى: فعلى هذا نرد على هؤلاء الجهلة الذين اضطروا بهذه الأمور. قال: ومن تأمل هذا الموضع حق التأمل علم أن حسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه، فإن العبد إنما يحمل على حسن العمل حسن ظنه بربه أنه يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ويتقبلها منه، فالذي حمله على حسن العمل حسن الظن. ولو قال قائل: كيف يقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه؟ أنا كيف يحسن الظن؟ قد يكون مثلًا الإنسان يحتضر وهو عنده معاصٍ وعنده كبار وهو منهمك في المعاصي، ثم يحتضر فيطلب أو يحسن الظن بالله أنه سيغفر له. أنا كيف نوفق؟ نقول: أنه إذا كان تائبًا، أنا أتذكر ذنوبه فتاب إلى الله في ذلك الوقت قبل أن تغرغر نفسه وقبل أن يأتيه الموت، تاب إلى الله جل وعلا ورجع إلى الله وتندم على ما كان، فمثل هذا الرجل لا بأس أنه يحسن بل يجب عليه أن يحسن الظن بربه، وأن الله عز وجل سيغفر له تلك الذنوب ما دام أنه تاب إلى الله ورجع واستغفر. فلهذا فهذا الذي يحسن الظن بربه من أحسن العمل وتاب إلى الله فهو يحسن الظن بربه. أما من يسيء بالله ويهرب ويبتعد عن الله بالمعاصي، كيف يكون يحسن الظن بالله؟ كيف يحسن الظن بالله؟ وأما ما يستدل مثلًا بحديث «خلني وربي»، فهذا ليس فيه دليل. معنا الحديث: حدث بهريرة، الذي في المسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حكى عن رجلين، كان أحدهما طائعًا لله وكان الآخر مقيمًا على المعاصي، فكان هذا الأخ الطائع يرى أخاه مقيمًا على المعاصي فيقول له: اتق الله لا تفعل. فيقول: خلني وربي. ثم إنه رآه في معصية الله فقال: يا فلان اتق الله كيف تعصي الله؟ فقال: خلني وربي. فقال هذا الرجل، أي هذا المطيع: «والله لا يغفر الله لك». قال: «والله لا يغفر الله لك». فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ فقد غفرت له وأحبطت عملك. فهنا قال أبو هريرة: قال كلمة أوبقت دنياه وآخرته. هذا الرجل تجرأ على الله. وليس المراد أن فعل ذاك الشخص صحيح، لا. لما يقول «خلني وربي» هو ليس تأييدًا لذاك الرجل، وإنما الله عز وجل لما تألى على هذا الرجل، وكأن المغفرة من عنده، كأن المغفرة من عندي هو الذي يغفر أو يقرر على الله أنه يغفر لفلان أو لا يغفر. فقال: «والله لا يغفر الله لك». فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى عليك؟ أنا يحلف بالله أنه لا يغفر لفلان. فقال عليه الصلاة والسلام: أشهدكم أني قد غفرت له وأحبطت عمله، أي هذا المتألي على الله. فليس في هذا الحديث دليل على الغرور أو على أن الإنسان مهما كان ومهما فعل فهو حسن الظن برب الله، لأن هذا إنما لأجل التألي هذا، وإلا فذاك مدنب ولم يتب إلى الله، فليس هذا من أحسن الظن في شيء. قال رحمه الله: فالذي حمله على حسن العمل حسن الظن، وكلما حسن ظنه بربه حسن عمله. وإلا فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز. حسن الظن مع اتباع الهوى عجز. الذي يحسن الظن يقول: أنه حسن الظن بالله ويتمنى في نفسه أن الله سيغفر له، وهو لا يعمل ولا يكد في عمل الصالحات، بل العكس يتجرع المعاصي. قال: كما في الترمذي والمسند من حديث شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني». وهذا الحديث لا يصح، ظهر فيه رجل مجهول أو مبهم. لكن جاء عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: إلى أي الناس أكيس؟ قال: «أتقوهم وأستعدادًا للموت». وهو يؤدي إلى نفس المعنى. لكن هذا زائد، فيه أن الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. هذا الكيس، الكيس معنى الفطن الذكي، الرجل العبقري، الرجل الذي هو يحسن ما يفعل. أنه الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، دان نفسه أي بالعمل. والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله. هذا عاجز. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى الكيس والعجز من الله». حتى الكيس والعجز من الله. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من العجز ومن العجز والكسل. فالعجز هو عدم العمل والابتعاد عن الطاعة، والكسل يقول بعضهم: الفرق بين الكسل والعجز أن الكسل قبل الطاعة، قبل أن يفعلها يكسل عنها، والعجز عند فعلها يعجز عند فعلها. فهذا العاجز من أتبع نفسه هواه وتمنى على الله، لكن كما قلنا الحديث لا يصح، لكن معناه صحيح. قالوا بالجملة: فحسن الظن إنما يكون مع عقد أسباب النجاح. وأما مع عقد أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن. قالوا: فإن قيل: بل يتأتى ذلك ويكون مستند حسن الظن ساعة مغفرة الله ورحمته وعفوه وجوده، وأن رحمته سبقت غضبه، وأنه لا تنفعه العقوبة ولا يضره العفو. قيل: الأمر هكذا، والله فوق ذلك وأجل وأكرم وأجود وأرحم. بل يتأتى ويكون مستند حسن الظن ساعة مغفرة الله، لكن متى؟ إذا كان هذا في حسن العمل. لكن معنى يقال: مثلًا لو قال إنسان: بل يتأتى ذلك ويكون مستند حسن الظن ساعة مغفرة الله ورحمته وعفوه وجوده. معنى يعتقد ساعة رحمة الله في نفسه، لكنه لا يستغفر ولا يتوب. فعل هذا ينفعه؟ فقال: قيل الأمر هكذا، معنى لا شك أن حسن الظن وأن ربنا جل وعلا وسعت مغفرته وعفوه عباده، وخاصة الرحمة وسعت كل شيء، وأنه لا تنفع العقوبة ولا يضره العفو. فقال: هكذا والله فوق ذلك وأجل وأكرم وأجود وأرحم. لكن إنما يضع ذلك في محله اللائق به وهو الحكمة، فإنه سبحانه موصوف بالحكمة والعزة والانتقام وشدة البطش وعقوبة. ومن يستحق العقوبة فلو كان معول حسن الظن على مجرد صفاته وأسمائه لاشترك في ذلك البر والفاجر والمؤمن والكافر ووليه وعدوه. فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته وقد باع بسخطه وغضبه؟ ما صار الآن فرق بين هذا وهذا لأنهم كلهم يدخلون تحت رحمة الله. قالوا: فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته وقد باع بسخطه وغضبه وتعرض للعنة ووقع في محارمه وانتهك حرماته؟ بل حسن الظن ينفع من تاب وندم وأقلع وبدل السيئة بالحسنة واستقبل بقية أمره بالخير والطاعة ثم أحسن الظن بعدها، فهذا حسن الظن. والأول غرور. والله المستعان. ولا تستطيل هذا الفصل، فإن الحاجة إليه شديدة لكل أحد يفرق بين حسن الظن بالله وبين الغرور. هذا الذي ذكره الإمام ابن القيم مفصلًا جدًا، يستطيع الإنسان أن يفرق بين حسن الظن وبين الغرور. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ هؤلاء الذين يرجون رحمة الله هم من الذين جاهدوا أو هاجروا وجاهدوا في سبيل الله بعد إيمانهم. هؤلاء الذين يرجون رحمة الله. وأما من لم يؤمن فلم يرد رحمة الله. قال: فجعل هؤلاء أهل الرجاء لا البطالين والفاسقين. وقال جل وعلا: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال: فأخبر سبحانه أنه بعد هذه الأشياء غفور رحيم لمن فعلها. فالعالم يضع الرجاء مواضعه، والجاهل المغتر يضعه في غير مواضعه. فهذا الفصل من أحسن الفصول التي بيّنها الإمام ابن القيم في هذا الكتاب العظيم «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي». لأن أكثر المعاصي من الناس تحصل من هذه الأبواب، وهي باب الغرور. يغتر بمثل هذه الأشياء إما بعفو الله وكرمه، وإما بغيرها من هذه الأشياء التي ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله، أو بأنه يحسن الظن بالله. أنه يحسن الظن بالله ويأتي بقصص عن فلان وعن فلان أنه أحسن الظن بالله في آخر حياته وكذا، فيظن أن هذا سهل. فليس أحسن الظن بالتمني، وليس أحسن الظن بالنية كما يقولون: أحسن الظن بالتوبة إذا تاب إلى الله ورجع وندم على ما فعل. أما إنسان يتبجح بالمعاصي وأيضًا يستهزئ وبل يجاهر بالمعاصي حتى عند مرض موته ويقول: يحسن الظن بربه. فهذا ما أحسن الظن، بل كذب. لو أحسن الظن لأحسن العمل وتندم على ما فعل. فهذا الذي هو يحسن الظن بربه جل وعلا. فهذا إن شاء الله تعالى آخر هذا الفصل، وسيذكر بعده فصل آخر تابع له، لكن هذا الفصل انتهى. فنكتفي بذلك والله تعالى أعلم.