قصة المتألي على الله - ٢

قصة المتألي على الله - ٢

الدرس في قصة المتألي على الله - ٢، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير من الحكم على الناس بعقل الإنسان وحدود الاجتهاد

يشرح هذا الفصل خطورة تدخل العقل البشري في الأحكام الشرعية، مستشهدًا بقصة رجلين من بني إسرائيل، حيث حكم المجتهد على المذنب بأنه لن يغفر له الله. يُظهر أن الأحكام الشرعية لا تُحدد بالعقل أو الآراء البشرية.

سعة رحمة الله ووجوب عدم اليأس منها

يشرح هذا الفصل سعة رحمة الله عز وجل وكيف أنها وسعت كل شيء حتى المذنبين، ويبين أن الله أرحم بعباده من أي كائن آخر، ويحذر من اليأس من رحمة الله أو الاتكال عليها دون العمل الصالح.

تحذير من التكلم على الله بغير علم وآفات اللسان

يشرح هذا الفصل خطورة التكلم على الله بغير علم ويحذر من سوء الخاتمة وآفات اللسان، مشيرًا إلى أن الأعمال بالخواتيم وأن التكلم على الله أو على عباده بغير حق يمكن أن يؤدي إلى الهلاك.

عواقب الغيبة والنميمة وخطر التكلم في أعراض الناس

يتحدث هذا الفصل عن خطورة التكلم في أعراض الناس بغير حق، ويحذر من عواقب ذلك في الآخرة، ويطلب المتحدث من الله أن ينفع بما قاله ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فأواصل إخواني في الله حول ما تم ذكره في درس أمس في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وما ذكره نبينا صلى الله عليه وسلم في قصة رجلين من بني إسرائيل كانا متواخيين، أحدهما قد أقبل على عبادة ربه وبلغ إلى درجة الجد والاجتهاد، وآخر مذنب مصر على ذنوبه. وكان من أمر المجتهد أنه كلما رأى المذنب على ذنب نصحه قائلاً له: أقصر. وأنه ذات يوم مر عليه فرأاه على ذنب فنصحه على العادة قائلاً له: أقصر، فإذا بهذا الرجل الذي على ذنب يقول: خلني وربي، أبعثت علي رقيبًا؟ فحينها غضب هذا المجتهد، إلا أنه قال: والله لا يغفر الله لك. وفي لفظه: والله لا يدخلك الله الجنة، والله لا يدخلك الله الجنة. وقد ذكرنا يا إخواني في الله ما يتعلق بهذا المقطع من فوائد ومن مسائل ينبغي الاهتمام بها. وكذلك مما يذكر في هذا المقام أن الشخص لا يحكم في الأشياء الشرعية بعقله، فهذا الرجل الذي أداه إلى أن يتلفظ بهذه اللفظة ما رآه من استشناع العقل لهذا الفعل، فعقله ما استوعب أن رجلًا مستمرًا على معاصيه مهما نوصح ومهما عوتب لا زال مستمرًا، أكيد هذا قد بلغ أي الكفر، فهذا اجتهاد منه، لكنه اجتهاد مقابلة النص وتدخل في حكم الله عز وجل. وهذا يذكرنا بما مضى ذكره كذلك في حديث أبي سعيد في الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، أنه وقع في نفس الذي وقع فيه العابد عندما علم بأن هذا القاتل قتل تسعة وتسعين نفسًا، استشنع ذلك وقال: ما لك توبة، ما لك توبة، أدخل رأيه الكاسد وعقله الفاسد في حكم الله عز وجل. وهكذا مثل هذا العابد عندما استشنع ما عليه المذنب من استمراره بالذنوب أدخل هذا الحكم في عقله وقال: والله لا يغفر الله لك، وهذا لا يجوز. فالأحكام الشرعية إخواني لا حكمها عند الله عز وجل لا بمحض الآراء ولا باستحسان المحسنين ولا بشناعة المشنعين، كما نرى في مثل هذه الأزمان. قال عليه الصلاة والسلام: «فقبض أرواحهما» أي أن الله عز وجل قبض أرواح هذين الاثنين: المجتهد في العبادة والمذنب المستمر على ذنبه. قال: «فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد» أي قال الله عز وجل لهذا المجتهد الذي في العبادة: «أكنت بي عالما أو كنت على ما في يدي قادرًا؟ أكنت بي عالما؟» أي هل عندك شيء من العلم أطلعتك عليه بحيث علمت أني لن أغفر لفلان لأنه أغسم على الله قال: والله لا يغفر الله لك، فكونك تغسم على الله في هذا الأمر هذا يدل على أن لك حظًا من العلم. فربنا عز وجل يسأله السؤال المستنكر عليه: «أكنت بي عالما؟ هل عندك علم بهذا الحكم؟ أو أكنت على ما في يدي قادرًا؟ أو كانت لك جرأة على أنك تكون لك قدرة على الله؟ أن تكون لك قدرة على الله بحيث أنك بإمكانك أنك بأمرك تستطيع أن تفعل ما تشاء؟» وهذا تدخل في خصائص الرب سبحانه وتعالى، ما يتأتى لأحد من خلقه، ما يمكن لأحد أن يتدخل في خصائص الله عز وجل، ومن خصائص الله الألوهية ومن خصائصه الربوبية، ومنها الإحياء والإماتة وهكذا مغفرة الذنوب ورحمة الخلق، ما يتأتى هذا إلا لله سبحانه وتعالى، هو جل فعلًا يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء سبحانه وتعالى، الأمر أمره والخلق عبيده والقضاء قضاؤه. أما أنك تتحكم من دون الله وكأنك قادر على ما في يدي الله عز وجل، فهذا محل شناعة من الخلق. فقال ربنا عز وجل: «أَوَ كُنْتَ عَلَيَّ مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟» فلا أحد، فإن الله إذا أراد شيئًا ما هناك أحد يمنع، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، لا مانع لما أعطيت، إذا ربنا أراد أن يسبغ رزقًا أو خيرًا أو يسبغ عافية وصحة أو مالًا لأحد من خلقه ما هناك أحد يصد أو يمنع خير الله الواصل لعباده، ما أحد. وبالمقابل إذا أراد الله عز وجل بأحد الإمساك فلا أحد يعطيه من دون الله سبحانه وتعالى، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت. ثم قال الله عز وجل -كما قال رسول الله-: «وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي». انظر يا عبد الله إلى هذا الأمر المختلف الذي ما كان في خلد هذا العابد، هذا المذنب المصر على ذنبه يقول الله سبحانه وتعالى في حقه: «ادخل الجنة برحمتي»، أدخله الله برحمته. وفي هذه عقيدة عند أهل السنة والجماعة على أن الله عز وجل يمكن أن يدخل من يشاء من المذنبين ولو بغير توبة يدخلهم الجنة، مصداق ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ لمن يشاء سبحانه وتعالى ولو كان مذنبًا ولو كان عاصيًا ولو كان ما كان ما زال في سلك المعاصي والذنب خل الشرك. أما الشرك فهذا الذنب الأكبر الذي لن تصل إليه أبدًا رحمة الله، لأن الله منعها عن الكفر وعن المشركين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ﴾ ما دون ذلك فإنه تحت مشيئة الله، وعلى هذه عقيدة أهل السنة والجماعة أن العصاة هم تحت مشيئة الله، إن شاء عذبهم بعدله وإن شاء رحمهم وأدخلهم الجنة برحمته سبحانه وتعالى. وفي ذلك أيضًا بيان على سعة رحمة الله سبحانه وتعالى حتى شملت هذا المذنب، شملت هذا المذنب الذي كان يصر وبلا شك قبضت روحه وهو لا زال على هذا الحال من الوقوع في الذنوب والمعاصي، ومع ذلك وسعته وسعته رحمة أرحم الراحمين سبحانه وتعالى. فالعبد لا ييأس من رحمة الله، لا ييأس من رحمة الله، وإن الله عز وجل أرحم بعباده من أي كائن كان. وقد جاء في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب أنهم رأوا امرأة في السبي كانت تبحث عن ولد لها فلما رأته في السبي إذ به احتضنته وألقمته ثديها وأرضعت، فقال نبينا -وهم يشاهدون هذا المنظر-: «أترون هذه طارحة ولدها في النار؟» قالوا: لا يا رسول الله، ما نظن هذه المرأة الذي بلغ من حنانها أنها فعلت هذه الأفعال أمامنا حبًا وحنانًا لولدها، فقال: «أترون هذه طارحة ولدها في النار؟» قالوا: لا، قال: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها»، لله أرحم بعباده. وثبت كذلك في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله خلق الرحم أو خلق الرحمة يوم ما خلقها مئة رحمة، خلق الله عز وجل مئة رحمة فأنزل -أرسل- رحمة واحدة يتراحم بها العباد، هذه المخلوقات كلها الآن حتى يدخل في ذلك الإنس والجان حتى الوحوش فيما بينهم يتراحمون، كل الخلائق يتراحم برحمة واحدة أنزلها الله على الخلق، وخبأ عنده -كما في مسلم- وخبأ عنده تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده سبحانه وتعالى»، هذا إن دل إخواني في الله على سعة رحمة الله عز وجل. فالشخص لا يقنط نفسه ولا يقنط غيره، وليس معنى هذا أنك تتكأ يا عبد الله على رحمة الله وتترك العمل، لا اعمل اعمل يا عبد الله كما يفعل المرجئة ممن وسعوا مدارك رحمة الله لدرجة أنهم اتكلوا على رحمة الله فتركوا العمل، لا صلاة لا صيام لا بر لا إحسان، وإنما دخول في المعاصي ثم تتكأ على رحمة الله، لا. قال عليه الصلاة والسلام: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»، ثم قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي»، رحمة الله الأمر كل يتعلق برحمة الله. قال نبينا: «ما منكم من أحد يدخل الجنة بعمله»، قال: «ولا أنت يا رسول الله؟» قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته»، لأن أعمالنا ضعيفة، أعمالنا ضعيفة إخواني في الله، لكن الله جعلها سببًا من أسباب دخول الجنة، فشخص يعمل حتى تشمله رحمة الله سبحانه وتعالى. قال: «وقال للآخر» من الآخر إذا كان المذنب أدخله الله الجنة بقي طرف ثاني العابد المشتغل في العبادة، قال: «وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار»، سبحان الله هذا الذي اجتهد وعبد الله لربما كرس حياته في طاعة الله يكون مآله إلى النار، هذا أولًا فيه دلالة على عظيم ما فعل وهو التألي على الله سبحانه وتعالى، عظيم ما صنع وهو التقول على الله بغير علم. احذر يا عبد الله أن يصل بك هذا المقام، فإن هذا المقام هو أصل الشر، أصل الشر ما عُبِد الله ما عُبِد غير الله في الأرض إلا عندما تُقوِّل على الله بغير علم، ما عُبِدت هذه المخلوقات من أصنام وأشجار وأحجار وأنبياء وأولياء عُبِدوا عندما تُقوِّل على الله بغير علم، فالتقول على الله هو أصل الشر فاحذر يا عبد الله أن تبتلي به. وفيه فائدة كذلك على أن الأعمال بالخواتيم، الأعمال بالخواتيم، في الحذر من سوء الخاتمة، لو ربما يا عبد الله أن تتوفق في بداية أمرك على أعمال صالحة لكن لا تتكل عليها ولا تركن عليها، فإن الأعمال بالخواتيم، فإن ربما أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة كما قال نبينا حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. فإحذر يا عبد الله من سوء الخاتمة بالأعمال الخواتيم واحرص أن يكون جدك واجتهادك في سائر عمرك من أولها إلى شباب إلى آخرها وأنت مقبل على الله سبحانه وتعالى. وكما قال بعض السلفنا الصالح: «ما أبكى العيون بمثل ما أبكاها الكتاب السابق»، ما أبكى العيون بمثل ما أبكاها الكتاب السابق. وكان بعض السلف يقول: «قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم»، يقولون: بماذا يختم لنا؟ فالعبرة يا عبد الله بخواتيم الأعمال. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وقال الآخر: اذهبوا به إلى النار». قال أبو هريرة الراوي لهذا الحديث -بعدما ذكرنا أبو هريرة هذه القصة-: «قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته»، تكلم بكلمة أوبقت عليه دنياه وآخره هلك بها، بماذا هلك؟ بكلمة، كلمة خرجها: «والله لا يغفر الله لك»، كلمة ضعف بها حياته، ضعف بها دينه ودنياه وآخرته، أحبط الله عز وجل أعماله التي فعلها لهذه الكلمة العظيمة. وفيه الحذر يا عبد الله من آفات اللسان، لا تستهين بهذا، لربما رجل من المسلمين متعفف لربما إذا قيل له افعل الفواحش قال: الله أكبر، والله ما أفعل، لن أدخل في زنا ولن أدخل في فاحشة ولن آكل ربا ولن أشرب خمرًا ولن ولن، لكنه مع تعففه عن هذه الكبائر إلا أنه يطلق لسانه بقول ما شاء، بقول ما شاء. وكم حذر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «الجواب الكافي» من آفات اللسان، وأن الرجل لربما يبتعد عن هذه الفواحش لكن يطلق لسانه في أعراض المسلمين، فيكون هلاكه بلسانه، يكون هلاكه بلسانه، هذا العضو الذي يستحق من شأنه، لربما أوردك المهالك كما قال سلفنا الصالح. ومن أعظم آفات اللسان الخوض والاستطالة على أعراض المسلمين كما فعل هذا العابد، هذا استطالة على عرض أخيه عندما قال: «والله لا يغفر الله لك، والله لا يدخلك الله الجنة»، هذا استطالة، هذا استطالة على أعراض المسلمين، هذا لا يجوز لأحد، لا يجوز. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن من أربا الربا استطالة الرجل على عرض أخيه». وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال» أي عصارة أهل النار حتى يخرج مما قال. تأمل يا عبد الله إن قال عليه الصلاة والسلام: «من قال في مؤمن ما ليس فيه» بهتان كذب طعن غمز قدح ما يجوز أبدًا، من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال. وكم واحد منا ربما في يومه وليلته يجتمع مع أصحابه في مقهى أو في نادي أو عند أي تجمع، لو ربما يسحب بلسانه يتكلم في أعراض الصالحين يتكلم في أعراض العفيفات يتكلم في أعراض المصلين يتكلم في أعراض الموحدين ببهتان وزور ونكت، وإذا ضاحك على هذا وكل ذلك يسكنه نار جهنم والعياذ بالله إن لم يتُب من فعلته. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.