الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 406

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 406

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 406، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

توثيق رواة السيرة النبوية وأهمية علمائها

يتناول توثيق رواة السيرة النبوية وأهمية علماء مثل ابن إسحاق وعاصم بن عمر بن قتادة في نقل السيرة النبوية. يتناول آراء العلماء في توثيقهم وتقييم رواياتهم.

توزيع الغنائم بعد غزوة حنين وتأليف قلوب كبار قريش

بعد غزوة حنين، قام النبي صلى الله عليه وسلم بتوزيع الغنائم على كبار قريش ورؤساء القبائل العربية لتأليف قلوبهم على الإسلام. أثار هذا التصرف استياء بعض الأنصار لعدم حصولهم على شيء.

خطاب النبي للأنصار وتوجيههم بعد توزيع الغنائم

خطب النبي صلى الله عليه وسلم في الأنصار ووجّه لهم حديثًا يذكرهم بنعم الله عليهم ويطمئنهم بشأن توزيع الغنائم. أعربوا عن رضاهم وسرورهم بذلك ثم دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم بدعاء عظيم.

درجة حديث توزيع الغنائم وطرق روايته

شرح درجة الحديث وسبب تصنيفه بالحديث الحسن، وأكد صحته من خلال طرق روايته المختلفة وورودها في مصادر الحديث المعتمدة مثل البخاري ومسلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا يعقوب - وهو إبراهيم بن يعقوب بن عبد الرحمن بن عوف، أبو يوسف القرشي الزهري - وهذا بيت علم، وهو بيت صحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف، ويعقوب من نسل ابنه إبراهيم - قال: حدثنا أبي - وهو إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف - قال: عن ابن إسحاق. وإبراهيم بن سعد هو من أوثق الناس في ابن إسحاق، قال: عن ابن إسحاق، ومحمد بن إسحاق بن يسار المدني كان موسوعة في العلم، خاصة في السيرة والتاريخ، فكان موسوعة علم، ولهذا ألف كتابه «المغازي»، وهذبه ابن هشام، سماه «تهذيب سيرة ابن إسحاق»، وهو إمام أهل السير، ابن إسحاق يعتبر إمام أهل السير، وثقته وثقة العلماء به أكثر من ثقتهم بالواقدي، إلا أنه كان في الحديث يدلس كثيرا. وأيضا كذلك كان رجلا من أهل اللغة والأدب، فأحيانا يتصرف في الحديث أو في معنى الحديث، يعطي بعض الألفاظ له، حتى كما قال إمام البردعي أبو بكر البرديجي رحمه الله: «قال ابن إسحاق: يروي عن الزهري، فينضغ حديث الزهري بمنطقه، حتى يقال: إنه ليس هو الحديث الذي رواه عنه الناس»، أنا من كثرة معرفته باللغة أنه يصيغ سياقا معنى، يصيغ سياق الحديث على القصة. قال: عن ابن إسحاق، وأيضا في روايته بعض المناكير، لكن إذا حدث فإن حديثه مقبول، قال: وحدثنا عاصم بن عمر بن قتادة - وهو أوسي أنصاري - وهو عالم الأنصار بالسيرة، كان عالما بالمغازي والسيرة، قد وثقه العلماء، ولم يضعفه أحد. وأما قول عبد الحق الأشبيلي: «إنه ضعفه بعض العلماء»، فليس بصحيح، لم يضعفه أحد، حتى ابن معين وثقه؛ لأن ابن معين له مقالة يقول: «كل عاصم في الدنيا ففي حديثه شيء»، يريد أيش من رواة الحديث ممن يسمى بعاصم، وهذا إنما قالها؛ لأن أكثر من روى عنهم الحديث، وخاصة أكثر في الحديث، فتجد في روايتهم شيئا، مثلا يريد عاصم بن عبيد الله العمري، وهو مكثر في الحديث، وحفظه فيه ضعف. كذلك عاصم أيضا عاصم الواسطي، عاصم بن علي الواسطي أيضا في حديثه ضعف، لكن البخاري قد روى عنه، وغيرهم من هؤلاء ممن يسمى بعاصم، لكن رد على الإمام ابن معين: أن هناك من يسمى بعاصم وهو ثقة لا شك فيه، منهم عاصم الأحول، وعاصم بن عمر بن قتادة، بل وعاصم بن عمر بن الخطاب، وهذا قد لا تكفي أن يقال فيه: «ثقة عاصم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب»، والد حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، فلهذا فالقاعدة هذا ظاهر على الأغلب، ليس قاعدة مضطردة، فلهذا فعاصم بن عمر بن قتادة هو من ثقات الأنصار، ثقات أهل المدينة الذين كانوا أعرف الناس بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: عن محمود بن لبيد - هو أشهلي أوسي أنصاري - محمود بن لبيد صحابي صغير، وهو من بني الأشهل، عن قوم سعد بن معاذ، قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: «لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب»، يقول أبو سعيد: «لما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم هذا بعد حنين، لما جاء من حنين غنم مغانم كثيرة من هوازن وغطفان وثقيف، فغنم النبي صلى الله عليه وسلم منهم مغانم كثيرة، فأعطى عليه الصلاة والسلام بعض كبار قريش لتألفهم على الإسلام، فأعطى أبا سفيان أعطى أبا سفيان مئة من الإبل، وأعطى كذلك بعض رؤساء قبائل العرب كعيينة بن حصن والأقرع بن حابس وزيد الخير وزيد بن علاقة وغيرهم من هؤلاء، أعطاهم كلهم مئة من الإبل، وأنقص مرداس الأسلمي لم يعطيه مئة، فجاء بذلك الشعر كما في البخاري: «أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع...» إلى آخره، فأعطاه فأتم النبي عليه الصلاة والسلام له المئة. قال: «فوجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم»، أنا جماعة الأنصار سواء كان من الأوس أو الخزرج، وجدوا في أنفسهم: كيف النبي صلى الله عليه وسلم لا يعطينا شيئا من هذه الأموال؟ قال: «حتى كثرت فيهم القالة»، كثرت فيهم الكلام فيما بينهم بهذا: كيف النبي صلى الله عليه وسلم يتركنا ولا يعطينا شيئا؟ قال: «حتى قال قائلهم: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه»، يعني أنه لما لقي قومه أعطاهم، وهذا لم يقله ذوو الهيئة منهم وذوو اللحى منهم، وإنما قاله صغارهم وشبابهم وفتيانهم، أنا شباب الأنصار، قالوا: كيف لم يعط النبي صلى الله عليه وسلم شيئا لما لقي قومه أعطاهم؟ قال: «فدخل عليه سعد بن عبادة»، فقال: «يا رسول الله، إن هذا الحي - أي الأنصار - قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمته في قومك وعطيت عطايا عظيمة في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء»، وهذا مما أخذ أيضا أن العالم ينبغي أن لا يساء به الظن إذا علم أنه عالم رباني، فلا يجوز أن يساء به الظن ولو كان ظاهر الأمر كذلك، فقد يضطر الإنسان أو العالم إلى شيء لأسباب. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام فعل ذلك، ليس زهدا في الأنصار، بل كان يحب الأنصار أكثر من غيرهم، ولم يكن كذلك فعل ذلك لأجل شيء من الدنيا، وإنما فعل ذلك لأجل الإسلام ورفعة الدين ودخول الناس أيضا في الإسلام؛ لأن إعطاء مثل هؤلاء يثبتهم على الدين، وإذا ثبت هؤلاء فإنهم يثبتون غيرهم؛ لأن الناس كانوا بقادتهم، أن الناس - العرب - كانت كلمة قادتهم عندهم مثل القرآن، كأنهم شيء من الله، فلهذا كانوا يعظمون رؤساءهم، لكن إذا دخلوا الإسلام سيعرفون أن هذا خطأ، وأن الواجب على المسلم أنه ينقاد لله عز وجل ولا ينقاد لبشر. فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألفهم على الإسلام، يتألف هؤلاء رؤساء القبائل على الإسلام فيعطيهم، فقال: «هؤلاء الحي من الأنصار رضي الله عنهم مثل هذا الكلام»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» أنا لماذا لم ترد عليهم وتلتمس العذر لي؟ قال: «يا رسول الله، ما أنا إلا امرؤ من قومي، وما أنا إلا واحد من قومي»، قال: «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة»، قال: فخرج سعد فجمع الناس في تلك الحظيرة - أنا الحظيرة تكون للأغنام، وتكون متسعة - فجمعهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحظيرة. قال: «فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخل، وجاء آخرون فردهم»، أنا كان يظن أنهم سيقلون لما ترك الأولون، جاء أيضا غيرهم فردهم، حتى لا يكثر المهاجرون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما طلب أن يأتي الأنصار، قال: «فلما اجتمعوا أتاهم سعد»، فقال: «قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار»، قال: «فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل»، يثنى على الله عز وجل، وهذا من السنة أنه يحمد الله عز وجل ويثني عليه. قال: «يا معشر الأنصار»، النبي عليه الصلاة والسلام يخاطب الأنصار: «يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها في أنفسكم»، يعني وجدتم شيئا في أنفسكم، صار كأنكم أخذتم في أنفسكم من هذا الأمر، وهذا يدل على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من خلق عظيم، وأنه كان عليه الصلاة والسلام يستشعر أصحابه، وكذلك حسيسهم، فلا يجرحهم في ذلك. قال: «ألم آتيكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟» قالوا: «بل الله ورسوله أمن وأفضل»، وجاء في رواية البخاري ومسلم في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري: «أنهم كانوا يقولون: الله ورسوله أمن»، وجاء في رواية: «المنة لله ولرسوله»، حق من يمن على الناس هو الله سبحانه وتعالى، فلهذا يذكرهم النبي عليه الصلاة والسلام بمنة الله عز وجل عليهم بنعمته أن هداهم إلى هذا الإسلام، وأغناهم بعد أن كانوا فقراء، وأيضا ألف بين قلوبهم بعد أن كانوا أعداء. قال: «أما والله لو شئتم لقلتم: فلصدقتم وصدقتم»، لو قلتم مثل هذه الكلمات التي ستأتي، قال: «أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا؟» اللعاعة: الشيء الحقير، وقيل: إن اللعاعة هو النبات الأخضر أول ما ينبت، مثل الفسيلة، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا، تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟» ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان من رآه من أهل الإيمان يوكله على إيمانه، وتوكله على الله. قال: «أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟» والذي نفسه محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، أنا الهجرة؛ لأني هاجرت من مكة إلى المدينة، فهو أنا مهاجر عندكم، قالوا: «لو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار»، وهذا دعاء عظيم دعا النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار وأبناء أبنائهم وأبناء أبنائهم. قال أبو سعيد: «فبكى القوم حتى اخضلوا لحاهم»، وقالوا: «رضينا نبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظا»، رضوا بالنبي عليه الصلاة والسلام من هذه الدنيا التي أعطاها لغيرهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم خيرا لهم وأعظم، قال: «ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقنا». قال شيخنا حفظه الله: «هذا حديث حسن، وإنما قال: حسن؛ لأنه من رواية ابن إسحاق، وابن إسحاق روايته كما قال الإمام الذهبي: حديثه إذا صرح بالتحديث فحديثه حسان أو من قبيل الحسان»، وقد جاء هذا الحديث أيضا أخرجه أحمد من طريق الأعمش عن أبي صالح وأبي سعيد، وجاء كذلك من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد، فهو صحيح لا شك فيه عن أبي سعيد، وكذلك جاء في الصحيحين في البخاري ومسلم عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري رضي الله تعالى عنهم، فهذا - إن شاء الله تعالى - ما يدل على أن الحديث صحيح.