أشراط الساعة وقصة ذي القرنين 1

أشراط الساعة وقصة ذي القرنين 1

الدرس في أشراط الساعة وقصة ذي القرنين 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

منزلة الكلام عن أشراط الساعة

يبدأ الحديث بالتأكيد على أهمية دراسة أشراط الساعة في الإسلام، مشيرًا إلى حديث جبريل عليه السلام مع النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الباب من أصول الدين وقد أولاه العلماء اهتمامًا كبيرًا.

أهمية ومعنى أشراط الساعة

يتناول أهمية معرفة أشراط الساعة ودلالتها على رحمة الله تعالى بعباده وتنبيههم للاستعداد بالتوبة والعمل الصالح. كما يبين أن العلماء ذكروا فوائد جمة في حق المتتبع لأشراط الساعة.

فوائد الإيمان ومعرفته بأشراط الساعة

الإيمان بأشراط الساعة يحقق الإيمان باليوم الآخر ويزيد الإيمان ويعزز التصديق بنبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام. كما أن معرفتها تعين على التصرف الصحيح عند وقوعها واستنباط الأحكام الشرعية منها.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كما أعلن إخواني في الله وقرر في مثل هذه الأوقات وخلال هذه الأيام، سنتدارس وإياكم شيئًا مما يتعلق بأشراط الساعة، وعن قصة ذي القرنين. ومما نبتدئ به إخواني في الله في ذكر أهم المباحث التي ينبغي أن نوطئ لها في كلامنا عن هذه الدروس. أول ما أبتدئ به إخواني في الله أولاً أن نتعرف على منزلة الكلام عن أشراط الساعة في ميزان الإسلام. لا تظن يا عبد الله أن الحديث عن أشراط الساعة يعد من ملحي العلم أو أنه من المسائل الجانبية التي يمكن للإنسان أن يتجاوزها أو أنه لا يلتفت إليها أو أنه يشيب في الإسلام ولا يكرس وقتًا في النظر إليها. بل إن الحديث عن أشراط الساعة ينبغي أن يعد علمًا من العلوم التي ينبغي أن يقطع الإنسان من وقته الشيء الكثير لدراسته والتفقه فيه. بل هو من أصول ديننا، ومما يدلل به على ذلك ما جاء في حديث جبريل عليه السلام حين تمثل على هيئة رجل، فجلس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشهير. فحينها سأل عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان، وسأله أيضًا عن الساعة وسأله عن أماراتها. حينها عندما انتهى المجلس، قال عليه الصلاة والسلام: «أتدرون من هذا؟ هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم». أشير إلى كلمتين ذكرها نبينا صلى الله عليه وسلم: «يعلمكم دينكم». فذكر نبينا صلى الله عليه وسلم أن من المسائل التي أراد جبريل أن يعلمنا إياها هذا الباب: أشراط الساعة. وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أن هذه المسائل هي من ديننا؟ حينها يا عبد الله ستستشعر بعظيم هذا الباب، وأن المسلم ما ينبغي أن يفرط فيه. ومن هنا درج العلماء قديمًا وحديثًا على التأليف وعلى التصنيف في هذا الباب، بل وعلى عقد المجالس العلمية. يقول إمام السفاريني رحمه الله تعالى: «ومما ينبغي لكل عالم أن يبين أحاديث الدجال للأولاد والنساء والرجال، ولا سيما في زماننا هذا الذي شرأبت فيه الفتن وكثرت فيه المحن واندرست فيه معالم السنن». انتهى كلامه رحمه الله. قال: إنه مما ينبغي على العالم ليس فقط العناية بالعلوم الشرعية، ولا يعتني بهذا العلم. لا ينبغي على العالم أن يعتني بتعليم خاصة الناس: الأولاد والنساء والرجال، الكل على حد سواء، أحاديث الدجال، إشارة إلى أشراط الساعة. وعلل ذلك أن الحاجة ماسة في أزمانهم، إذ عمت الفتن وكثرت المحن واندرست فيها السنن. إذا كان هذا يحكيه عن زمنه، فما ظنكم بأزماننا؟ فلا شك أن الحاجة ماسة أكثر وأكثر من ذي قبل. المبحث الثاني: بعد أن دللنا على أهمية الكلام عن أشراط الساعة في ميزان الإسلام، ننتقل إلى ما معنى أشراط الساعة. كلمة أشراط: قال العلماء هي جمع لكلمة شرط. وشرط في اللغة العربية بمعنى العلامة والأمارة. وأما الساعة: فيأتي في اللغة العربية بمعنى الجزء من الليل أو النهار، جزء من ليل أو نهار، يطلق عليه ساعة. وأريدك أن تأتي عندي ساعة، أي وقت، جزء قد يكون ليلًا قد يكون نهارًا. ومن إطلاق الساعة في شرعنا: أنه يطلق على يوم القيامة: «اقتربت الساعة وانشق القمر»، اقتربت الساعة أي اقتربت القيامة. وسميت القيامة بالساعة لأن الساعة هي الوقت الذي تقوم فيه القيامة. إذن هذا معنى الساعة. فإذا جمعنا بين المصطلحين: بين أشراط الساعة، سيكون معنى العلامات والأمارات التي تدل على قرب قيام الساعة. كما قال ربنا سبحانه وتعالى: «فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها»، أي علاماتها، وما فيه الإشارة إلى قربها. إذن هذا معنى أشراط الساعة. فحديثنا في هذه المجالس إخواني في الله سنستهله بذكر أهم هذه الأشراط من الأعلامات والأمارات. من المباحث المهمة إخواني في الله: وهو التطرق إلى مسألة لها علاقة بأشراط الساعة، ألا وهي ما يتعلق بوقت الساعة، بوقت القيامة. إن من حكمة الله جل في علا: أن الله سبحانه وتعالى غيب وأخفى علم الساعة عن الخلائق، فلا يعلم بها لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. وعلى هذه الأدلة المتكاثرة من الكتاب والسنة، قال ربنا جل في علاه: «يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي». كان الكفار يتساءلون تهكمًا: متى الساعة؟ متى الساعة؟ قال: «إنما علمها عند ربي». قال الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: «إنما آدات حصر»، قل إنما علمها عند ربي، قال: «فلا يعلم بها إلا الله وحده». وأيضًا في قوله سبحانه وتعالى: «إليه يرد علم الساعة». هذا مما يستدل به على أن الله عز وجل أخفى علمها عن الخلائق. وفي هذه الآية قال العلماء: فيه تقديم ما حقه التأخير، تقدير الآية: علم الساعة يرد إليه، لكن هنا: «إليه يرد علم الساعة». فقال علماء التقديم: أي الجار والمجرور أفاد الاختصاص والحصر، بمعنى أن علم الساعة يرد إلى الله لا يرد إلى غيره. وهكذا في قوله تعالى: «يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيما أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها». والأدلة كثيرة على هذا المنوال. ومنها ما صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام حين سأله جبريل عن الساعة، قال: «من مسؤول عنها بأعلى من السائل، لا أنا ولا أنت، له علم بوقتها وبماذا ببدايتها، فالله أعلم بها جل في علا». هنا تأتي مسألة وهي المبحث الرابع، تتفرع من هذه المسألة: وهو ما يتعلق بفناء الأرض، أو قل التقريب في تحديد قيام الساعة. مما يشكل علينا في هذا المقام إخواني في الله. بعد التأصيل والتأكيد على أن علم الساعة من علم الغيب لا يعلم به إلا الله عز وجل. لكن وجد طوائف من الناس، ومنهم من ينتسب إلى العلم والفضل، دخلوا في هذا المضمار، وأرادوا أن يقربوا في تحديد قيام الساعة، وفي تحديد فناء الأرض. لأن فناء الأرض بمعنى قيام الساعة. وهؤلاء الذين دخلوا في هذا المضمار ليس بمحض تخرص، إنما كانت عندهم قراءات وجدوها تسعفهم في أن يدخلوا في هذا المجال، فيحددوا لنا وقتًا. ومن أشهر الطرق التي اتخذت في هذا المجال عند أهل هذه الطوائف: أشير إلى طريقتين. الطريق الأولى: من اعتمد على بعض الأحاديث، كحديث: «أن مقدار الدنيا سبعة آلاف عام، ونحن في الألف السابعة». هكذا قال عليه الصلاة والسلام: «أن مقدار الدنيا سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة». هذا الحديث مثلًا عول عليه الإمام السيوطي رحمه الله تعالى، فألف رسالة سماها «الكشف»، وبناها على أن هذه الأرض ستفنى، وتحديدًا على رأس الخمسمائة بعد الألف الهجري. نحن كم الآن هجريًا؟ إخواني في الله ألف وأربعمائة وستة وأربعين، كم باقي من ألف وخمسمائة؟ أربعة وخمسين سنة، على تخمين السيوطي رحمه الله تعالى، والذي بنى هذه المسألة على هذا الحديث. إذن باقي هذه الفترة أربعة وخمسين سنة ستفنى الأرض؛ لأنه حددها على رأس الخمسمائة بعد الألف، أي عام ألف وخمسمائة من الهجر النبوية ستفنى الأرض. السيوطي رحمه الله بنى هذا القول على هذا الحديث. العلماء انتقدوه، انتقدوه أولًا في بيان أن هذا الحديث الذي استدل به لا يصح البتة، فهو مكذوب مردود باطل. وممن أشار إلى بطلانه الإمام ابن القيم رحمه الله، وقال: «وهذا كذب». وهكذا الإمام السخاوي رحمه الله في كتابه «المقاصد الحسنة»، قال رحمه الله: «كل ما ورد فيه تحديد لوقت يوم القيامة على التعيين، فإما أن يكون لا أصل له أو لا يثبت إسناده». ومما يستدل به على هؤلاء: أن طبعًا السيوطي فقط الموذج، وإلا هناك قبله نعم هناك قبله لا أذكرهم في هذا المقام، خاضوا وحددوا. فإذا بأوقاتهم جاءت وذهبت، والدنيا هي هي، ما هناك شيء تغير. ما هناك شيء تغير. هذا فيه رد عليهم. بل حتى سيوطي رحمه الله على هذا التحديد القريب، أين الساعة؟ وأين هي الأشراط؟ أين أشراطها؟ بل أشراط الساعة الصغرى ما ظهرت، مجموعة كثيرة منها ما ظهر إلى الآن، ناهيك عن الكبرى. والآن باقي السنوات قليلة، ستقوم الساعة، هذا بعيد. فالواقع يخالف ما قام بتحديده. بل أيضًا أن هذا فيه نوع دعوة من عدم الجمع بين ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله من أن علم الساعة أمر غيبي محض. فكيف نأتي بمثل هذه الأحاديث الضعيفة، ثم نعول عليها في مثل هذه المسألة المناهضة لهذا الأصل العظيم؟ إذن هذه طائفة، وإن كانوا من أهل العلم والفضل، لكن زلت أقدامهم عندما تمسكوا ببعض الأحاديث، وليس فيها متمسك. وطائفة ثانية: أخذوا في تعيين حساب الساعة والقيامة، وفي فناء الأرض، اتخذوا طريقة أخرى، وهي طريقة الحساب. لهم طريقة معينة يعرفها بعض الناس، وهي طريقة حساب الجمل، أو ما يسمى «أبجدهوز». عبارة عن طريقة عربية معروفة، أن أهل اللغة جعلوا لكل حرف من حروف اللغة العربية قيمة عددية ثابتة لا تتغير. جمعوا هذه الأحرف على كلمات: «أبجد هوز حطي كلم» إلى آخره. ترجع تبدأ «أبجد»: الألف واحد، والباء اثنين، والجيم ثلاثة، والدال أربعة، هذه قيمة عددية ثابتة عندهم. «أبجد هوز»: الها خمسة، والواو ستة، والزاي سبعة. «حطي»: الحا سبعة، والطا ثمانية، واليا تسعة. «حطي» أو عشرة، ثم هنا إذا انتهت مئة، تنتقل إلى العشرة. «كلم»: الكاف عشرين، واللام ثلاثين، والميم أربعين، والنون خمسين، وهكذا. حساب الجمل يستخدمه العلماء كثيرًا، وخاصة من قرأ المنظومات، إذا أرادوا أن يؤرخوا في وفاة شخص، يأتون بجملة أو بكلمة، هذه الكلمة إذا حللت على هذا التحليل الذي سمعته الآن، هذا حرف كذا ستين، وهذا الحرف خمسين، يعطيك التاريخ، تاريخ الوفاة، حساب جُملي يسمى حساب «أبجد هوز». ما الشاهد من هذا الحساب؟ أنه من البعض الأفاضل اتخذ من هذه الطريقة وسيلة لأن يعرف متى تفنى الأرض ومتى تقرب الساعة. مثل ما فعل ذلك الإمام السهيلي رحمه الله، إذ به يأتي إلى الأحرف المقطعة في القرآن، الأحرف المقطعة: «صاد حم»، «ال حم»، «حاميم»، جمع هذه الأحرف المقطعة، ثم حذف المكرر، وأبقى الغير مكرر، ثم بطريقة ما خرج لنا بتاريخ، قال: هذا التاريخ بهذا الحساب فيه إشارة إلى أنه ماذا؟ إلى قيام الساعة. لكن هذا التاريخ الذي ذكره السهيلي قد مضى قديمًا، والساعة ما قامت. ومثل ذلك أيضًا بعض المعاصرين، رجل بهائي اتخذ نفس الطريقة: حساب الجمل، وخلص إلى أن الساعة ستقوم في عام ألف وسبعمائة، وما أدري كما أذكر الآن. لكن ألف وسبعمائة ستقوم الساعة، الآن نحن في عام ألفين وما قامت الساعة. فالشاهد: أن هذه طريقة عند بعض الناس ممن أراد أن يعين قرب الساعة بهذه الطرق، إما بعضهم استدلالًا لبعض الأحاديث الضعيفة التي لا تثبت، ومنهم من عن طريق الحساب. وهذا كذلك، وكل الطرق قد أثبتت فشلها. ونبقى على الأصل، على القاعدة المحكمة، وهو عدم الانشغال بتحديد وتعيين ما يسمى بفناء الأرض، أو بمقاربة متى نتصور قرب الساعة. هذا أمر ليس لنا، وإنما هذا أمر لله: «إليه يرد علم الساعة». المبحث الخامس إخواني في الله: مما أذكره في هذا المقام، أهمية هذا المبحث، ما هي الفوائد التي يجدها المسلم والمسلمة من خلال معرفتهم بأشراط الساعة؟ لأن كما أشرنا في بداية الدرس: من الناس من ربما يمسك هذا العلم بطرف أصابعه، ويجعله علمًا إضافيًا، إن تحصل عليه فذاك، وإن فاته فذاك. والأمر ليس كذلكم. العلماء ذكروا فوائد جمة في حق المتتبع لأشراط الساعة من مصادرها. ومن أعظم ما يذكرون في هذا المقام: وأذكرها هنا بالاختصار، من هذه الفوائد إخواني في الله. فيه بيان لعظيم سعة رحمة الرحمن جل في علاه، تجلت رحمة الله لعباده أن ذكر لنا شيئًا من أشراط الساعة، وذكرنا ما هي أشراط الساعة؟ هي مقدمات، ويكأن الله عز وجل ما أراد من العباد أن يتفاجأوا على حين غرة، بل مهد لهم بأشراط الساعة. هذه الأشراط تنبيه لكم على قرب قيام الساعة. ففيه مدى رحمة الله بخلقه. ثانيًا: في أشراط الساعة تهيئ للناس بالاستعداد بالتوبة والعمل الصالح والتقرب إلى الله؛ لأن الإنسان متى ما لاحت له أمارة من أمارات الساعة، علم أن الساعة بعدها ستأتي، فليزال يعمل ويعمل من الصالحات. وهذه من أعظم حكمة حكم أشراط الساعة. يقول حافظ بن حجر رحمه الله تعالى: «والحكمة في تقدم الأشراط أي أشراط الساعة تقدمت عن الساعة»، قال: «والحكمة في تقدم الأشراط إيقاظ الغافلين وحثهم على التوبة والاستعداد». ذكره في «فتح الباري». وقال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: «والحكمة في تقدم الأشراط ودلالة الناس عليها»، هذا فيه كذلك ملحظ قوي، دلالة من يدل الناس، أهل العلم، الدعاة يدلون الناس. فدل على أن الناس بحاجة إلى من يدلهم. فقال: «والحكمة في تقدم الأشراط ودلالة الناس عليها»، قال: «تنبيه الناس عن رقدتهم»، تنبيه الناس عن رقدتهم، وحثهم على الاحتياط لأنفسهم، تنبيه الناس عن رقدتهم، الرقدة الغفلة. قال: «وحثهم على الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة». ذكر هذا في كتابه «التذكرة». ومما يؤيد هذا المعنى: ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام، قال: «بادروا بالأعمال ستة»، قال عليه الصلاة والسلام: «بادروا بالأعمال ستة: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال»، الحديث، الحديث في مسلم في صحيحه. فقوله عليه الصلاة والسلام: «بادروا بالأعمال ستة»، ما معنى؟ معنى أي: بادروا، سارعوا إلى فعل الأعمال الصالحة قبل أن تأتي الأمارات الستة. وأشار نبينا إلى طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، إلى غيرها. فهذا الشاهد. فقال: «بادروا». ففيه أن من حكمة الله عز وجل من جعل أشراط الساعة: أن الناس يستعدون لها بالأعمال الصالحة. كذلكم ثالثًا: من فوائد وحكمة الشرع من تعلم أشراط الساعة: أن فيه تحقيق للإيمان باليوم الآخر. تحقيق للإيمان باليوم الآخر؛ لأن أشراط الساعة هي في الحقيقة مقدمات، أو قل إرهاصات، تهيئ الناس وتهيئ الأوضاع إلى حدوث الساعة. فالإيمان بها، فالإيمان بهذه الأشراط هو في الحقيقة إيمان وتحقيق للإيمان باليوم الآخر. فهذا مما يكون فيه التقوية لهذا الركن العظيم من أركان الإسلام، ومن أركان الإيمان. رابعًا: كذلك من حكمة أو من فوائد الإيمان بأشراط الساعة: فيه التفعيل للإيمان بالغيب. والإيمان بالغيب من أعظم صفات أهل الإيمان. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين «الذين يؤمنون بالغيب». أو الصفة ذكرها ربنا عن المتقين: الإيمان بالغيب. يظهر ذلك في أشراط الساعة، عندما تخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن من أشراط الساعة كذا، ما رأيت؟ تقول: «آمنت بما قال». ومن أشراط الساعة كذا؟ تقول: «وأنا كذلك مؤمن». وأجزم بما قال، مع أن الذي يذكر من أشراط الساعة لربما قد ما يوافق المعقول، وما يوافق الواقع. لكن أنت قد ربيت نفسك على ماذا؟ على الإيمان والتصديق والإذعان لخبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. فدل ذلك على إيمانك بالغيب، على إيمانك بالغيب. ولهذا قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: «ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وصح به النقل عنه، ما شاهدناه أو غاب عنا، ما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق». هذا هو الإيمان بالغيب. سواء شاهدنا أو غاب عنا، نعلم أن ما صح عن رسول الله حق وصدق، هذا هو الإيمان بالغيب. جاء في الصحيح من حديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه: أنه كان في زمن رسول الله في مجلس رسول الله عليه الصلاة والسلام. فبينما هم كذلك إذ جاءه رجل فشكى إليه الفاقة، ثم انصرف، ثم جاء آخر وشكى إليه قطع الطريق، وانصرف. ثم التفت نبينا صلى الله عليه وسلم إلى عدي، قال: «يا عدي أرأيت الحيرة؟» فقال عدي: «لا يا رسول الله، ولكني أنبئت عنها». فقال: «لئن طالت بك حياة لترى أن الضعينة أي المرأة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله وحده». وأين الحيرة؟ في العراق. قال عدي: «فقلت في نفسي فأين دعار طي؟ أين قطع الطرق؟» قال: «قلت هذا في نفسي». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «يا عدي لئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى». قلت: «يا رسول الله كسرى بن هرمز». قال: «كسرى بن هرمز». ثم قاله في الثالثة. «ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يريد من يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه». هذا الحديث، هذا الحديث بعد فترة وأمد طال العمر بعديد. علق على هذا الحديث، ماذا قال؟ قال: «ولقد رأيت الضعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت، وما تخاف أحدًا إلا الله». وعلق على الثاني، قال: «وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز». بقي الثالثة، قال: «هذا ما حضرها». لكن إيمانه، قال: «لمن في زمنه ولئن طالت بكم حياة أنتم الآن ولئن طالت بكم حياة لترون الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه». هذا الإيمان بالغيب. سواء شاهدت هذا أو لم تشاهد، تعلم أنه حق وصدق، ما عندك أدنى شك بهذا الاعتقاد، ترتفع درجاتك؛ لأنك يا عبد الله حين ستكون من المؤمنين بالغيب. وهذا من أعظم فوائد أشراط الساعة، والإيمان بها وبحقيقتها. كذلك مما يذكر خامسًا من فوائد أشراط الساعة: أن فيها إشارة إلى زيادة الإيمان، وخاصة متى ما عاين الحصول والوقوع، يزيد إيمانك. تسمع عن أمارة من أمارات الساعة، هذا عندك من إيمان من علم الغيب. لكن إذا تحققت أمامك، تقول: «سبحان الله سبحان الله»، هذا كما قال ربنا عز وجل: «وقالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا». عندما يقع الأمر كما أخبرك به نبيك عليه الصلاة والسلام، حينها يرتفع إيمانك. فدل على أن أشراط الساعة حين الوقوع، هذه مما تزيد في إيمان العباد. كذلكم سادسًا من فوائد أشراط الساعة إخواني في الله: أن فيها دلالة على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ إذ أن في أشراط الساعة علم من أعلام نبوته؛ إذ قال بأشياء في زمنه فتحققت بعد وقته. «وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى». هذا من أعظم معالم التصديق والإيمان بنبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام. من العجيب إخواني في الله: عند الكفار في شرق الدنيا وفي غربها، أنهم يعظمون أشخاصًا تعظيمًا كاد يصل إلى التقديس، بحجة ماذا؟ بحجة أن هؤلاء الأشخاص والأعيان تنبأوا بأشياء فتحققت. مثاله رجل اسمه «نوستر أداموس» شهير، هذا كان وفاته في عام ألف وخمسمائة وستة وستين، مشهور، شخصية يعني مبجلة عند الكفار عند الغربيين. لماذا التبجيل في حقه؟ قالوا: هذا نوستر ألف كتابًا والشفرات حاول فيها أنه يتنبأ بأشياء فإذا بها تتحقق. ولهذا عندهم يلقبون أنه أعظم منبئ في العالم، أعظم منبئ في العالم. بل أذكر كذلك قريبًا في الأحداث الأخيرة أقل من سنة، كيف أن الإعلام الغربي والقنوات الفضائية استضافوا ذاك الرجل المنجم، المنجم حين تنبأ ببعض الحروب فوقعت. إذ باللقاءات وتسليط الأضواء عليه، وكيف مع أن هذا الرجل لربما أتى بهذه التنبؤات لربما عن طريق الصدفة إن صح التعبير، أو عن طريق حسابات، أو عن طريق دجل، عن طريق الجان، توصل إلى هذه الحقائق. طب إذا كان هؤلاء عظموا من أمثال هؤلاء، فكيف تقولون برسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي أخبر في وقته عن حصول أشياء فوقعت رأي العين؟ هل يدل هذا على صدق نبوته وعلى صدق رسالته عليه الصلاة والسلام؟ الجواب: بلى. لكن التعنت، يأتون إلى أناس من أقوامهم ينبئ ببعض الأمور فيقدسونه، بينما يعلمون أن النبي تنبأ بالوحي بأشياء أكبر وأكثر وأعظم، ومع ذلك لا زال ماذا؟ في طعن فيه وفي رسالته عليه الصلاة والسلام. كذلكم سابعًا من الفوائد الذي يجنيها المسلم من أشراط الساعة: فيه إشباع للرغبة الفطرية، الفطرية الرغبة الإنسانية. يذكر العلماء من أرباب السلوك والتربية: أن من طبيعة الإنسان أنه يحب المجهول، يحب المجهول. ينظر إلى المفقود، يبحث عن ما وراء الزمن، يتطلع لهذا. وهذا ليس عند بل عند الناس بأسرهم، مسلمهم وكافرهم. والكفار أشد. تجد أن الكفار يتعلقون بما يسمى بمعرفة التنجيم. ولهذا يلجأون إلى الكهانين وإلى العرافين. حتى بلغني عن أناس لهم قنوات خاصة، قنوات فضائية في قراءة الكف. ويأتيك الحمقى والمغفلين على مستوى العالم، كل واحد يحاول أن يعرض كفه على هذا العريف أو على العراف. هذه كفه، فإذا بهذا العراف يتنبأ بمستقبل هذا: أنك تذهب يمين أو تذهب يسار. بل أن من كبار الرؤساء على مستوى الرؤساء والزعماء في الدول الكبرى، ما من أحد إلا ويتكئ على كاهن. لماذا الكاهن يستعين به؟ إيش ترى؟ أين سنمشي؟ كيف أوضاعنا؟ يستأنس. فتجد أن الإنسان عنده تطلع للغيبيات، للمستقبل. حتى الواحد منا لربما لو أنه له شيء من الله عز وجل لأراد أن الله يطلعه على بعد عشرين سنة بس: يا رب عشرين سنة كيف سأكون؟ حالي تاجر ولا فقير، متزوج ولا أعزب، حي ولا ميت. يأتيك شيء. الشاهد: قال العلماء في أشراط الساعة: في التخفيف، ولعة الإنسان بالتطلع. الإنسان يتطلع ماذا سيكون في المستقبل؟ هنا تأتي أشراط الساعة تخفف من لوعتنا. أشراط ما في المستقبل سيقع هذا وسيقع هذا وسيقع هذا. ليس إجمالًا بل تفصيلًا، سيأتي معنا في أشراط الساعة تحديد الزمان، وتحديد المكان، وتحديد الحوادث، وتحديد الأشخاص والأعيان، ما رأي العين أمامك. ويكأن الشرع أراد ماذا؟ أن يخفف من ولعة المسلم في التطلع، فأبان شيئًا من أشراط الساعة حتى يذهب عنا هذا التطلع. كذلكم ثامنًا مما يذكر من فوائد أشراط الساعة إخواني في الله: أن فيها، وهذا من عظيم فوائدها، كيفية التصرف. أنت لا تظن أن أشراط الساعة حقها هي معرفة تتعرف، تبقى كمعلومات عامة، أو ما يعبر عنه معلومات ثقافية. هذا ليس القصد، وإنما الغرض من ذلكم كيف تتصرف إذا وقعت؟ كيف تتصرف إذا وقعت؟ فتجد أن أشراط الساعة تكون كثيرًا مصاحبة بما ينبغي أن يعمل معها. وهذا من الحكم العظيم في تدريسنا لأشراط الساعة. مثاله: ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن من أشراط الساعة أن نهر الفرات ينحسر عن جبل من ذهب. هذا في الصحيحين. جبل الفرات، نهر الفرات ينحسر عن جبل من ذهب. طيب هذه الأمارة، ما موقفنا منها؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فمن أدركه فلا يأخذ منه شيئًا». جاء التنبيه الآن. علمنا نبينا كيف نتصرف مع هذه الأمارة: لا نأخذ من هذا الجبل الذهبي شيء. لماذا؟ جاء في صحيح مسلم: على أن مقتلة عظيمة ستحصل عند هذا الجبل الذهبي. فقال عليه الصلاة والسلام: «يقتل من كل مئة تسعة وتسعون». أي تأتي جماعات مئة شخص يدخلون على هذا الجبل. من الذي ينجو منهم؟ واحد. وأين البقية؟ ضحايا قتلوا، ذاك يطعن آخر بالآل، وذاك بالسكين، وذاك بالخنجر، وذاك بالسيف. جماء. لهذا انظر، فهذه الأمارة ماذا استفد منها؟ ليس فقط أمارة معرفة، بل كيفية التصرف معها. مثال آخر: وبهذا نعلم أن سوء التصرف مع هذه الأمارات سيضرنا، يضرنا إذا لم نتفقه ونتعلم من هذه الأمارات. في قوله عليه الصلاة والسلام: «أتركوا الترك ما تركوكم». أتركوا الترك ما تركوكم. أتركوا الترك. الترك شعب، شعب. أتركوه ما دام هم ما آذون، فلا نؤذيهم. ومن الترك؟ هل بمعنى أنهم الأتراك؟ لا. الترك بمعنى التتر، التتر يدخل فيهم المغول، وهذه النواحي العصرية: الصين وما شابه، هذه العيون الصغيرة، هؤلاء الترك، هؤلاء التتر، هؤلاء كيف أتعامل معهم؟ «أتركوهم ما تركونا». تأمل يا عبد الله إلى سوء التصرف في هذه الأمارة. ذكر العلماء: كابن كثير في «البداية والنهاية»، على أن جنكيز خان ووزعيم التتر في الزمن أرسل وفدًا، قافلة من التجار إلى أن يدخل إلى بلاد خوارزم شاه. خوارزم شاه هذا ملك مسلم، وكان جار لجنكيز خان في بلده، بلدًا مجاور بلدًا، وكان بينهم صداقة مجورة. فلما دخل التجار هؤلاء إلى بلاد خوارزم شاه، ودخلوا في أطراف البلاد، هذه نائب خوارزم شاه غشيم ظلوم، قام وقتل التجار، واستولى على البضاعة والتجارة والأموال. بلغ جنكيز خان الخبر، أرسل رسولًا إلى خوارزم شاه يستفهم منه ما الذي صار؟ وأخبره: إن كان فعل نائبك، إن كان منك بأمر منك، ارجع القتلى واعطينا الديا في ملتكم، اعطينا، ارجعها. وإن كنت لا لم تأذن ولم ترضى ولم تأمر بقتل التجار هؤلاء، وإنما هذا تصرف فردي شخصي من نائبك، فدعنا نقتص منه، دعنا نقتص منه. ماذا فعل خوارزم شاه هذا؟ ما كان رده إلا أن قتل الرسول، قتل رسول جنكيز خان. علق ابن كثير رحمه الله تعالى على هذا السلوك الأعوج، قال: «وهذا سوء تدبير». سوء تدبير. ثم أشار إلى أن هذا الملك خوارزم شاه كان قد خرف وكبر سنه، خرف وكبر سنه. إذن كيف يجعل ملك ويتصرف هذه الأمور العظيمة؟ حينها جنكيز خان جهز جيشه، جيش تحرك، فأخذ بلدة خوارزم شاه، والتي بعدها، والتي بعدها، والتي بعدها. أتدري أن جنكيز خان يعتبر أكبر ملك من ملوك الدنيا الذي احتل الأرض، احتل ثلثي الأرض. ثلثي الأرض: روسيا والهند والصين، وشطر من أوروبا. ودخل الدول العربية، دخل إلى أرض العراق، ودخل إلى أرض الشام، لكن ما دخل لا إلى الحجاز ولا إلى مصر، وقف هنا. دخل العراق فقتل فيها، أتدري كم؟ اثنين مليون مسلم، اثنين مليون مسلم. والمآسي ذكرها ابن كثير، وكثير من المؤرخين في تاريخ الأمم والشعوب. السؤال: ما الذي أوصل العالم الإسلام إلى هذه المآسي؟ سوء تصرف. قال عليه الصلاة: «أتركوا الترك ما تركوكم». بما أن هؤلاء تركونا، تركهم كما يقال، لا نتحرش بهم، لا نتحرش بهم. لكن متى نعلم؟ إذا درسنا، إذا تعلمنا ما يتعلق بأشراط الساعة، نعلم أن هذا أمر نبوي، أمر نبوي. فمن أحسن فيه التصرف رجع عليه وعلى نفسه وأهله. ومثال ذلك: ما وقع لعثمان رضي الله تعالى عنه عندما قام عليه الثوار وحاصروا في بيته. وكان أول مطلب: أن يخرج، أن ينزع نفسه، أن يخلع نفسه من الخلافة، أبى. لماذا أبى؟ هل حبًا للكرسي مستميت على العرش؟ حاشاً وكلًا من عثمان. أن يفعل ذلك، لكنها وصية النبي عليه الصلاة والسلام، إذ تنبأ بوحي، قال: «يا عثمان إن الله سيقمصك قميصًا، فإن أراد المنافقون أن يخلعوه منك فلا تخلعه». لا تخلعه. استمسك عثمان بهذه الوصية إلى أن قتل شهيدًا مظلومًا رضي الله تعالى عنه. فهذا وأشياء كثيرة جدًا من درس أشراط الساعة، يعلم أن ماذا يستفاد من خلالها؟ ما يكون من فوائد في كيفية التصرف معها. أذى بعد الأذى. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد. ثامنًا مما يستكمل به فوائد معرفة أشراط الساعة: ما يكون من الاستنباط من الأحكام الشرعية. صحيح أن أشراط الساعة تتحدث عن هذه المدة الزمانية المستقبلية، إلا أن العلماء استفادوا فوائد تعود عليهم في عباداتهم وطاعاتهم. مثاله: ما جاء في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الدجال يمكث في الأرض مدة أربعين