الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 404، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول شرح حديث عن أبي سعيد الخدري يروي حكم النبي في نزاع على حريم نخلة، حيث قضى بسبعة أذرع. يُفسر الحريم على أنه الفناء المحيط بالبيت أو المزرعة.
يناقش عدم جواز أخذ الفناء إذا كان ممرا للناس أو للدواب أو للسيارات، بينما يجوز إذا كان لأجل مصالح البيوت. كما يشدد على عدم إضرار الأفراد بإخوانهم المسلمين عند استخدام الطرق.
يشرح مسؤولية الفرد عن الأضرار الناجمة عن سوء استخدام الطرق، مثل وقوف السيارات في أماكن غير مسموح بها. كما يحذر من الظلم وعواقبه الوخيمة على المسلمين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله-: قال أبو داود -رحمه الله-: حدثنا محمود بن خالد، محمود بن خالد المروزي ثقة، أن محمد بن عثمان حدثهم، قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، وهو الدراوردي، عن أبي طوالة، وعمر بن يحيى عن أبيه، وأبو طوالة وعمر بن يحيى كلاهما مدني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: اختصم إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رجلان في حريم نخلة. في حديث أحدهما -يعني في حديث أبي طوالة وعمر بن يحيى- قال: فعمر بها، فذرعت، فوجدت سبعة أذرع. وفي حديث الآخر -أي عمر بن يحيى-: فوجدت خمسة أذرع، فقضى بذلك. قال عبد العزيز: فأمر بجريدة من جريدها، فذرعت. هذا حديث حسن. وهذا الحديث فيه الاختلاف في الحرم، ونراد بالحرم والحريم المكان أو الفناء الذي يكون عند البيت أو عند المزرعة، بين المزرعتين أو بين البيتين، فإنه يكون فناء. فكم يكون هذا الفناء؟ أما عند الاصطلاح فليس هناك شيء محدد، إذا كان يتصالحون على شيء بينهم، ما لم يضر، ما لم يضر في طريق الناس. أو إذا كان هذا المكان طريقًا لا يجوز أن يؤخذ هذا الحريم ويستغل، بل يكون طريقًا للناس. وأيضًا لا يجوز إذا كان له شيء يضعه في هذا الحريم -سيارة أو دابة أو شيء مما يكون له- يضعه في طريق الناس، فإنه يمر في هذه الطريق الدواب، بل والناس، ومنهم من هو ينظر، ومنهم من لا ينظر، أي من العميان، فقد يقع في شيء من ضرر هؤلاء، فهو يتحمل هذا الضرر. لأن هذا الفناء العامل -أعني الذي يكون عند البيوت أو عند المزارع- العامل أنه ليس له، لكنه إن كان هناك مثلًا لا يضيق على طريق الناس، فهو حق بهذا الفناء، فهو معناه إذا تنازع، إذا نازعه أحد في هذا الفناء، فهو حق به. والنبي -عليه الصلاة والسلام- حكم كما جاء أيضًا كذلك في الصحيحين، في حديث أبي هريرة، حكم بسبعة أذرع. وهذا الحديث أيضًا فيه أنه سبعة أذرع. والسبعة الأذرع، الذراع يقولون أنه خمسة وأربعين سنتيمترًا، معناه قرابة الثلاثة أمتار، ثلاثة متر وشيء ونصف، أو كذا، ثلاثة متر ونصف. يكون بين المزرعتين أو بين البيتين عند الاختلاف. لكن هذا في عرفنا الآن قد لا يكفي، قد لا يكفي لمرور السيارات، مرور مثلًا سيارات الماء، سيارات الإطفاء، فثلاثة متر ونصف قد لا تكفي، قد يراد أكثر، وخاصة في الشوارع العامة. فلهذا العامل أنه إذا اختصم الناس يجعلون بينهما مرور الدواب، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل هذه سبع أذرع لمرور الدواب ومرور الناس، لكن الدواب أكثر لأنها تحتاج إلى سعة أكثر. فلهذا قال العلماء: أن هذا حكم لمرور الأشياء التي يحتاجها الناس. فلهذا إذا أراد أن يأخذ في هذا الفناء لا يجوز له أن يأخذ إذا كان سيضر بالناس وسيضر بالمارة. وإن أراد أن يأخذ في الفناء -يعني في سطحه- فلا بأس إذا كان لا يضر أيضًا بالمركوبات التي تمر، إذا كان مثلًا سيعمل بلكونة في بيته، أو مثلًا بيت وبجانبه بيت أخيه يحتاج مثلًا جسرًا يضع جسرًا بينه وبين أخيه، فهذا الجسر لا يكون منخفضًا حتى لا يمر -يعني يضايق السيارات- وإنما يكون مرتفعًا، لا بأس إذا كان يمر السيارات مرورًا لا يضرهم. فهذا عند الأماكن التي يمر فيها الناس والدواب، وكذلك في هذا الوقت السيارات، وكذا ما تحتاجه الناس. وأما إن كان مثلًا عد أو عد هذا الحريم أو الشارع أو الفناء، وعد لأجل مصالح البيوت، فإنه لا بأس أن الإنسان يجعل فيه مصلحته؛ لأنه ليس ممر الناس ولا ممر الدواب، ما لم يضيق على الشوارع الناس. فإن كان هذا ليس ممرًا وإنما جعل فناء للبيوت لأجل المصالح، مصالح البيوت من الأحواش أو من غيرها، فهذا لا بأس أنه يفعل له حوشًا لأغنامه أو لغيره. وأما أن يجعل هذا الحوش في طريق الناس ويضيق على الناس طريقه، هذا لا يجوز. فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قد قال: «من اقتطع من أرض شبرًا طوق يوم القيامة سبع أراضين»، فلا يجوز لأحد أن يأخذ من هذه الأرض شيئًا ليس له، وخاصة كما قلنا في إن كان فيه مضايقة للناس. فإن الله -عز وجل- يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. فكل ما كان فيه ضرر فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضرر ولا ضرار»، وجاء في اللفظ الآخر: «من ضر ضر الله به، ومن شاق شاق الله عليه». فلهذا فإن الضرر يزال، فكل ما كان ضررًا على الناس فإنه يزال، وإلا فالحريم أو كذلك الفناء حق به صاحب البيت إذا لم يكن طريقًا للناس ومنفعة للناس. وأما كان هناك منفعة للناس فإنه ليس له حق أن يفعل فيه شيئًا. كذلك أيضًا إذا اختصم الجاران على مزرعة -معنى طريق مزرعة أو طريق بيت- فإنه يجعل كما جاء في الحديث سبعة أذرع، لكن كما قال العلماء الآن يؤخذ بالعرف. فإن هذه المسافة لا تكفي لمرور سيارة، تكفي لمرور سيارة لكنها بضيق، سيضيق على السيارة التي تمر. فلهذا يجعل أكثر من سبعة أذرع حتى تمر السيارات التي يحتاجون إليها أو سيارات البيوت. ولهذا تجد كثيرًا من الناس لأنه لم يبالوا بهذه الأشياء، فتجد يضيق على الناس بعض البيوت في الأماكن المزدحمة، غالبًا في المدن الكبيرة. غالب البيوت تجد ما يستطيعون أو ما يستطيع الشخص أن يدخل سيارته إلى بيته، وإنما يركنها بعيدًا عن بيته، لماذا؟ لأن أناسًا أخذوا الأماكن التي تمر فيها السيارات، إما فعلوا لهم حواش أو وضع سيارته في طريق الناس، أو غيرها من هذه الأمور التي تحصل كثيرًا، وخاصة كما قلنا في المدن المزدحمة. فلهذا فينبغي المسلم أن يراعي إخوانه المسلمين، فلا يضر بهم، فما كان من ضرر فإنه لا بد أن يزال هذا الضرر ولا يجوز. وما حصل من وما يحصل من فقدان شيء أو ضرر شيء أو مثلًا خرابه إذا كان مثلًا أو موته مثلًا من دواب أو شيء يكون عليه فيه فوات، فإنه يكون ضامنًا، يكون ضامنًا إذا كان فعل شيء غير شرعي، فضيق الطريق على الناس أو وضع شيء ليس له. وأما إن كان على الطريق الصحيحة، وجنب سيارته بطريقة صحيحة، وهناك مكان يمر فيه الباعة، فجاء إنسان مثلًا أو سيارة ارتطمت بسيارته، فإنه لا علاقة له بذلك. أو مثلًا تكون سيارة على الشارع العام، وهناك مسافة وقد قدر مثلًا المرور أنهم معنى مكان يقف فيه السيارات، فأوقف سيارته في ذلك المكان، ثم جاءت سيارة مثلًا فارتطمت بها أو حكت بها أو شيء كسرت شيء، فهي تضمن هذا الذي كسر؛ لأن الطريق لم يضايق عليه. وأما إن كان قد مثلًا أوقف سيارته خطأ في مكان ممنوع الوقوف فيه، فحصل شيء من ذلك، فإنه يضمن، أي هذا الواقف الذي أوقف سيارته في ذلك المكان. وهذا له أحكام كثيرة في هذا الباب، أحكام الدواب، وكذلك أحكام الطرق. وقد ذكر الفقهاء أبوابًا في هذه الأمور، سواء كان في المخاصمات أو في أحكام الطرق والشوارع التي تكون بين الناس. فينبغي المسلم أن يهتم بمثل هذا؛ لأنه فيه شيء معنا، إذا كان ضررًا بالناس، فهو قد ظلم، دخل في الظلم والعياذ بالله. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.