الدرس في أشراط الساعة وقصة ذي القرنين 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول معنى الدجال وتسميته وأدلة ظهوره كعلامة من علامات الساعة الكبرى. يُفسر الدجال بأنه مأخوذ من الدجل بمعنى الخلط والتغطية وأنه كثير الدجل والتلبيس على الناس.
يتناول صفات الدجال كما وردت في السنة النبوية، مثل كونه رجل قصير أفحج جعد أعور مطموس العين، وجسيم، أحمر، جعد الرأس، ومكتوب بين عينيه كافر. يُجمع بين الأحاديث المختلفة التي تصفه.
يُحذّر من فتنة الدجال وخوارقه التي تشمل سرعة انتقاله، وتمثيل الجنة والنار، واستعانته بالشياطين، واستجابة الجمادات لأمره. يُبين أن هذه الخوارق تهدف إلى إضلال الناس وإيهامهم بألوهيته وربوبيته.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في هذه الليلة بإذن الله نواصل الحديث إخواني في الله عما يتعلق بأشراط الساعة، وها نحن الآن في العلامة الثامنة، والذي سنكرس فيه الحديث عن علامة وأمارة الدجال. فالدجال علامة من علامات الساعة الكبرى وأمارة من أماراته العظمى، بل وقد ذكرنا من كان معنا أن العلماء حين اجتهدوا في وضع الترتيب الذي به تسير علامات الساعة الكبرى جعل من أوائل وأول علامة هي هذه العلامة: ظهور الدجال. ظهور الدجال، وبعدها ستظهر بقية الأمارات. لكن كما قلنا نحن لسنا بصدد الترتيب، وإنما نسير هكذا في طرحنا ومباحثنا ومسائل هذه العلامة. ظهور الدجال، إخواني في الله، مسائله كثيرة وكثيرة جدا، وفي ذلك دلالة وإشارة على مدى عناية الشريعة والاهتمام البالغ بأمر الدجال. وقد صنفت في ذلك مصنفات، ومما أذكره في هذا المقام ما ألفه الإمام الألباني رحمه الله تعالى في ذكر مرويات المسيح الدجال، مرويات المسيح الدجال، إذ ذكر وسرد وحشد الأدلة الدالة على أمر هذه العلامة والأمارة. ولذا، إخواني في الله، سنحرص في هذا المقام بقدر الإمكان على ذكر أهم المباحث المتعلقة بالدجال. وأولى هذه المباحث المتعلقة بالتسمية: ما معنى الدجال؟ وما معنى المسيح المسيح الدجال كما جاء التنصيص به في كثير من الروايات؟ أما ما يتعلق بمعنى الدجال، الدجال مأخوذ من الدجل، وذكر ويذكر العلماء أن الدجال في اللغة العربية يأتي بمعنى الخلط، ويأتي كذلك بمعنى التغطية. ولهذا ذكر الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى أن سبب تسمية الدجال بهذه التسمية قال: لأنه يغطي الحق بباطله، يغطي الحق بباطله. هذا معنى الدجال. وقد جاء على الوزن فعال، الصيغة المبالغة، أي أنه كثير الدجل، كثير التخليط والتلبيس على عباد الله. وأما ما يتعلق بوصفه بأنه المسيح المسيح الدجال، فقد اختلف العلماء في سبب هذه التسمية. وقد ذكر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في كتابه التذكرة قال: واختلف في لفظة المسيح على ثلاث وعشرين قولا، على ثلاث وعشرين قولا. لماذا أطلق على الدجال هذا الوصف المسيح؟ قال: ذكرها الحافظ أبو الخطاب في كتابه مجمع البحرين. وقال أي قال أبو الخطاب بعدما نقل هذه الأقوال قال: ولم أر من جمعها قبلي ممن رحل وجال ولقي الرجال، أي: هذه الأقوال الثلاث والعشرين في سبب تسمية المسيح بهذا الوصف، قال: لم أر من جمعها قبلي ممن رحل وجال ولقي الرجال، أي: أنه تعنّى. لكن من أشهر ما قيل كما أشار إلى ذلك بن الأثير رحمه الله تعالى أنه سمي بالمسيح لأن عينه عينه ممسوحة، أي: أن إحدى عينيه ممسوحة مسحا كما جاءت بهذه الأحاديث، فهو مسيح بمعنى ممسوح، أي: مفعول وقع عليه المسح، فهو ممسوح. هذا هو المسيح الدجال. وعيسى عليه السلام كما سيأتي معنى كذلك من لقبه ووصفه بأنه المسيح عيسى، لكن المسيح هناك له اعتبار آخر. قيل: أن عيسى هو المسيح لأنه ماسح، أي: فاعل وماسح لأنه يمسح على صاحب البرء وعلى صاحب العلة فيبرأ عليه السلام. ففرق بين مسيح الضلالة وهو الدجال، وبين مسيح الهدى وهو عيسى عليه السلام. ثانيا من مباحث هذا الباب: ما الدليل على أن الدجال من علامات الساعة؟ الأدلّة كثيرة، منها ما تكرر معنا كثيرا في هذا المقام: ما جاء من حديث حذيفة بن أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وإنها لن تقوم أي ساعة حتى تروا قبلها عشر أمارات أو عشر علامات، فذكر من هذه العلامات قال: والدجال، والدجال. وجاء كذلك في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، وذكر من هذه الثلاث الدجال. فالأحاديث كثيرة جدا في بيان أن ظهور الدجال أمارة من أمارات الساعة. ومن المباحث المهمة وهي ثالثا: وهي حقيقة الدجال، ما حقيقة الدجال؟ حقيقة الدجال بأنها شخصية حقيقية موجودة، هذا خلاصة الكلام حول حقيقة الدجال بأنها شخصية حقيقية موجودة. وفي هذه الكلمات، إخواني في الله، ردٌ على عدة طوائف: ردٌ على من أنكر الدجال جملة وتفصيلا كحال الزنادقة والملاحدة ممن يرى أن الدجال عبارة عن أسطورة من الأساطير أو أنه خرافة من الخرافات. وقد أشرنا في أوائل المبحث إلى حال هؤلاء. وردٌ كذلكم في قولنا بأن الدجال شخصية حقيقية موجودة: فيه ردٌ كذلكم على من زعم بأن الدجال ليس هو شخص وإنما هو معنى من المعاني، كمن زعم إلى أن الدجال هو معنى من معاني الشر، أي: إذا سمعت أن الدجال انتشر هنا وهنا بمعنى الشر انتشر. وبعضٌ ذهب إلى أن الدجال هي هذه التكنولوجيا العصرية، فهي عوراء، فالدجال هي هذا التقدم الحضاري هكذا زعموا. وفي هذه الكلمات بأن الدجال شخصية حقيقية: ردٌ على من زعم أن الدجال ما هو إلا إنسان عادي وليس كذلك، وليس أي إنسان، بل إنسان أعطاه الله جل وعلا من خوارق العادات. وفي ذلك ردٌ على الخوارج وعلى الجهمية وعلى بعض طوائف المعتزلة، وهو رجل قد مدّه الله بشيء من الفتن. وفي قولنا بأن الدجال حقيقة شخصية موجودة: فيه ردٌ على من زعم أو من قال بأن الدجال غير موجود. وهذه مسألة، إخواني في الله، الحديث عنها يطول، ولست في صدد ذكرها لأن معنى المباحث الكثيرة وهي أولى بالعناية والاهتمام. لكن قولنا بأن الدجال موجود، وذلك لما صح من حديث تميم الداري كما في صحيح مسلم: كيف أنه كان في سفينة ومعه جماعة من الناس، ثم ضاعوا في البحر، فرست بهم السفينة إلى ساحل الجزيرة، وهناك التقوا بالجساسة، وهي دابة أهلب كلها شعر، ثم دلتهم على رجل في الكهف، فدخلوا عليه، فإذا برجل قد سلسل بالسلاسل، فأسألوه: من أنت؟ قال: أنا الدجال. فهذا الحديث فيه دلالة على أنه موجود. وقد استمع نبينا إلى هذا الحديث الذي ذكره تميم وأقره عليه الصلاة والسلام. وإن العلماء قد تلقوا هذا الحديث بالقبول، إلا أن جماعة من الناس ردوا هذا الحديث. وستأتي في صدد ذكر من رده بالحجج العقلية، فإن هؤلاء كثيرا ما ردوا الآيات والمعجزات وخوارق العادات بحجة أنها لا تدخل العقل. فليس حديثي معهم، لكن حديثي مع أهل الفضل والعلم، مثل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله. فشيخ ابن عثيمين رحمه الله ينكر هذه القصة مع أنها في صحيح مسلم، لكنه لا يسلم لها رحمه الله، ويرى أن هذه القصة في سياقها وفي متنها نكارة. وقد صرح في أكثر من موطن قال: والنفس لا تطمئن لهذا الحديث، لا تطمئن لهذا الحديث. وكان من أعظم ما يستدل به على نكران هذا الحديث وعلى وجود الدجال في تلك الأزمان: ما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بأنه ما من نفس منفوسة تمر عليها مئة عام إلا وتموت، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، أي: في زمنه على رأس مئة سنة لا يبقى على وجه الأرض أحد ممن هو عليها اليوم إلا مات. فقال بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن من في زمنه كلهم ما تدور عليهم مئة سنة إلا وفنوا. فقال: والخطاب يدخل فيه هذا الرجل إن كان صح الحديث، إذن الدجال موجود، إذن جاءه الحديث، إذن سيموت لا محالة، إذن ذهب الدجال. ولهذا ينكر رحمه الله تعالى هذا الحديث. ولما سئل: هل له سلف على ذلكم؟ ذكر الشيخ محمد رشيد رضا، وهو يعتبر من المعاصرين، سئل: هل هناك لك سلف من الأئمة؟ قال: لا أعلم أحدا، فهو يرى أن هذا مما يكون آل إليه اجتهاده رحمه الله. بالمقابل، فأكثر العلماء ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى سئل عن حديث الجساسة قال: هو حديث مقبول. وقد جاء في صحيح مسلم، ولا يعرف أن أحدا طعن فيه بمغمز. فنبقى على صحته. ولما سئل عن نكارة هذا الحديث، وأن من أهل العلم وكأنهم يشيرون إلى ابن عثيمين: أن من أهل العلم من أنكر هذا الحديث بحجة أن ما من أحد تمر عليه مئة سنة إلا مات، أي: من زمنه. فقال: هذا نعم نص عام، لكن دخله التخصيص، فالدجال يخصص بأن الله أعطاه فسحة من العمر، أعطاه فسحة من العمر. وهذه من خوارق العادات التي أعطيها الدجال. فهذا، إخواني في الله، خلاصة الكلام. ولهذا نقول بأن الدجال خلاصته بأنه حقيقة، حقيقة شخصية موجودة، حقيقية، ليست بخرافة ولا خيال، وليست معدومة، بل موجودة. كذلك مما يذكر، إخواني في الله، عن أمر الدجال: ما يتعلق بصفته. الشرع من خلال السنة النبوية أبان لنا الكثير من صفات الدجال. ومن ذلك ما جاء عند أبي داود وأحمد من حديث عبادة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: الدجال رجل خصير أفحج جعد أعور مطموس العين، ليست بناتئة ولا حجراء. هذا الحديث فيه عدة صفات للدجال نذكرها صفة بعد صفة. فقال عليه الصلاة والسلام بأن الدجال رجل، رجل، إذن هو من جنس الرجال، ليس امرأة، بل جاء في رواية كما في صحيح مسلم بأنه شاب، بأنه شاب، أي: في قوة شبابه، ليس رجل كبير أو طاع في السن، بل هو في شبابه. وقبل هذا الوصف نعود إلى وصف أشمل وأعم بأن نقول بأن الدجال: الصحيح من أقوال أهل العلم أنه آدمي، أنه آدمي، لأن من أهل العلم من يرى أن الدجال هو شيطان تمثل بزي إنسان، ومنه من يرى بأن الدجال بأنه هو خليط من أبوين: الأب إنسي والأم جنية. نعم، هذا ذكره جماعة من أهل العلم، أي: أنه هجين، خليط بين أبوين غير متجانسين، فالأب من الإنس والأم من الجن. وقول الأول: قيل أنه شيطان، وصحيح لا على هذا دليل ولا على ذاك دليل، وإن نبخى على الأصل بأنه من بني آدم، فهو رجل بني آدم، رجل شاب. ثم قال عليه الصلاة والسلام: قصير، أي: دل على أنه قصير القامة. لكن هذا الوصف يشكل معنى مع ماذا؟ مع حديث تميم الداري. تميم الداري سنعود إلى قصته عندما ذكر أنه دخل على الكهف ونظر فإذا بهذا الرجل وهو الدجال، كيف وصفه؟ فقال تميم واصفا الدجال قال: فكأنه أعظم ما رأى، أعظم إنسان رأيناه خلقا، أعظم إنسان، أي: ما رأينا إنسانا عظيم مثله خلقا، أي: في خلقته. طيب، هذا ما ذكره التميم عن الدجال حين رآه في الكهف. وهنا نبينا يقول عن الدجال أنه قصير، فكيف نعمل هذه الفقرة من الفقرات التي استدل بها ابن عثيمين رحمه الله على الطعن في حديث تميم بأن فيه نكارة: بأن النبي أخبر بأن الدجال قصير، وتميم يخبرون بأنه عظيم. قال: وهذا التناقض، هذا التناقض. إلا أن العلماء تفطروا لهذه المسألة وذكروا عدة أجوبة يجمع بين حديث رسول الله وبين ما شاهده تميم. فقالوا أولا: بأن ما ذكره تميم بأنه أعظم ما رأيت إنسانا، قال: العظم هنا بمعنى الهيبة، قالوا: هذا الذي عناه تميم، أي: عظمة الهيبة، ما ذكر عظمة الخلقة، لكن هذا ضعيف. الوجه الثاني: قال علماء أن الدجال جمع بين الوصفين، فهو عظيم قصير، كيف هذا؟ قال: هو قصير القامة لكن بطين، أي: صاحب بطن كبيرة، فجمع بين الوصفين: قصر القامة مع عظم البطن. القول الثالث: قول من قال بأن الدجال حين أن كان سجينا كان على هيئة، فإذا خرج على الناس يعود إلى هيئة أخرى. فهذه أقوال ثلاثة ذكرها العلماء في الجمع بين صفة الدجال من حيث العظمة ومن حيث القصر. ثم قال عليه الصلاة والسلام: الدجال رجل قصير أفحج، وأفحج قال العلماء: هو الذي إذا مشى باعد بين رجليه، هو الذي إذا مشى باعد بين رجليه كالمختالة، كالمختالة، أي: أنه يحرص على البعد، يجافي في مشيه بين رجليه. وهذا إنما يكون كما قال العلماء إما لعوجاج في ساقيه أو لتباعد بين الفخذين، أي: عنده علّة، إما العلّة في إعوجاج الساقين أو في تباعد الفخذين، فأثر هذا في كيفية مشيه، في كيفية مشيه: أن يمشي كما قال العلماء كالبختة. ثم قال عليه الصلاة والسلام: جعد، والجعودة هو وصف يطلق على الشعر، يطلق على الشعر، أي: أن شعرهم متجعد، ليس بصبت مسترسل، ليس بناعم وإنما جعد. ويؤيد هذا الحديث ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام في حديث آخر واصفا الدجال بقوله: هو شاب قطط، قطط. والقطط بفتحتين، قال العلماء: هو كثير الجعودة الرأس، كثير الجعودة، أي: أن رأسه متجعد جدا. وأيضا مما جاء في وصف الدجال أنه أعور مطموس العين. وعور الدجال جاء كثيرا في السنة، كثيرا في السنة، وما يكاد يأتي حديث فيه صفة الدجال إلا ووصف بالعور، إلا وصف بالعور. لماذا هذا التركيز على العين؟ على عين الدجال؟ قال جماعة من أهل العين: لأن عيوب الدجال التي مرت معنا يمكن أن يتخلص منها، فكونه شعره أجعد قد يحلق صلعة وانتهى من شعره، وكونه يسير بصورة الأفحج هذا قد يلبس قميص أو عباءة أو شيء فيغطي عيب المشي، أو يركب دابة حتى لا يمشي أمام الناس، وهكذا قس في باقي الصفات قد يغطيها، إلا العين، فإنه لابد أن يكشف على عينه. فإنه قد يخرج على الناس بنظارة، لكن هل سينام بنظارة؟ ما سينام بنظارة، سيكون مثار دهش عند الناس إذا دخل وإذا خرج. ولهذا جاء التركيز كثيرا على مسألة العين. والحقيقة كما قال علماء: أن عيني الدجال معيبة، ليس العين، والعور في عين واحدة لا العين، في هذه العين والعين في العين الثانية. واختلف العلماء في كيفية تصور العيوب التي في العينين. وخلاصة الكلام والله تعالى أعلم: أن إحدى العينين مطموسة طمسا كما جاء في هذا الحديث، مطموسة لا عين فيها، وهذه العين المطموسة نعم عليها طفرة غليظة، طفرة غليظة، فهذه لا يرى منها لأنها ممسوحة. والعين الثانية هي موجودة يرى من خلالها، لكنها معيبة، إذ أنها ماذا؟ بارزة، بارزة كأنها كالعنبة الطافية، كالعنبة الناتئة، هكذا قال علماء. إذن كلتا العينين معيبتان، لكن إحداهما مطموس، والآخر موجود، والثاني الموجود معيب بهذا الوصف أنها ماذا؟ خارجة للخارج. هذا ما يتعلق في هذا الحديث من أمر الدجال. وأيضا مما جاء من صفات الدجال ما جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عمر قال عليه الصلاة والسلام بأنه رجل جسيم أحمر جعد الرأس أعور العين. هذا في البخاري عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. كونه رجل مرة جسيم ذكرنا كيف الجمع بين الجسيم والقصير، ما في إشكال. هو من حيث الطول القامة قصير، لكن من حيث البطنة جسيم سمين عظيم. وأما كونه جعد الرأس قد مضى، وأعور العين قد أشرنا إليه. باقي أحمر، الأحمر كيف يكون أحمر؟ قال العلماء: هذه كناية عن بياضه، بياضه، فالإنسان إذا اشتد بياضه فإنه ماذا؟ تجد الحمرة تظهر في حمرة الدم. وهذا نجده كذلك إذا عاشرنا أو رأينا بعض من يأتي من بلاد الشرق أو الغرب من لربما هو ناصع البياض لربما تظهر منه الحمرة حتى نأتي نقول: فلان أحمر، أي: ماذا؟ من شدة حمرة الدم تظهر ماذا؟ من جلده. فهذا معنى أحمر. كذلك مما جاء في وصف الدجال أنه مكتوب بين عينيه كافر، مكتوب بين عينيه في هذه المساحة مكتوب كافر. هذا في رواية البخاري. وفي رواية مسلم جاءت مفرقة كافر، أي: ماذا؟ مهجأة بهذه الأحرف. وجاء عند ابن خزيمة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مكتوب بين عينيه كافر يقرأها كل مؤمن كاتب أو غير كاتب. يقرأها كل مؤمن كاتب أو غير كاتب، معنى كاتب: أي الأمي وغير الأمي، الذي يقرأ والذي لا يقرأ سيقرأ منها هذه العبارة. وهذه آية من آيات الله لأهل الإيمان. وأيضا من صفة الدجال الذي جاء به السنة أنه عقيم لا عقب له، فهو لا يتكاثر ولا يتناسل، وإنما يبقى فردا وحيدا، ما هناك أحد يتناسل من ذريته. هذا ما يتعلق، إخواننا في الله، بصفات سريعة في أمر الدجال. نأتي كذلك من مسائل الدجال ومن مباحثه: ما يتعلق بأول خروجه، بأول خروجه على الناس. وكلمة الأولية ها هنا يمكن أن نحملها على عدة اعتبارات: نتحدث عن خروج الدجال في النظر إلى حالة الناس دينيا، أو إلى حالة الناس دنيويا، أو إلى حالة الدجال شخصيا في أوائل خروجه. نتحدث عن أمر الدجال أول ما يخرج على الناس من حيث الدين: خروجه سيخرج في وقت الأمة الإسلامية في أشد قوتها، وانتبه: في أشد قوتها، ليس على ضعفها، ليس على ضعفها، بل على قوتها. سيأتي على الناس زمان يكون لأهل الإسلام قوة قوية ضاربة بحيث أنها تغزو تقاتل، عندها جيوش تذهب يمنى ويسرى. حتى يصل بهم الحال إلى عقد اتفاقيات مع الروم مع النصارى، عمليات مشتركة، إن صح التعبير، نغزو نحن وإياهم عدوا أعداء، نتفق إياهم على قتال هذه الجبهة أو تلك الجبهة أو تلكم البلدة. ويبقى التاريخ حافلا بهذه الانتصارات بيننا فيما بينهم على غيرنا، إلى أن يأتي يوم من الأيام تقع الخيانة عند النصارى، إذ يدعون في أحد الوقائع بأنهم السبب في الانتصار. فيرفعون الصليب، فيأتي مسلم ويدق الصليب فيقتل ويقتل من معه، فحينها تأتي الملاحم بين أهل الإسلام وبين عَبَدي الصلبان. هذه القوة مع شدتها، حينها يظهر الدجال، يظهر الدجال. ويكأن من مهمات الدجال في هذه الأوقات أن يقضي على قوة المسلمين، يقضي على قوة المسلمين التي انتشرت في أسقاع الأرض. هذا ما يتعلق بأول ظهوره دينيا. أما ما يتعلق بأول ظهوره دنيويا، فإن الدجال قبل أن يخرج على الناس فإن الأرض تصاب بقحط شديد، بقحط وججفاف، وذلك بسبب أن السماء تحبس أمطارها، فلا تنزل منها قطرة ما على هذه الأرض، فتهلك المواشي وتموت الأراضي. جاء ذلك في حديث جاء من حديث أبي أمامة عند ابن ماجة قال عليه الصلاة والسلام: إن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات، إن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد يصيب الناس، يصيب الناس فيه جوع شديد، يصيب الناس فيه جوع شديد. هذا قبل الدجال بكم؟ بثلاث سنوات. فحال الناس، حال الدنيا بشكل عام، قبل أن يخرج الدجال ويظهر: تكون الأرض مصابة بالقحط والجدب والجفاف. ثم يظهر هذا من الأولية في خروج الدجال. أخيرا، الأولية في أمر الدجال من حيث العامل الشخصي: أكثر العلماء يذكرون مسألة أن الدجال أول ما يخرج على الناس يكون رجلا من أهل الإسلام، يكون مسلما، يدعي الصلاح والاستقامة والذب والدفاع عن الدين. ويكون له صولة وجولة في الميدان، ثم إذ به بعد فترة يدعي النبوة، ثم إذ به بعد فترة يدعي الألوهية والربوبية. طبعا ما عندي نص يذكر في هذا المقام، لكن هذا مما اشتهر عن كثير من أهل العلم يذكرون هذا عن أمر الدجال. كذلك من المسائل المتعلقة بالدجال، إخواني في الله: متعلقات مسائل الفتنة. هنا وقف، إخواني في الله. صفات الدجال التي سمعناها سلفا تجد أنها صفات من نظر إليها يرى أن الدجال هذا هو الدجال، هذه المصيبة الكبرى، هذه من علامات الساعة. رجل أعور، رجل أفحج، رجل شاب، رجل جعد الرأس. رجل، إيش؟ من فتنة مع هذا الرجل؟ فكيف إذا علمت مع صفاته أن الأنبياء بل كل الأنبياء تواترت كلماتهم على التحذير منه؟ بل جعلها نبينا صلى الله عليه وسلم أعظم فتنة وجدت على وجه الأرض. لهذا قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم من حديث عمران قال: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال، أي: من حيث الفتنة. من خلق آدم إلى أن تقوم الساعة ما هناك مخلوق فيه من الفتن العظام ما للدجال. وجاء كذلك في حديث أنس رضي الله تعالى عنه كما جاء في البخاري ومسلم قال عليه الصلاة والسلام: ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب. ما بعث نبي، ما من نبي ما يأتي نبي إلا وكان من شريعة التحذير من الدجال، التحذير من الدجال. حتى جاء في حديث آخر خارج الصحيح قال رسول الله: ما من نبي إلا وحذر أمته من الدجال، وإني لأنذركموه، وأنتم آخر الأمم، وإنه خارج فيكم لا محالة خارج. كان الظن أنه سيخرج في الأمم السابقة، لكنه سيخرج فيكم. إذن مع هذا كله، فلماذا هذا التحذير كله؟ وقد رأينا من صفاته التي يمكن أدنى إنسان بأدنى كم يقال عقلية وأدنى تدين يعرف أن هذا رجل مبطل، فضلا أن يدعي الربوبية. هنا تأتي البلية: أن الله عز وجل أعطاه فتن، أعطاه خوارق للعادات، شيء تذهل عنده العقول وتطيش الأفئدة وتزل عنده الأقدام. ولهذا من عظيم ما آتاه الله يضل الكثير من الناس في فتنة هذا الرجل. وها أنا أذكر على وجه الإيجاز شيئا من فتنته التي صحت به الأخبار. من ذلك ما يتعلق بسرعة انتقاله في الدنيا، مشيه، انتقاله، ليس بالأمر السهل، وليس بالأمر الذي يتصوره أي إنسان. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء من حديث النواس بن سمعان حين سئل رسول الله عن إسراع الدجال في الأرض قال: كالغيث استدبرته الريح، كالغيث إذا استدبرته الريح. سريع جدا، سريع جدا في مشيه، تجده هنا في لحظة في بلدة، في لحظة في بلدة، في لحظة في بلدة أخرى. ولهذا سيأتي معنا أن الدجال ما من بقعة ما من بلاد إلا وسيدخل إليها، لعظيم ما آتاه الله عز وجل من سرعة الانتقال، إلا ما كان من حرمي الله: مكة والمدينة، فإنه لن يستطيع على دخولها مع أنه يريد وقادر عنده، لكن يمنع كما سيأتي معنا. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ليس من بلد إلا وسيطأه الدجال، إلا وسيطأها الدجال، إلا مكة والمدينة. ولهذا ذهب جماهير العلماء إلى صحة هذه مسألة، إلا ما كان من ابن حزم أنه استبعد هذا، استبعد هذا: أن الدجال يدخل كل بلد، لكن ما قاله العلماء صحيح. فسرعة الدجال تعطيه فتنة في أن ينتشر هنا وهناك. كذلك من فتنة الدجال ما جاء من مسألة الجنة والنار: يأتي بما يشبه الجنة والنار، مثل ليست جنة أو نار، لا، مثل الجنة والنار. لهذا جاء في بعض الأحاديث قال: يجيء ومعه مثل الجنة والنار، مثل الجنة والنار. وجاء في الصحيحين من حديث حذيفة قال عليه الصلاة والسلام: إن معه ماء ونارا، معه ماء ونارا. قال: ثم أمر نبينا صلى الله عليه وسلم حقيقة الأمر، فقال: فناره ماء بارد، وماؤه نار. رواه مسلم. وهذا من الدجل، أي: أنه يأتي بمثل الماء وبمثل النار، يوهم الناس. من كان من أتباعه أدخلوا إلى هذه الماء الباردة، فإذا دخلوها فإذا بها نار تحرق. ومن كفر به ومن عاند ومن خرج عن طوعه: أزم بأن يدخل إلى النار. وهذه النار في حقيقتها ماء بارد، هذا هو الدجل الذي يأتي به الدجال، يخادع الناس بجنته وناره، وعلى خلاف ما جاء، لكن يوهم هنا المصيبة. يوهم أتباعه أنه بيده الجنة وبيده النار، وليس كذلكم. ولهذا جاء في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: فإن أدركه أحد فليأتي الذي يراه نارا، أي: أن لأحدا منا ابتلي وعرض على الدجال، وعرض عليك الدجال: إما أنك تنجو وادخل الماء وادخل الجنة، وإما أن تدخل النار، فالويل لك. قال نبي نافع: فإن أدركه أحد فليأتي الذي يراه نارا، وليغمض، ثم ليطاطئ برأسه فليشرب منه، فإنه ماء بارد. هكذا قال عليه الصلاة والسلام. فهذه من فتنة الدجال: أن يخدع الناس بناره ومائه. كذلك من فتنة الدجال ما كان من استعانته بالشياطين. ولا شك ولا ريب أن الشياطين تخدم من كان غاية في الضلال، ولهذا تخدم السحرة والكهانين والمشعوذين ومن كان من الزنادقة والملاحدة ومن الأبالسة. والدجال هو الدجال الأكبر، ما هناك أحد يزيد عليه. ولهذا فإن الشياطين طوع خدمة، ينقادون لأمره، ويسهلون من فتنة. ومن ذلك ما جاء في السنن من حديث أبي أمامة قال: قال عليه الصلاة والسلام: أي: إن من فتنة الدجال أن يقول للأعرابي: يبحك على الناس، يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟ أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، كيف ما أشهد؟ تحيي لي أبوي، تخرجهم أحياء من قبورهم، أشهد لك بالعشرة أنك رب، العياذ بالله. هذا من؟ الأعرابي الذي ما عنده عقيدة ولا يقين. قال: فيقول نعم، فيتمثل له شيطان على صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني، اتبعه، فإنه ربك. فتنة ما فتنة هذه؟ فتنة عظيمة، فتنة عظيمة، عندما يأتي مثل هؤلاء ويرون هذه الأمارة، كيف أن هذا الرجل يحيي يحيي الأموات، يحيي الأموات، فيحيي الآباء ويحيي الأجناد. لكن بشرط: يحييهم بشرط أن تشهد لي بالربوبية، فيسقط الكثير من الناس في ماذا؟ في هواه وفي فتنته. كذلك من فتنة الدجال ما يكون من استجابة الجمادات واستجابة الكنوز لأمره. فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث النواس رضي الله تعالى عنه: أنه يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت. هذه فتنة عظيمة، طبعا هذا لمن؟ لمن اتبعه، يأتي إلى بلاد وإلى قرى وأمصار، فيدعي أمامهم بالألوهية والربوبية: أنا ربكم، أنا إلهكم. فإذا كان منهم الرضا والتصفيق والإيمان به، حينها يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت. فتنة عظيمة جدا. وإنه كما قال عليه الصلاة والسلام: وإنه ليمر بالخربة فيقول لها: الخربة، أي: الأرض الخراب المدمرة، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعك يعاسي بالنحل. تخيل: يأتي إلى خراب ويأمر هذه الخراب أن تخرج ما تحتها من الأنقاض، من الكنوز المدفونة، فترتفع وتهتز الأرض، فتخرج الذهب والمجوهرات والكنوز المخبأة في الأعماق. تخرج وتسير خلفه، وهي لمن يعطيها لأتباعه، أصحابه. بخلاف الذين لا كفروا به، فإن الأمر عندهم يزداد سوءا، ابتلاء وتمحيصا. وهذا من البلاء العظيم. وهذا، إخواني، يدلكم على عظيم فتنة الناس بهذا الرجل العظيم، ما يرونه من ماذا؟ مما يأتي به من خوارق العادات. وأخيرا مما أذكره من مسائل الدجال ومن فتنته: ما جاء في مسألة الملكين الذين يأتيان معه. فقد أخبر عليه الصلاة والسلام كما جاء من حديث سفينة مولى رسول الله عليه الصلاة والسلام، والحديث في مسند الإمام أحمد: بأن الدجال يخرج على الناس ويأتي معه ملكان، لكنهم على صورة نبيين من أنبياء الله. قال عليه الصلاة والسلام: ولو شئت لسميتهم، لو شئت لأتيت بأسمائهم وأسماء آبائهم، لكن ما أتى بأسمائهم، لكن أتى بملكين يأتيان على صورة نبيين، فيبقى أحدهم عن يمين الدجال، وآخر عن شماله. فيقول الدجال مخاطبا للناس: ألست بربكم؟ ألست أحيي وأميت؟ فيقول أحد الملكين يقول: كذبت. لكن هنا ماذا؟ ما يسمعه الناس، الناس ما يسمعون لتكذيب هذا الملك الذي جاء على صورة نبي، ما يسمعونه. طيب، صاحبه وهو الملك الآخر سمع كلام الملك عندما قال: كذبت، فيؤيده فيقول: صدقت، صدقت. على ماذا؟ على كلام الملك الأول. لكن الناس يسمعون العبارة، ما هي العبارة؟ صدقت. طيب، أنتم الآن علمتم الحوار: رجل كذب أتى بفرية، الملك الأول كذبه، والثاني صدق أخاه، صدقت يا أخي بأن هذا الكذب، هذا الذي فهمنا، لكن الناس ما الذي بلغهم؟ الأول ما سمعوه، وإنما سمع الثاني. إذن الحوار الذي صار عند الناس: أن الدجال ماذا قال؟ قال: ألست بربكم؟ ألست أحيي وأميت؟ سكوت. يأتي الرجل: صدقت. من الذي صدق؟ الملك الذي أتى في ظاهر كلام الناس أنه يؤيد دعوة دجال. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: وهذه فتنته، وهذه فتنته. والحديث في الجامع الصحيح. فالشاهد، إخواني في الله، تجدون أن هذا الرجل أتى بأمور عظام جدا، ولهذا يقثر أتباعه في أسقاع الد