الدرس في قصة جريج - ١، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يروي الحديث قصة جريج العابد الذي كان منقطعًا للعبادة في صومعته، وقد جاءته أمه يومًا وهي تناديه. تبرز القصة تفاصيل عن حياة جريج وانقطاعه للعبادة واشتاق أمه إليه.
يروي النبي صلى الله عليه وسلم قصة جريج الذي لم يجب أمه عندما نادته ثلاث مرات، فدعت عليه أن لا يموت حتى ينظر إلى وجوه المومسات. يبين الحديث أهمية طاعة الوالدين وبرهما ويحذر من سخط أهل الباطل على أهل الحق.
يتناول المقطع كيف يستهدف أهل الباطل الصالحين ويتعاونون لإسقاطهم، بينما يجب على أهل الحق أن يتعاونوا على نصرة الدين. يُظهر المقطع أمثلة من القرآن والسنة على أهمية التكاتف في سبيل الله.
يختتم الشيخ درسه ويعد بمتابعة الحديث في الدرس القادم، ويدعو الله أن ينفعهم بما قاله ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مما ذكره نبينا صلى الله عليه وسلم مما جاء من أخبار من قد مضى، ما جاء في قصة جريج، ذلكم العابد الزاهد الذي كان من أمره عجبًا. وهذه القصة رواها البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة». المهد أي في سن الصغر، وهو الحمل، وهو الطفل، هذا هو سن المهد، وهؤلاء ليسوا لهم قدرة على الكلام، وليسوا من أهل الكلام، أي أهل المنطق والنطق، لكن أخبر عليه الصلاة والسلام أن الله جعلها آية، آية لبعض الناس أنهم في سن المهد يتكلمون. فقال عليه الصلاة والسلام: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة»، ثم ذكر عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الشاهد، ذكر قصة جريج، فقال عليه الصلاة والسلام: «كان جريج رجلاً عابدًا، وكانت له صومعة»، صومعة: هو بناء كان يجعل في مكان مرتفع ينقطع فيه العباد، وكان ذلك في بني إسرائيل، يدخل في صومعته، الغرض منها ينقطع عن الدنيا وعن الناس، يتفرغ لعبادة ربه. وكان جريج من أهل التعبد، اتخذ صومعة فجلس فيها، وجريج هذا ما هو لم يأت لنا في هذا الحديث بالذات وبعينه حقيقة جريج، لكن في بعض الروايات كما في مسند الإمام أحمد أن جريجًا كان عبارة عن تاجر يتاجر بأمواله، فكان يرى من نفسه أنه تارة يربح وتارة يخسر، فلما رأى هذا الأمر قال: هذه التجارة ليس فيها خير، ليس فيها خير، ثم قال: لأتاجر مع الله، فتفرغ حينها للتعبد. لكن هذه القصة فيها علة في مستدرك إمام أحمد ومتكلم فيها، فالشاهد إلا أنه رجل انقطع للعبادة، وتأمل في وصف نبينا أنه كان عابدًا، والدليل على عبادته وتعبده ما سيأتي أنه له صومعة، فدل ذلك على أن هذه الأوصاف، فعابد: اسم فاعل، دلالة على ذات متصفة بصفة، عالم، عابد، طالب علم، فهذه ألقاب ما تأتي من فراغ أصلاً، هذه الألقاب لابد أن يكون لها واقع ملموس. فكيف أحكمنا على أن جريجًا عبارة عن عابد؟ لأنه اشتغل بالعبادة، اتخذ له صومعة، فعمل بها واشتغل بالتعبد مع الله فيها. كيف نحكم على رجل من الناس بأنه عالم إذا عمل بعلمه؟ كيف يحكم عليه بأنه طالب علم إذا طلب العلم؟ وهكذا قس. أما إذا رأينا إخواني ألقابًا تطلق على بعض الناس وأعمالهم وأخلاقهم في منأً عنهم، فما يستحق هذا اللقب، إذا وجد مثل رجل ينتسب للعلم، ينتسب للمشيخة، وهو بعيد عن طاعة ربه، فاعل المعاصي والفجور، هذا ما يستحق هذا اللقب. أو رجل في أخلاقه متهوك، في أعماله لا أدب، لا ذوق، لو ربما يكذب في حديثه، لو ربما تبرم معه عهد وعقد واتفاق وشرط أن لا يتكلم في الأمر الفلاني أو لا يخوض في الأمر الفلاني، فيهز رأسه بالموافقة ثم ينقض، هذا عالم، هذا طالب عمل، والله ما يستحق هذه الألقاب، حرام تطلق من أمثال هذه الألقاب المقدسة والمشرفة وشرفها على أمثال هؤلاء. فانتبه يا عبد الله، الناس لا ينظر إلى ألقابهم، الشيخ الفلاني أو العالم الفلاني أو العابد الفلاني، وإنما ينظر إلى واقعه الملموس، إلى علمه الموجود، إلى أخلاقه، فإذا كان كذابًا غشاشًا مخالفًا للعهد والوعد، فهذا لا يستحق أن ينتسب للعلم أصلاً. قال عليه الصلاة والسلام: «فجاءته أمه يومًا»، كانت له أم، أمه جاءته، فأخذت تناديه: «يا جريج»، ما الذي أتى بأمه؟ جاء عند أبي عوانة بإسناد صحيح أنها جاءته لأنها قد اشتاقت إليه، كما قلنا لأن العباد من بني إسرائيل ينقطع فترة طويلة في الصومعة، ما يخرج منها، ما يخرج منها إلا لحاجة ضرورية، فينقطع الفترة الطويلة، فأمه طال انتظارها لابنها، فحنت إليه واشتاقت إليه، فذهبت إلى مكان الصومعة، فأخذت تناديه: «يا جريج». جاء في رواية عند مسلم أن حميدًا الراوي وصف لنا كيف أن أبا رافع وصف لهم كيف كان أبو هريرة وصف لهم وصف النبي عليه الصلاة والسلام لأم جريج عندما كانت تنادي جريج، كيف تناديه؟ تضع كفها فوق حاجبها ثم ترفع رأسها، لماذا؟ لأن المكان مرتفع، ولعل هذا يواجه الشمس حتى لا يحجب الشمس نظرها، فكانت تضع كفها فوق حاجبها فوق عينها ثم تنادي: «يا جريج». قال عليه الصلاة والسلام: «جريج سمع بنداء أمه إلا أنه ماذا كان؟ كان في صلاة»، كان يصلي، وهذا سأتي على أن رجل كان متعبدًا حقًا وصدقًا يستحق يستحق لفظ العبودية وأنه عابد لله، هذا الواقع، أما رجل بألقابه في واد وأعماله في واد آخر. قال: «لا، ما يلتفت»، فكان يصلي، سمعها فاحتار في أمره، ما الذي يصنعه؟ هو في صلاة وأمه في الخارج، فقال: «اللهم صلاتي أم أمي؟» قال: «بل صلاتي»، فاستمر في صلاته، أمه تعبت فرجعت. قال عليه الصلاة والسلام: «فجاءته في اليوم الثاني»، فأخذت تناديه: «يا جريج»، فسمعها وأين كان؟ كان في صلاة، الرجل على قمة في التعبد، كان في صلاة، أوقاته كلها في صلاة، فسمعه وهو في صلاة، فقال: «اللهم صلاتي أم أمي؟» قال: «بل صلاتي»، فاستمر في صلاته، مضى قدمًا بصلاته، تعبت أمه كالعادة، رجعت من حيث أتت. في اليوم الثالث أتت أمه تريده، أخذت تناديه: «يا جريج»، سمعها فكان الأمر كما كان، اجتهد: «اللهم صلاتي أم أمي؟» قال: «بل صلاتي»، فمضى في صلاته، مع أن الأولى كما سيأتينا أنه كان يستجيب لكلام أمه هي أولى، وإلا على أقل تقدير يعجل في صلاته يعجل يمشيها حتى يلحق بأمه، كان أقل تقدير، وإلا قطعها أصلاً، فإن طاعة الوالدين مقدمة على نوافل العبادات من الصلوات. فحينها تمالكها الغضب، تمالكها الغضب، تظن أن ابنها بلغ به أنه ما يبالي بها ولا عرف قدرها، فما كان من أمرها إلا أن رفعت يديها إلى السماء قائلة وداعية على ابنها: «اللهم إن هذا جريج وإني كلمته فأبى أن يكلمني، اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات»، اللهم لا تمت حتى ينظر إلى وجوه المومسات، المومسات بمعنى الزواني البغايا العاهرات الفاجرات، هؤلاء هن المومسات. دعت عليه أنه لا تقض روحه ولا يموت من هذه الدنيا حتى ينظر إلى أمثال هؤلاء من الغواني والبغايا، اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات، فذهبت أخرجت ما في قلبها عن طريق دعائها بربها على ابنها، فذهبت. قال عليه الصلاة والسلام: «فتذاكر بنو إسرائيل جريجًا وعبادته»، بنو إسرائيل أين هم؟ هم في مكان بعيد، لأن جريج رحمه الله تعالى عليه ابتعد عنهم، ابتعد في مكان بعيد، منأً بعيد عنهم، اعتزل الناس، وهم بنو إسرائيل في بلادهم يذكرون الرجل، فتذاكروا جريجًا وعبادته، على ما يذكرونه، قيل مدحًا وإعجابًا بتعبده، وقيل خبثًا وطعنا فيه. وعلى القول الثاني دلالة على أن أهل الباطل ما يرتاحون أبدًا لأهل الحق، ما يرتاحون أبدًا، لربما تجد أن قلوبهم ملئت بالبغض والكراهية، بل ربما بدس الدسائس على الإنقضاض على أولياء الله، قد حكى ذلك ربنا كثيرًا في كتابه سبحانه وتعالى. قال ربنا عن أهل الكفر: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، معنهم في أمتهم مع شعوبهم، ونحن في منأً عنهم، ومع ذلك قد ملئت قلوبهم البغضاء والحنق، ما يرضون عنا حتى نكفر، حتى نكفر بالله سبحانه وتعالى. حتى قال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: «ودت الزانية لو أن النساء زنين»، الزانية الفاجرة لو عرفت ما في نفسها تريد أن الناس كلهم على مثلها على الزنا، ما تريد العفيفة تبقى في المجتمع، تريد الناس كلها على البغاء، وهكذا هم أهل الشر إخواني في الله، أهل الشر ما يرضون أبدًا عن أهل الصلاح. بل ربما إذا استشرى الفساد في مجتمع من المجتمعات يكون الصالح تهمة، تهمة، تخيل ليس فقط أن يعجب، تهمة، كيف تكون صالحًا؟ قال ربنا عز وجل عن قوم لوط: «أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون»، سبحان الله، هذه جريمتهم، الجريمة المعروف أن الجريمة هي جرم عظيم يقترف، لكن كون شخص يتطهر يريد أن يكون من المطهرين من المتعففين، هذه تهمة عندكم؟ قال: نعم تهمة، يخرج هذا، أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون. من هنا يعرف إخواني في الله أن أهل الصلاح أنهم هم معرضون لسقط المجتمع، وخاصة متى ما كان مجتمعًا على غاية من الفساد، فإنهم سيكون عرضة للطعن والقدح والسلب والغمز واللمز فيهم، وهكذا يا عبد الله تجد أن بعض الناس ما يتفكه إلا بأعراض الصالحين، ما يتفكه، تجد بعض الناس ربما المجتمع يعج يعج بالمحششين والمخدرين والعلمانيين والكفر والمعاندين والسباب لله والرسول، يترك هؤلاء كلهم ثم يمسك هذا الداعية يحذر منه، عليكم بهذا، فعله وتركه، ما رأيت في المجتمع إلا هذا الرجل. من مجتمعات الخراب والفساد من أهل الكفر والإلحاد إلا هذا، لكنها آية، هذا آية جعله الله في أصحاب أمراض القلوب ممن تكدرت في طرهم، أنه ما يرى إلا أهل الصلاح، وقع في زلة، في هفوة، ينسى كل هذا البلاء، يمسك هذا، لربما كرس محاضرات وكلمات في حقه، آه، هذه آية، أمر جعله الله عز وجل في أهل من اضطربت فطرته. فقال عليه الصلاة والسلام: «فتذاكروا جريجًا وعبادته، فجاءت امرأة يتشبه بحسنها»، سبحان الله، يتناقشون فيما بينهم، من الذي؟ امرأة، امرأة فاجرة، سمعتهم يتحدثون عن جريج وعن عبادته، فقالت: «أنا أفتنكم إياه»، وأن سيذهب عني، ومن هذه المرأة؟ هل هي أي امرأة؟ لا، بل امرأة زانية، بمعنى عندها خبرة في إغواء الرجال، وليس هذا فحسب. قال نبينا: «يتشبه بحسنها»، معنى يتشبه بحسنها، أي أنها كانت في غاية من الجمال، يضرب بها المثل، يضرب بها المثل في المجتمع بجمالها وبها وحسنها، تخيل إلى عظم البلاء، امرأة زانية حسناء، قالت: «أنا أفتلكم إياه»، ما عليكم. وهنا وقف إخواني في الله في بيان كيف أن هؤلاء هم أهل باطل، لكن انظر كيف التبافر، كيف التعاون بينهم فيما بينهم في سبيل إسقاط رجل صالح، يتعاونون، لربما بأموالهم، بأنفسهم، بكلماتهم، بأقلامهم، باجتماعاتهم، بأعراض، والمهم يتفقون على إسقاط أهل الصلاح. إذا كان هذا إخواني في الله في حق أهل الباطل، فما ظنك بأهل الحق؟ كان الأولى والأجدر والأحرى إخواني في الله بأهل الحق أن يتعاون لكم بيننا تعاون على نصرة هذا الدين. قال ربنا عز وجل في حق موسى مع هارون: «أن موسى دعا ربه عز وجل في أن يجعل لهم من يعينه على طريق الدعوة، واجعل لي وزيرًا من أهلي هارون أخي، أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرًا ونذكرك كثيرًا»، الشخص يحتاج لمن يعينه في طريق الدعوة إلى الله عز وجل، ما تكتمل الدعوة إخواني في الله برجل واحد. لابد من تضافر الجهود، الثاني والثلاثة والأربع والخمس والست، يتكالب المجتمع، إذا كان أهل الباطل إخواني في الله يتضافرون، أخبرت فيما أخبرت أن بعض البلدان الكافرة كانت هناك أحد الكنائس على وشك الإفلاس، كنيسة، فإذا ببعض المواقع أنزل لفتة مهمة وعاجلة ورسالة لكل من يهمه الأمر من أصحاب الكنائس من الأرثوذكس وغيرهم على أن الكنيسة الفلانية آيلة للانهيار، نريد الأموال وتبرعات. فجاء فيها خبر هذه المجلة أنه خلال يوم جمعت لها ملايين الدولارات، أهل الباطل ينفقون، ينفقون أكثر، على باطل، لكن أهل الحق لقِلتهم، عندنا مسجد يحتاج إلى ترميم، عندنا أمر فلان يحتاج إلى كفالة، عندنا، تجد القليل من ينفق، وإذا أنفق اليوم، لو ربما منع عليك سنة كاملة. أنا أعطيت وبذلت، أنا أعطيت وبذلت، لكن انظر لأهل الباطل هؤلاء، فلهذا إخواني في الله، فالشخص يكون في هذا الباب معوانًا على الخير، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. ربنا عز وجل في قصة ياسين أو في سورة ياسين ذكر كيف أن ربنا أرسل الرسل تترى، أرسلنا إياهم اثنين، فكذبوهما، فعززنا بثالث، عززنا بمعنى قوينا، بمعنى شددنا، شددنا أزري بثالث، وهكذا الدعوة تحتاج من يعين، ذاك بماله، ذاك بلسانه، ذاك بوجاهته، ذاك بمعرفته، ذاك كذلك في إقامة عمارة بيوت الله عز وجل، ذاك بدرس عام، ذاك بدرس خاص، ذاك بحلقات الأطفال، ذاك بخروج دعوي، ذاك. هكذا يا إخواني، البذل والعطاء، التفنن في نصرة دين الله عز وجل، فإذا كانت هذه امرأة غبية، امرأة بغي، ومع ذلك عرضت عرضها للدناسة وللدياثة، لا لشيء إلا في سبيل إسقاط هذا العبد الصالح. وسأت إن شاء الله في درسي غد بإذن الله تكملة لهذا الحديث العظيم، والذي فيه الكثير والكثير من المسائل، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.