أشراط الساعة وقصة ذي القرنين 2

أشراط الساعة وقصة ذي القرنين 2

الدرس في أشراط الساعة وقصة ذي القرنين 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أقسام أشراط الساعة والفروق بين العلامات

يناقش الدرس أقسام أشراط الساعة ويفصل بين العلامات الكبرى والصغرى، مع توضيح أقسام العلامات الصغرى. يبين أن العلامات الصغرى تنقسم إلى ما مضى وما يقع وما لم يقع بعد.

العلامات الكبرى للساعة وترتيبها

يتناول الدرس العلامات الكبرى للساعة وعددها، ويحاول ترتيبها بناءً على الأحاديث النبوية واجتهادات العلماء، ويبدأ الحديث عن أولى هذه العلامات وهي آية الدخان.

خروج الدابة وصفاتها كإحدى العلامات الكبرى

يتناول الدرس خروج الدابة كعلامة من علامات الساعة الكبرى مستندًا إلى القرآن والسنة، ويوضح اختلاف العلماء في تحديد مكان خروجها وصفاتها.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن مقدمة تتعلق بأشراط الساعة، فيما يتعلق بمكانة هذا العلم في ميزان الشرع، ثم أشرنا إلى عدة مسائل من ذلكم، ما يتعلق بأهمية هذا المبحث، وما يتعلق بوقت الساعة، وما يتعلق بعمر الدنيا، ثم الخاتمة ببعض التنبيهات التي ينبغي أن يتصف بها كل مسلم ومسلمة حين خوضه في تعلم أشراط الساعة. ولازلنا كذلك في هذا المقام في ذكر أهم المسائل التي ينبغي أن نمهد لها. ومن هذه المسائل المهمة المتعلقة بأشراط الساعة مسألة: ما هي أقسامها؟ قسم العلماء أشراط الساعة إلى قسمين اثنين: إلى علامات كبرى، وإلى علامات صغرى. أما علامات الساعة الكبرى، فقد جاءت مجموعة في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله تعالى عنه، قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر، فقال: «ما تذاكرون؟» قالوا: «نذكر الساعة». وفي هذا تأكيد وتأييد لما ذكرنا أن التفقه في أشراط الساعة من العلوم الشرعية، فهاهم الصحابة يتذاكرون فيما بينهم، فقالوا: «يا رسول الله، نتذاكر الساعة». فقال عليه الصلاة والسلام: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات»، فذكر عليه الصلاة والسلام الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ونار تخرج من أرض اليمن. هذه عدتها عشرة، وهي التي يسميها العلماء بأشراط الساعة الكبرى. إذا استطعت يا عبد الله أن تحصر هذه العلامات، إذن ما دونها يعد من أشراط الساعة الصغرى. إذن، عن طريق التعداد تميز بين الصغرى والكبرى. الكبرى هي عشر آيات تحفظ، وما عداها تعد من أشراط الساعة الصغرى. ومما يذكر كذلك في هذا الباب أن العلامات الصغرى تنقسم في نفسها إلى ثلاثة أقسام: قسم مضى وانقضى، وقسم وقع ولا يزال يقع، وقسم لم يقع. هذه قسمة أشراط الساعة الصغرى على ثلاثة أقسام. قسم مضى وانقضى، من ذلكم بعثته عليه الصلاة والسلام، فهي من أشراط الساعة، كما قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين». بعثت أنا والساعة، فبعثته عليه الصلاة والسلام دلالة على قرب الساعة، وهكذا من تلكم الأمارات التي ظهرت انشقاق القمر، «اقتربت الساعة وانشق القمر». وقد انشق ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام، حتى قال نبينا لأهل قريش: «اشهدوا، اشهدوا». لما كانت هذه الآية جلية واضحة. وهكذا أمارات لست في صدد ذكرها وتعدادها، هي ظهرت. هذا القسم الأول. والقسم الثاني من أشراط الساعة منها ما وقع ولا يزال يقع، فهو مستمر الحدوث. وهذا كثير، كقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، ويرفع العلم، ويظهر الجهل، ويكثر الزنا، ويشرب الخمر». هذه من علامات الساعة حصلت ولا تزال تحصل. وقس على ذلك الشيء الكثير من أمارات الساعة. وأيضًا من القسم الثالث من علامات الساعة الصغرى التي منها إلى الآن لم يقع وسيقع لا شك في ذلك ولا ريب، فمن أشراط الساعة التي ما وقعت، مثاله خروج المهدي، التي جاءت به الأخبار والأحاديث الصحيحة. وهكذا ما يكون من انحسار الفرات عن جبل من ذهب، وقد أشرنا إليه في درس أمس من الفوائد والحكم. وهكذا أيضًا عودة جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا، وأيضًا حصول الفتن والملاحم، وهي المعارك الكبرى التي تكون بين أهل الإسلام وبين غيرهم. هذه من علامات الساعة الصغرى، وإلى الآن ما حصلت ولا وقعت. فعلى هذا التقسيم، إخواني في الله، سنعلم أن أشراط الساعة الصغرى على ثلاثة أقسام: قسم مضى وانقضى، وقسم وقع ولا يزال يقع، وقسم إلى الآن ما وقع. إذا سأل سائل مثلًا، وأراد أن نبين له فوارق ومعايير في التمييز بين العلامات الكبرى وبين العلامات الصغرى من غير التعداد، هناك فوارق فوارق جوهرية بين العلامات الكبرى وبين العلامات الصغرى. فمن أعظم هذه الفوارق أن العلامات الكبرى تعد من العلامات العظيمة، والتي أثرها مدوّي، متى ما وقعت ارتجت لها الأرض، أي بسيطها وانتشارها وعظيم أثرها، فهي من المسائل الخارقة للعادة، والتي تشد انتباه الأنام. هذه الكبرى. وإذا تأملت ما ذكرناه سلفًا عنها، ستجد نعم أنها أشياء سيذهل لها الأنام. بخلاف الصغرى، فتجد أن الأمارات الصغرى ليست بتلك العظمة، بل ربما هي تتسلل في حياة الناس، شعروا بها أو لم يشعروا، حتى أصبحت من طبيعة حياتهم. مثل ما ذكرناه: شرب الخمور، ظهور الزنا، أصبح أمر ليس بالأمر الجلل، استمر عليه الناس والعياذ بالله. فإذا من العلامات أو الفوارق بين الكبرى والصغرى من حيث الأثر. كذلك من الفوارق بين الكبرى والصغرى أنك تجد أن العلامات الكبرى مختزلة في آخر الزمان، كلها إنما هي جعلت في آخر الزمن، في آخر أيام الدنيا، بل على إثرها تقوم الساعة. بخلاف الصغرى، فهي متقدمة، بل متقدمة جدًا. ذكرنا أن من أشراط الساعة الصغرى بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وكم لها الآن؟ لها ألف وأربعمائة سنة. ومثلها انشقاق القمر، فهذه قد مضت لها مدة طويلة. فتجد أن من الفوارق أن أشراط الساعة الكبرى متأخرة جدًا، بل ملتصقة بقيام الساعة. وأما الصغرى فهي متقدمة. ثالثًا من الفوارق بين الكبرى والصغرى أن علامات الساعة الكبرى علامات متتابعة، يتبع بعضها بعضًا. ولهذا صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام، كما رواه الحاكم في مستدركه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «الأمارات خرزات منظومات في سلك، فإن يقطع السلك يتبع بعضها بعضًا». وهذا الحديث أورده الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة. فتأمل هذا التشبيه من نبينا عليه الصلاة والسلام لأمارات الساعة أنها خرزات منظومة في سلك، مثل المسبحة. تخيل لو قطع السلك، لو قطع هذا الحمل، كيف يكون السقوط للخرزات؟ متوالي متتابع. وهكذا هي العلامات الكبرى، إذا ظهرت الأولى، الثانية، والثالثة، والعاشرة على التوالي. أما الصغرى لا، فالصغرى فإن وقعت، فإنه يفصل بينها فترات زمنية، كما أشرنا، منها ما قد مضى، ومنها لربما يحصل في هذه الأزمان، ومنها ما سيحصل في آخر الزمان، فهي متفرقة متفرقة، وذلك لحكم، وذلك لحكم. فشاهد أن هذه الفوارق الثلاث، إخواني في الله، هي من أعظم الفوارق التي يفرق بها بين العلامات الصغرى وبين العلامات الكبرى. وإن أردت الطريقة الأولى، وهي بطريقة التعداد، فالأمر في ذلك أسهل. نبدأ إخواني في الله في الدخول في صلب الموضوع، حديثنا وإياكم في هذه السلسلة المباركة، أننا سنشير إلى أشراط الساعة الكبرى، وذلك بشيء من الإيجاز، حتى نصل إلى المقصود من هذه السلسلة. وأشراط الساعة الكبرى، إخواني في الله، تحتها مسائل نمهد لها كذلك. من هذه المسائل المسألة الأولى: ما هي العلامات الكبرى؟ حينها سنعيد ما ذكرنا أنها عشر علامات ذكرها نبينا صلى الله عليه وسلم مجتمعة في حديث حذيفة بن أسيد، حين قال عليه الصلاة والسلام: «أن الساعة لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات». فعلامات الساعة الكبرى هي عشر آيات، فذكر عليه الصلاة والسلام الدخان والدجال وعيسى بن مريم ويأجوج ومأجوج والدابة وطلوع الشمس من مغربها وخسف بالمشرق وبالمغرب وبجزيرة العرب، وهكذا نار تخرج من أرض اليمن. هذه العلامات العشر. وسنأتي عليها بإذن الله بشيء من الإيضاح. والمتأمل من باب التقريب، المتأمل في هذه العلامات العشر، يمكن أن نعتبرها أن منها خمسة أعيان، وخمسة مظاهر كونية. هذا طبعًا تقريبي، تقريبي حتى يسهل للإنسان أن يستحضرها، يستحضرها متى شاء، أنها عبارة عن خمسة أعيان من الأمارات الكبرى، وخمسة أعيان من مظاهر كونية. فالأعيان: الدخان، والدابة، والدجال، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام، ويأجوج ومأجوج. هؤلاء أعيان. وبالمقابل هناك ظواهر كونية، وهي من علامات الساعة الكبرى، وهي: طلوع الشمس من مغربها، وخسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، والنار التي تخرج من أرض اليمن. إذن هذا هو العدد والتعداد لعلامات الساعة الكبرى، والذي نحاول أننا نعرج عليه في هذه السلسلة المباركة. كذلك من المسائل المتعلقة بهذا الباب الترتيب، إذا كانت هذه العلامات محصورة ومعدودة ومحدودة، هل يمكن ترتيبها؟ الجواب: ما عندنا نص واضح صريح بين في ترتيب العلامات العشر. لكن من خلال سياق الأحداث، وما جاءت به الأحاديث، هناك علامات نعم يمكن أن ترتب، يمكن أن ترتب. مثاله: الدجال، ثم ينزل عيسى بن مريم، ثم يخرج يأجوج ومأجوج. هذه نعم مرتبة، هذا يتبع الثاني، السياق الحديث يدل على هذا: دجال، ثم ينزل عيسى، ثم يخرج يأجوج ومأجوج. وهناك علامة رابعة كذلك جاء ترتيبها، وهي ما صرح به نبينا آخر ذلك: نار تخرج من أرض اليمن، فقد صرح نبينا بأنها آخر علامة، وآخر ذلك نار تخرج من أرض اليمن. هذه إذن مرتبة، هذه مرتبة. وما عداها ما عندي ترتيب واضح جلي، أي نص يدل على ذلكم. مع الإشارة إلى أن بعضها يمكن أن يتقدم أو يتأخر، مثاله: طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة. هذه لا شك أنها ستكون من أخريات العلامات، لن تكون في المقدمة، لن تكون في المقدمة، بل هذه ستكون من أخريات العلامات العشر. لماذا؟ لأن بطلوع الشمس من مغربها، وبوجود الدابة ستنقطع التوبة ستنقطع التوبة عن الناس. لكن أيهما يقدم على الثاني؟ الله أعلم. ولهذا جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريب». فطلوع الشمس والدابة هذه متلازمة، إن ظهرت هذه ظهرت الثانية. وهي لن تكون إلا في أخريات أشراط الساعة الكبرى. إلا أن جماعة من أهل العلم، من خلال النظر والتأمل والتدبر، وجمع الأحاديث مع القياس الصحيح، أخرجوا لنا ترتيبًا اجتهاديًا لا نقول نصي، اجتهادي يرون أن هذا الترتيب الذي ستسير عليه أشراط الساعة. فذكر بعض العلماء أن ترتيب هذه الأمارات يبتدئ على النحو التالي: أولًا خروج الدجال، ثانيًا نزول عيسى عليه السلام، بعد ذلك خروج يأجوج ومأجوج، ثم الرابع والخامس والسادس خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب. وأما السابع: طلوع الشمس من مغربها، وأما الثامن: خروج الدابة، وأما التاسع: فهو الدخان، وأما العاشر: خروج النار. هذا اجتهاد من بعض أهل العلم في ترتيب أمارات الساعة، أدى إليه اجتهاد. فنقول بعد هذا كله الله أعلم، إلا بما أشرنا إليه من أن أدلة دلت على ترتيبه. سنبدأ إخواني في الله في ذكر أشراط الساعة الكبرى، طبعًا في هذا المقام لن نراعي الترتيب المذكور، وإنما نذكر أمارة بعد أمارة على ما يتيسر لنا من المقامات. نبدأ بأوائل هذه العلامات، وهي آية الدخان. آية الدخان وهي تعد من أشراط الساعة الكبرى، دل على ذلكم القرآن والسنة. أما من القرآن ما جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فهذه الآية تتحدث كما قال العلماء عن هذا الشرط وعن هذا العلم من علامات الساعة. وجاء في السنة ما قد مضى معنا من حديث حذيفة بن أسيد في أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما عدد لنا الأمارات العشر ذكر لنا الدخان. فالدخان أمارة من أمارات الساعة. هنا مسألة، ولا أود من ذكرها: هل هذه الآية هل هي قد ظهرت أم لا ظهرت؟ نعم حصل خلاف بين أهل العلم في آية الدخان. فمن أهل العلم من ذهب إلى أن آية الدخان وقعت، وممن ذهب إلى ذلك الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، ووافقه في ذلك بعض من السلف ومن التابعين كمجاهد وابن العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي، بل هو اختيار الإمام الطبري رحمه الله. ومما ذهبوا إليه في أن آية الدخان ظهرت ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن مسروق رحمه الله قال: كنت عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فأتاه رجل فقال: «يا أبا عبد الرحمن، إن قاصًا يقص عند أبواب كندة يزعم أن آية الدخان تجيء، فتأخذ أنفاس الكفار، وتأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام». فقال ابن مسعود بعدما استوى جالسًا: «يا أيها الناس، اتقوا الله، من علم منكم شيئًا فليقل فيما يعلم، ومن لا يعلم فليقل الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم». هذه المقدمة الشديدة من ابن مسعود، فيه التوبيخ، ويرى أن الذي يدعي بأن آية الدخان ما ظهرت، هذا قول على الله بغير علم. ثم قال المسعود: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدبارًا، قال: اللهم سبع كسبع يوسف». أي سبع سنوات جفاف جد قحط، دعا عليهم نبينا، قال: «فأخذتهم سنة، فأخذت كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى كهيئة الدخان». ثم إن الكفار طلبوا من رسول الله أن يدعو لهم، فالشاهد أن عبد الله بن مسعود أولًا أنكر من زعم أن آية الدخان ستأتي، بل إنها قد وقعت. أين وقعت؟ ذكرهم بحادثة وقعت في زمن رسول الله، حين دعا نبينا على الكفار بالقحط والجدب والجفاف، فكان أحد من شدة الجوع يرى كأثر الدخان في السماء، حتى طلبوا من رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يدعو لهم بأن الله يفرج عنهم. إذن وعلى هذا كما سمعتم، مضى جماعة من أهل العلم على ذلكم. والقول الثاني، وهو الذي عليه جماهير العلماء من الصحابة ومن التابعين: على أن آية الدخان لم تظهر بعد، وأنها ستأتي قرب قيام الساعة. وممن ذهب من الصحابة على هذا القول: ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وحذيفة، وهكذا الحسن البصري، وزيد بن علي، وجماعات وجماعات من الأئمة والعلماء والفقهاء. وهذا القول هو القول الصحيح بأن آية الدخان لم تظهر بعد. ومما استدل به العلماء، وهي من أقوى الأدلة التي ما هناك أحد يستطيع أن يردها، هي تلكم الأحاديث التي أخبر فيها نبينا صلى الله عليه وسلم عن أمارات الساعة، وأنها ستأتي، أنها ستأتي. كحديث حذيفة عندما أخبر نبينا من في زمنه أنها: «أن الساعة لن تقوم حتى تروا أنتم حتى تروا قبلها عشر آيات»، وذكر من ذلكم آية الدخان. فلو أن آية الدخان ظهرت في زمنه، لما ذكرها نبينا. كيف سيذكر آية وهي قد ظهرت في زمنه؟ أو متى؟ في العهد المكي، في أيام قريش، كيف سيذكرها نبينا؟ لا، نبينا إنما الآن يذكر لأصحابه وللأمة جمعًا عن آيات ما ظهرت، وستظهر في آخر الزمان. فهذا من أقوى الأدلة، من أقوى الأدلة. وأما ما ذهب إليه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه من أن آية الدخان ظهرت، واستدل بما وقع في زمن رسول الله، فيقال: إن هذا اجتهاد منه، اجتهاد منه رضي الله تعالى عنه. وحتى الآية التي استدل بها ليست صريحة، ليست صريحة، وهي آية الدخان: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، تغشى الناس. وذلك من وجهين اثنين: الوجه الأول أن الآية أخبرت أن الدخان بدخان مبين، دخان حقيقي مبين واضح بين. وابن مسعود ماذا ذكر في قصة رسول الله مع قريش؟ التخيل أن أحدهم ينظر إلى السماء فيتخيل الدخان، ما عندي تخيل. في الآية الآية صرحت أنه دخان مبين حقيقي صريح واضح جلي. وابن مسعود يتحدث عن خيال، إذن هذا حادثة أخرى. وأيضًا في قول ربنا: ﴿تَغْشَى النَّاسَ﴾، أن هذه الآية تغشى جميع الناس، كل من في الكون. وأما ما ذكره ابن مسعود في حادثة رسول الله، إنما كانت لمن كانت لأهل مكة فقط، لأهل مكة فقط. ولهذا القول الصحيح في هذا الباب، إخواني في الله، وهو أن هذه الآية آية الدخان لم تظهر. ومما أذكره كذلك في آية الدخان، أن من علامات الساعة ما يذكره بعض الناس من ذكر الفترة الزمنية، وأنها تنتشر من محل إلى محل، وأنها تصيب أهل الإسلام فتصيبهم بالزكام، وأنها تصيب الكفار فتجعلهم سكاري. واستدلالًا منهم بالحديث المرفوع: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الدخان، فأخبر بأنها تملأ ما بين المشرق والمغرب، وأنها تمكث أربعين يومًا وليلة، وأن المؤمن يصيبه منها كهيئة الزكام، وأما الكافر فيكون كالسكران». هذا الحديث عول عليه جماعة من أهل العلم كالإمام القرطبي وغيره، لكن هذا الحديث لا يصح، هذا الحديث بهذه الصفات لآية الدخان لم يصح، بل حكم عليه الألباني بالوضع. فحديث موضوع. ننتقل الآن إلى آية أخرى من آيات الساعة الكبرى، ألا وهي الدابة. كما قلنا لست في صدد الترتيب، وإنما بما يتيسر له المقام من أمارات الساعة الكبرى. خروج الدابة، وهذه مسألة تحتها مسائل. أولًا: الأدلة الدالة على هذه العلامة، والأمارة. هذه الأمارة دلت عليها أدلة الكتاب والسنة. أما من الكتاب ما جاء في قول ربنا جل في علاه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾. فقول سبحانه وتعالى: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾، وهذا إخبار من الله جل وعلا بأن هذا كائن، كائن قرب قيام الساعة. وأما من السنة، فالأحاديث في هذا الباب كثيرة، ومنها حديث الباب الذي نذكره، ولا زلنا نستذكره، حديث حذيفة عندما قال عليه الصلاة والسلام: «أن الساعة لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات»، فذكر من هذه الآيات العشر خروج الدابة. وفي لفظه: «دابة الأرض». دابة الأرض. وأيضًا جاء من حديث أبي هريرة، والذي رواه مسلم في صحيحه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بادر بالأعمال ستة»، ومضى ذلك معنى في درس أمس، أي بمعنى بادر باغتنام الأعمار بالأعمال الصالحة قبل أن تأتي ست علامات، وذكر من هذه العلامات الست الدابة، أي خروج الدابة. إذن فالمسألة الأولى علمنا من أدلة الكتاب والسنة على وجود هذه الأمارة، وعلى حصولها. المسألة الثانية: ما يتعلق بزمان خروجها، بزمان خروجها. في أي زمن بالتحديد تخرج هذه الأمارة؟ قد علمنا أنها تخرج في آخر الزمان، تخرج في آخر الزمان. قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: «قال: هذه الدابة تخرج في آخر الزمان، عند فساد الناس، وتركهم لأوامر الله، وتبديلهم للدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض تكلم الناس على ذلك». انتهى كلامه رحمه الله. فابن كثير رحمه الله تعالى يقرب لنا الحق الزمنية في خروج الدابة، أنها تخرج عند اشتداد الغفلة، وما يكون من عظيم الفتنة باتباع الشهوات والملذات، وترك الناس لدين الله جل وعلا، ويعم الفساد، تخرج هذه الدابة على الناس. المسألة الثالثة: متى تخرج؟ وقت الخروج، في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار تخرج هذه الدابة؟ ذهبت الأدلة على أن هذه الدابة تخرج على الناس عند ارتفاع النهار، عند ارتفاع النهار، وذلك في وقت الضحى، في وقت الضحى. ومما يستدل به على هذا التوقيت المعين ما جاء من حديث عبد الله بن عمر بن العاص، والذي رواه مسلم في صحيحه، قال: «حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا لم أنسه بعد، سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى». هذا الشاهد. وخروج الدابة على الناس ضحى. فنبينا صلى الله عليه وسلم أشار إلى وقت خروج الدابة، وأنها تخرج ضحى. وهنا فائدة من هذا الحديث: لا يقول قائل: لماذا لا نذكر أن طلوع الشمس من أوائل علامات الساعة، وخاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس»، ونحن قد سبق أننا في ترتيب العلامات، الصورة ما جعلنا طلوع الشمس من مغربها من الأوائل، بل جعلنا من أواخر العلامات. فالجواب عن ذلك، إخواني في الله، أن هذا الحديث لا يستدل به على الترتيب الذي سبق. لماذا؟ لأن هذا الحديث إنما يستدل به على أولوية طلوع الشمس من مغربها من حيث الآيات العظام المؤذنة بتغير العالم العلوي، هي طلوع الشمس من مغربها. هذا معنى الحديث: «إن أول الآيات خروجا على الناس طلوع الشمس»، بمعنى أنها أول الآيات المؤذنة بتغير العالم العلوي، لأن قيام الساعة ستتغير فيها مجريات الكون. وأول متغير هذا المتغير أن الشمس تأتي من مغربها. وسأتي هذا معنى بإذن الله. المسألة الرابعة من مسائل الدابة: ما يتعلق بمكان ظهورها، أين تظهر هذه الدابة؟ ليس في هذا المقام عندي ما يمكن أن نستدل به على تحديد مكانها، وما يتعلق بمصدر خروجها. إلا أن العلماء اجتهدوا في هذا المقام، وكل توقع محلا تخرج منه الدابة. فمن هذه الأماكن التي قيل عنها بأن الدابة ستخرج منها، منهم من قال بأنها تخرج من مكة، تخرج من مكة. وهؤلاء بعد ذلكم اختلفوا في تحديد محلها، أين من مكة؟ منهم من قال: هي تخرج بين الركن والمقام، تخرج بين الركن والمقام. ومنهم من عمم، قال: بأنها تخرج من صدع الكعبة، من تصدع الكعبة. ومنهم من ذهب إلى أنها تخرج من أرض الطائف، وقيل: أنها تخرج من أرض تهامة، وقيل: أنها تخرج من جهة الكوفة. وهكذا أقوال بعض العلماء يستدلون في تحديدها بأحاديث ضعاف لا تصح. ولهذا فالصحيح أن نقول: الله أعلم بمحل خروجها، والشرع سكت عن ذلك. فالسلام في السكوت. وإلا فإن أكثر العلماء يشيرون أن خروج الدابة يكون من مكة، فالله أعلم. كذلك مما يتعلق بمسألة الدابة مسألة وهي حقيقة هذه الدابة، وما صفاتها؟ عندنا الذي جاء بالقرآن والسنة بأن الله عز وجل وصف بخروج دابة. وعلى هذا جاء في أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام بأنها دابة. بقي: كيف هذه الدابة؟ وما حقيقتها؟ وما كنهها؟ وما صفاتها؟ في هذا المقام كذلك لعلماء في ذلك عدة أقوال، عدة أقوال في تحديد ما هي الدابة. فمن هذه الأقوال الشهيرة، منهم من قال: بأن الدابة هي فصيل ناقة صالح عليه السلام، فصيل ناقة صالح عليه السلام، وذلك عندما قام قومه بعقر الناقة، فعقروها، فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها. هذه الناقة حين عقرها فصيلها ابنها الذي كان معه هرب منهم، فجاءت الروايات أن هذا الفصيل هرب حتى ألجأه الهرب إلى صخرة انفرجت، فدخل فيها فانغلقت عليه. فهذا فصيل هو لا زال محجوز في هذه الصخرة إلى أن يخرجه الله علينا متى قرب قيام الساعة. وهذا قول نعم ذهب إليه جماعة، بذكره الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في كتابه «التذكرة». والقول الثاني في معرفة وماهية الدابة، منهم من قال: بأنها الجساسة، الجساسة هي تلكم الدابة التي جاء ذكرها في حديث تميم الداري رضي الله تعالى عنه، عندما رست بهم السفينة على جزيرة، فخرجوا فرأوا على ساحلها دابة كلها شعر، لا يدرى قبلها من دبرها. فسألوها: «من أنت؟» قالت: «أنا الجساسة». هذه في صحيح مسلم. قالت: «أنا الجساسة». قالوا: «هذه الجساسة هي الدابة التي ستخرج في آخر الزمان، سيخرجها الله جل وعلا مرة أخرى على الناس». وهذا القول نعم قال به جماعة من أهل العلم. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الجساسة عبارة عن مخلوق، وهذا المخلوق من عجائب صنع الله جل في علاه، إذ أن الله سبحانه وتعالى أوجد فيه أوجد فيه سائر أجزاء المخلوقات والحيوانات. فمثلًا بعض العلماء صور لنا أن الدابة التي سيخرجها الله في آخر الزمان وهي تشتمل على أجزاء الحيوانات المتفرقة، قالوا: أن من صفتها أن رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، ألا ما أدري هل يمكن أحد منكم أن يجمع هذا الشكل في أنموذج؟ قالوا: أن رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرة، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير. هذا نعم ذكره جماعة من أهل العلم في بيان أن هذا هي تشكيلة الدابة التي ستخرج في آخر الزمان. طبعًا وهذا أمر لا يمت عليه دليل لا من القرآن ولا من السنة، فالله أعلم بهذه الحقيقة التي ذكرها هؤلاء. كذلك مما يذكر من أمر هذه الدابة وما يتعلق بكنهها، ما ذهب إليه جماعة من المعاصرين ممن لربما أراد أن يواكب العصر، فما استطاع أن يواجه الناس بأن القرآن والسنة دعوا إلى الإيمان والتصديق بدابة ستخرج في آخر الزمان. فذهب بعضهم إلى أنه يؤول موضوع الدابة، فذهب بعضهم إلى أن حقيقة الدابة هي عبارة عن حشرات، وبعضهم يقول: هي جراثيم، سواء قالوا حشرات أو جراثيم على قولين. وأن هذه الجراثيم أو الحشراتية موجودة الآن، لكنها قرب قيام الساعة ستكثر ستكثر لسبب أو لآخر، بحيث تكون هجومية تهجم على الناس وتعصف بالأمم والشعوب، فهذه هي الدابة التي أخبر الله عز وجل عنها بأنها تأتي في آخر الزمان وتحذر الناس بعذاب الله. وكذلكم بعد الأذان نواصل في المقولة الأخيرة المتعلقة بكنه الدابة. لازلنا في هذا المبحث من مباحث الدابة، وما يتعلق بكيفيتها وكنهها. ما ذكرنا عن جماعة من العلماء أنه ذهب بأنها هي فصيل ناقة صالح، ومنهم من ذهب بأنها الجساسة، ومنهم من ذهب إلى أنها حيوان غريب عجيب خلقه الله عز وجل من مجموعة أجزاء الحيوانات. ومنهم من ذهب إلى أن المقصود بها جراثيم وحشرات تخرج في آخر الزمان. وأيضًا مما قيل في أمر الدابة الذي أخبر الله عز وجل عن ظهورها في آخر الزمان، من ذهب بأنه هو عبارة عن إنسان، إنسان من أهل الإسلام يخرجه الله عز وجل في آخر الزمان، يناظر ويجادل أهل البطلان، بأن يقيم الحجج عليهم، ويكشف عوارهم أمام الأنام. قالوا: هذا هي الدابة، فهو عبارة عن إنسان، بل من أهل العلم والفضل، يناقش ويجادل ويناظر ويسكت ويفحم أعداء الدين والملة. هذا القول، إخواني في الله، ضعيف، ضعيف وبعيد. وذلك من وجوه، منها: أن هذا الأمر وهو وجود إنسان يناقش ويجادل، لا يعد من علامات الساعة الكبرى، إذ أن الأمة الإسلامية ولله الحمد منذ بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، ولا يزال ربنا جل وعلا يجعل فيها من أئمة الدين، من أئمة الصدق، ووجد فيها من هو من المجددين الذين يقومون بأمر الدين في كل زمان وفي كل مكان. فلا يعدون هؤلاء من أشراط الساعة أصلا، فكيف بعد ذلك نجعل أشراط الساعة الدابة نحيل إلى أمر هو موجود في أزماننا وفي حياتنا. وهذا يدلك على ضعف هذا القول. أيضًا يدل على الضعف ما أشار إليه بعض العلماء: أن هذا العالم الرباني أنه لا يليق أنه يوصف بالقرآن والسنة بأنه دابة. لأن النص قال: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾. وجاء ذلك في السنة: «خروج الدابة». فليس من الفصاحة القرآنية، ولا من كلام خير البرية، أن العالم الرباني يوصف بأنه دابة. وإن كان هذا نعم تسعه اللغة العربية، لكن الفصاحة تأبى هذا، تأبى هذا. والنص يخالف ذلكم. وكذلكم أدلة السنة. فالشاهد، إخواني في الله، أن خلاصة ما يذكر في هذا المبحث الخامس: أن من أمر الدابة ما يتعلق بصفتها، أن نقول كما مضى في غيرها: الله أعلم بصفة هذه الد