المحاضرة بعنوان الحكمة في الدعوة إلى الله، وكانت بمسجد السنة بالمركز الجديد بتبالة ١١ صفر ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الدعوة إلى الله تعالى تعتبر من أجل القربات وأعظم الطاعات، وهي وظيفة الأنبياء والرسل، وقد مدح الله تعالى الدعاة وأثنى عليهم. الدعوة ليست حكرًا على فئة معينة بل هي مسؤولية كل مسلم.
أجر الداعي إلى الله عظيم حيث يحصل على أجر من هداه الله على يديه دون نقص من أجورهم، وقد دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. الداعي يحصل على أجور عظيمة مثل أجور من اتبعه.
يجب على الداعية أن يكون مخلصًا في دعوته إلى الله، ولا يدعو إلى نفسه أو أفكاره، بل يدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله. الحكمة ضرورية للداعية وتشمل مراتب الدعوة الثلاث حسب مراتب الناس.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، إخواني في الله، حقيقة هذه المحاضرة هي عبارة عن وقفات مع قوله جل وعلا: ﴿أدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾. ومن خلال ذكر ما يتعلق بهذه الآية من فوائد، حينها سندخل في مضمون الإعلان الذي أعلن به المحاضرة، وهو الحكمة في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. وقبل المضي، إخواني في الله، في ذكر ما يتعلق بالآية الكريمة وما فيها من مسائل وفوائد، تلميحة وإلماحة حول السبب في اختيار هذا الموضوع، أولًا إخواني في الله، من أعظم الأسباب أن هذا الأمر، ألا وهو الحكمة في الدعوة إلى الله، من الأمور الشرعية التي ندب إليها الشرع وحث عليها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه، وأمر بها عباده: ﴿أدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة﴾. فبما أن هذا من المسائل الشرعية، فحقه أن يفهم وحقه أن يوضح، إذ أن ذلك من الاهتمام بما اهتم به شرعنا الكريم. ثانيًا، من أسباب اختيار هذا الموضوع، الإهمال الذي نجده من كثير من الجماعات والدعوات التي سارت في شرق الدنيا وفي غربها، رافعة شعار الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، إلا أنها لم ترفع رأسًا بهذا القيد، وهو قيد الحكمة. فتجد أن بعض الجماعات قد عريت دعوتها تمامًا من الحكمة، همها نشر ما تريد أن تنشره، سواء كان ذلك بحكمة أم ليس بحكمة. إذن، كان الأمر، إخواني في الله، يتطلب أن نضع هذا القيد في وزنه وميزانه الذي أمر الله عز وجل أن يوضع فيه. ثالثًا، مما يدل على أهمية هذا الموضوع، أننا نتعرّف جميعًا، إخواني في الله، على حقيقة الحكمة، وذلك من حيث معنى، ومن حيث الضوابط، ومن حيث الأركان التي جعلها العلماء شرطًا في قيام هذا المفهوم، مفهوم الحكمة. له أركان، كما أن للإسلام أركان لا قوام إلا بها، فالحكمة لها أركان لا قوام لها إلا بذلك. إذن، نتعرّف جميعًا على أركانها، وعلى ضوابطها، وعلى معنى الحكمة. الآية، إخواني في الله، قال ربنا جل في علاه: ﴿أدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾. من عظيم ما يستفاد، إخواني في الله، في مطلع هذه الآية، قوله سبحانه وتعالى: ﴿أدعُ﴾. الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، إخواني في الله، تعتبر من أجل القربات، ومن أعظم الطاعات، بل تعتبر من أعظم شعائر الإسلام. وكم جاءت في حقها من فضائل، وكم ذكرت في شأنها من مناقب. الدعوة إلى الله، يا عبد الله، تعتبر هي وظيفة الأنبياء والرسل. ما من نبي، ما من رسول، بعثه الله عز وجل، إلا وكان من أولويات أعماله، ومن أهداف بعثته، أن يخرج إلى الناس داعيًا. وعلى رأسهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا﴾. أرسله ربنا عز وجل داعيًا يدعو الناس إلى هذا الخير، يدعو الناس إلى هذا الدين. حمل نبينا، صلوات ربي وسلامه عليه، على عاتقه هذه الوظيفة، وظيفة التبليغ، وظيفة الدعوة. ما ترك سهلًا ولا جبلًا ولا واديًا ولا حيًا إلا وقام فيه خطيبًا، قائلًا: ﴿يا أيها الناس اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾. ما ترك مجمعًا من الناس، ما ترك موضعًا يجتمع فيه الخلق، إلا واستغل هذا المقام، وذاك الموقع، وهذا المحل، في تبليغ دين الله عز وجل. وإنه عليه الصلاة والسلام، إزاء هذا التبليغ، وإزاء الدعوة إلى الله عز وجل، لاقى ما لاقى من المصائب، ومن المشاق، ومن المتاعب. فهذا يسبه، وذاك يشتمه، وآخر يتطاول عليه، وذاك يتجاسر عليه، إما بالبصاق على وجهه، أو الأخذ بتلابيب ثوبه، أو بوضع سل الجزور على ظهره، صلوات ربي وسلام عليه. ناهيك وفضلًا عن عدة محاولات حاول فيها الكفار قتله، وإزهاق روحه عليه الصلاة والسلام. ومع هذا كله، مع هذا العنت الذي أصيب به نبينا عليه الصلاة والسلام، كانت آيات الدعوة تتنزل عليه. مع هذا كله، آيات الدعوة تتنزل عليه، يأمره ربه عز وجل أن يصبر، وأن يمضي قدمًا. هذه الآية التي بين أيدينا: ﴿أدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة﴾، هذه آية مكية، نزلت على نبينا قبل الهجرة، وكان يعيش بين كنفي أهل الكفر، صبر واحتسب عليه الصلاة والسلام. هذا، إخواننا في الله، دلالة على أن هذا الأمر هو وظيفة الأنبياء والرسل، الدعوة إلى الله، يا عبد الله. من فضائلها أنها تعتبر وسام شرف، وسام شرف لهذه الأمة المحمدية، جعلها ربنا عز وجل من خيرة الأمم. أتدري لماذا؟ أنها تميزت بمزايا، فاستحقت الخيرية. أتدري ما هي المزايا، يا عبد الله؟ أو من أعظمها مزية هذه الشعيرة، قال ربنا جل في علاه: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾. وهذه من تبعات الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. حازت الأمة المحمدية على خيرة المقامات بين الأمم، لهذه الشعيرة أيضًا، إخواني في الله، الدعوة إلى الله عز وجل. بلغ من شرفها، ومن قدسيتها، عند ربنا عز وجل، أن الله سبحانه وتعالى مدح أهلها، ورفع من قدر أصحابها، وزكى أهلها. قال ربنا جل في علاه، موضحًا، مبينًا حال الدعاة، ومن هذا الذي يوازيهم؟ لا أحد. قال ربنا جل في علاه: ﴿ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين﴾. ومن أحسن قولًا؟ الإجابة: لا أحد. ما هناك أحد أبدًا يداني، أو يوازي، أو يساوي، من دعا إلى الله جل في علاه. وللحسن البصري، رحمه الله تعالى، عبارة شهيرة، يوضح فيها أعظم المعاني، في بيان منزلة الداعي إلى الله، حيث قال، رحمه الله تعالى: «هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا حبيب الله، هذا خيرة أهل الأرض، إلى الله دعا الناس إلى الله سبحانه وتعالى». ثم قال: «هذا ولي الله». فلا أحد، يا عبد الله، أبدًا يداني، ولا يوازي، من إن برى لهذا المقام، أن يكون داعيًا، يجعو إلى الله سبحانه وتعالى. الدعوة إلى الله، يا عبد الله، من فضائلها أن من خاض في غمارها، وصبر على لأوائها، تحصل على أجور، لنقطاع لها. ثبت في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص من أجورهم شيئًا». تخيل أثر الهداية، يا عبد الله. لأن الله هدى بك واحدًا، في طيلة عمرك، تخيل في عمرك كله، تمت هداية رجل من الناس على يديك، فكان مصليًا، كان مزكيًا، كان قائمًا بأمر الله، كان ذاكرًا لله. اعلم، يا عبد الله، أن ما يتلفظ به، وما يفعله من عمل، إلا وكان أجره يرجع إليك. هل أنت، وأنت ما دمت على ظهر الأرض؟ لا، ولمت، ولو كنت في باطن الأرض، ولو كنت ميتًا، فإن أجر العامل الذي اهتدى على يديك، فإن أجره يصل إليك، وأنت في قبرك. تخيل إذا كانوا ثلاثة، تخيل إذا كانوا أربعة، تخيل الرجل، إن قطع لدعوة إلى الله عز وجل، هنا، وهنا، وهنا، وهنا. صحيح، ذهب الكثير من لذات الدنيا، ذهب الكثير من حظ من حظوظ الدنيا، ومن شهواتها، ومن لذاتها، ضاع الكثير من شبابه. لكن مقابل أنه تفرغ لهذا المقام، ودعى من دعى الناس إلى الخير. لكن تخيل إلى عظم الأجر، والثواب، الذي سيجنيه من دعى إلى هدى: «لا ينقص من أجورهم شيئًا». من دعى إلى هدى، فلو أجره، فلو أجره، لا ينقص من أجورهم شيئًا. والحديث، والحديث رواه مسلم في صحيحه. فهذا، إخواني في الله، إن دل، دل على عظيم الفضائل، الذي يعطاها من إن برى لهذا المقام، مقام الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. وأيضًا، إخواني في الله، مما يتعلق من فوائد هذه الآية: ﴿أدعُ إلى سبيل ربك﴾، فائدة ثانية، وهي مسألة ينبغي أن تذكر، وهو لأنه قد يكون نظرة قاصرة، عند بعض من يقرأ القرآن، عند هذه الآية خاصة: ﴿أدعُ إلى سبيل ربك﴾. يقول المخاطب: هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاطبه ربه بهذه الشعيرة العظيمة، أن يمضي بها قدمًا. إذن، ما الذي تعنيه؟ يقول لك: رسول الله هو الذي أمر أن يمضي قدمًا، لما آتاه الله من الآيات، وما أنزل عليه من القرآن. ليس بصحيح. صحيح الخطاب موجه لرسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن الأمة من بعده تبع، والأمة من بعده تبع. وإن هذا الخطاب، إن كان موجه لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن السائر على نهجه، الأمة المحمدية، تدخل في الخطاب، تدخل في الخطاب. فإذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام، أمره ربه بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فنحن كذلك، على إثره، فنحن كذلك على منواله، مطالبون بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. لا تظن، يا عبد الله، أن هذا المقام، وأن هذا المضمار، مضمار الدعوة، هو إنما حكر لطائفة معينة من الناس. كما يزعم بعض الخلق، أن هذا خاص بالأنبياء، وما يلحق بهم من العلماء، وأما باقي الأمة في سعة من ذلك. لا، يا عبد الله، بل أنت ملزم بالدعوة، وعموم الآيات تدل على ذلك. قال ربنا جل في علاه: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبع﴾. وأنا، ومن اتبعني، ومن اتبع نبيه، ومن اتبع نبينا عليه الصلاة والسلام. وما من أحد، إله متبع لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ما من أحد، إلا وقد رضي بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا. ما من أحد، إذن، نحن مخاطبون بهذا: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبع﴾. فإذن، الأمة، إخواني في الله، مطالبة بالدعوة إلى الله عز وجل. انظروا مثلًا، كأنموذج لهذا الفهم، ما عليه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. أتظنون، يا عبد الله، يا عباد الله، أن الواحد من أصحاب رسول الله، كان إذا تلفظ بالشهادتين، إن زوى بنفسه، وقعد في عقل بيته، وما بال بالدعوة؟ لا، ما كان هذا. الواحد منهم، أول ما يتلفظ بالشهادة، أول ما يتلفظ بالشهادة، يرى أن من أفضل الأعمال، وأولى الأعمال، بعد الإسلام، الدعوة، الدعوة إلى الله عز وجل. هذا الصديق أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، من أشراف قريش، ومن ساداتهم، أسلم، وبعد إسلامه، كان داعيًا، بل من أعظم الدعاة. أسلم على يديه الكثير، والكثير، والكثير من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. أسلموا على يديه، من إثر دعوته، رضي الله تعالى عنه. هذا عثمان بن عفان، يعتبر من تجار قريش، ومن أغنيائهم، أسلم، وبعد إسلامه، جعل ماله لله، وفي سبيل الله، ودعوة إلى الله عز وجل. يشتري من يشتري من العبيد، فيعتقهم في سبيل الله، يشتري التجارات، ويجعلها في سبيل الله، دعوة إلى الله عز وجل. وهذا الطفيل بن عمر الدوسي، بلغ من بعده عن الدين، أنه كان إذا دخل، وخشي على نفسه من أن يسمع دعوة الحق، كان يضع الشيء في قطنه في أذنه. يضع الشيء في أذنه، حتى لا يسمع شيئًا من رسول الله. إلى أن ألقى الله الهداية في قلبه، فأسلم. فما الذي فعل بعد أن تلفظ بالإسلام؟ كان من أوائل دعوته، أن قال: «يا رسول الله، إني أمرؤ مطاع في أهلي، وإني راجع إليهم، فداعيهم إلى الإسلام». دعوة، دعوة إلى دين الله سبحانه وتعالى. هكذا كان جناب الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، يرون أن هذه الآيات، وهم يسمعونها تتلى عليهم، بل يعلمون أن هذا من وصية نبينا، كما فعل نبينا في حجة الوداع: «ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب». دعوة، تحميل، تلقين، أنتم مسؤولون عن دين الله، بلغوها للقاصي والدان. فخرجوا إلى شرق الدنيا، وغربها. فهكذا الدعوة إلى الله، إخواني في الله. وأيضًا، زد على ذلك، الأحاديث الكثيرة، الدالة على أن هذا المجال ينبغي أن يساهم فيه، من يساهم في الدعوة إلى الله عز وجل. قال عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني، ولو آية». ولو آية، إذا استطعت، يا عبد الله، أن تبلغها، فبلغها. ومن ذلك، يضعف عن تبليغ آية، الواحد منا قادر على أكثر من آية، على آيات، وعلى أحاديث، وعلى مسائل، وعلى أحكام. لكن هذا على أقل تقرير: «بلغوا عني، ولو آية». وقال عليه الصلاة والسلام: «نضر الله امرأً سمع منا مقالة، فأداها كما سمعها». وفي رواياتنا: «سمع منا حديثًا». وفي رواية: «سمع منا شيئًا». وهذا فيه حظ، وتحريض، بل ودعاء، بنظارة الوجه، وإشراق الوجه، في حق من يبلغ دين الله عز وجل: «نضر الله امرأً سمع منا مقالة، فوعاها، فأداها كما سمعها». والآيات، والآيات، والأحاديث، إخواني في الله، في هذا الباب، كثيرة، وكثيرة جدًا. وكلها تدل على فضيلة هذا الباب. قال ربنا جل في علاه: ﴿أدعُ إلى سبيل ربك﴾، في هذه الآية، وفي هذه الكلمات، إشارة إلى شرط مهم، من الشروط، الذي ينبغي أن تكتنف به الدعوة إلى الله عز وجل، أن تكون بالإخلاص، بالإخلاص. ﴿أدعُ إلى سبيل ربك﴾. الدعوة، كما قررت سلفًا، أنها عبادة، وما من عبادة، إخواني في الله، إلا وهي تقوم على الإخلاص، بل لا قوام لها إلا بالإخلاص. دين الله لا يقوم إلا بالإخلاص. وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين. والدعوة، على إثر العبادات، تحتاج إلى إخلاص: ﴿أدعُ إلى سبيل ربك﴾. يكون همك، يا عبد الله، في هذه الدعوة، يكون همك، ومرادك، إيصال الخير للناس. همك، يا عبد الله، إرجاع الناس إلى دين الله. همك، يا عبد الله، ومرادك، من هذه الدعوة، تثبيت الخلق على الصراط المستقيم. هذا المراد، هذا هو الهدف، هذا هو الغاية، في حق من أراد أن يكون داعيًا، يهدف إلى ربط الناس بالله سبحانه وتعالى. قال: «للأسف، للأسف، كم من أناس، لربما ما يكون من ظاهرهم الدعوة إلى الله، والدعوة لله، لكنه في باطن نفسه، وفي باطن أمره، يدعو إلى مآرب أخرى». يقول إمام المجدد، محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: «قال: إن بعض الناس يدعو إلى الله، وهو إنما يدعو إلى نفسه». إن بعض من الناس يدعو إلى الله، أي في ظاهره. قال: «وإنما يدعو إلى نفسه». هذه الطامة، إخواني في الله، هذه البلية العظيمة. إخلاص الأعمال لله، إخلاص الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، من صور الإخلاص، إخواني في الله، من صور إخلاص الداعية. أن يعلم، وأن يعرف، أن دعوته لله عز وجل. من صور الإخلاص لله، أنه لا يريد بدعوته أجرًا، ولا مالًا، ولا شكورًا: ﴿ما أسألكم عليه من أجر﴾. هكذا كان الأنبياء، والرسل، كلما طرقوا باب أقوامهم، فكروا بهذا. أن في دعوتنا، ما نطالبكم بجزاء، ما نريد عوضًا، ولا أجرًا، ولا مالًا. ما يطالبونهم بشيء. ما هكذا يكون حظ الداعية، النظر إلى ما في أيدي الناس. وجد هذا، وجد هذا. تجد أن بعضهم، لربما ما يتحرك شبرًا، إلا بمبلغ محاضرة بكذا ريال، خطبة جمعة بكذا، وكذا، كله بحساب، مقدر. دعوته بمال تسير بمال. ما هكذا نعم، خذ ما يتعلق بنوع تفرق، يعينك في المواصلة، في مواصلاتك. لا، ليس هذا من قصد الكلمات، ألقيها. ربع ساعة تقدر بكذا، نصف ساعة بكذا، ساعة بكذا، تفرق. يوم كامل أحتاج، وهذا موجود، إخواني في الله. هذا ما فيها بركة، دعوة أصحابها يدعون أنهم لله. هذا ليس هذا للكيس، هذا يجرد أن يعمر كيسه بطريق الدعوة إلى الله عز وجل. وإنما كان من شعار الأنبياء: ﴿ما أسألكم عليه من أجر﴾. وهكذا، إخواني في الله، من صور الإخلاص في الدعوة إلى الله عز وجل، أنه لا يدعو إلى فكره، ولا يدعو إلى نفسه، ولا يدعو إلى حزبه. لا، إنما الدعوة، كما دائما يلقننا بذلك علماؤنا، دعوة أهل السنة والجماعة، هي دعوة الناس من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله إلى سنة رسول الله. ليس لك فيها ناق، ولا بعير، ليس لك فيها، يا عبد الله، شيء. أنت في منأى عنها، وإنما ارجع الناس إلى هذا المصدر، إلى الكتاب، وإلى السنة. لا ترجع إلى نفسك، إلى اتباعك، إلى أقوالك، إلى أفكارك، إلى اجتهاداتك، إلى قواعدك. أو ابتلينا، ابتلينا من بعض الجماعات، خرجت على الناس ببعض القواعد. فإذا بها يدور شرق الدنيا، وغربها، باسم الدعوة إلى ماذا؟ إلى الله؟ لا، في الله، إلى الله، لكن في باطنه، إلى هذه القواعد التي سطرها هذا. ليس من الإخلاص في شيء أبدًا، يا عبد الله. من صور الإخلاص في الدعوة إلى الله، يا عبد الله. أنك تفرح، تفرح من حال الناس، إذا حصل منهم الخير، والنفع، وإن كان من غيرك. انتبه، وإن كان من غيرك. هذا ما حق، بل عبر عنه أبو حامد الغزالي، رحمه الله عليه، عندما ذكر فيصلًا دقيقًا في معرفة الإخلاص، إخلاص الداعية. ذكر هذا الفيصل، أنك تنظر، يا عبد الله، في حالك، إذا متى ما علمت أن أناسًا استفادوا من غيرك، كيف أنت؟ كيف أنت بهذا؟ قال، رحمه الله تعالى: «قال: وهناك محك، ومعيار، ينبغي أن يمتحن الداعي به نفسه». هذا الذي ينبغي، حتى ينظر في إخلاصه. قال: «وهو أن يكون قيام غيره بالدعوة، وإصلاح الناس، واستجابتهم لغيره، أحب إليه من استجابتهم له». انظر في نفسك، إذا وجدت مثلًا، أحدًا، في نفسك، في باب الدعوة، وكلكم على طريقة، سواء، على طريقة واحدة. لكنك تختلس النظر، إذا استطعت بنفسك، أو ترسل غيرك: كم معه؟ كم يحضر المجلس؟ كثير، كثير. فإذا به يمتعض، لما الامتعاض، يا عبد الله؟ لما الامتعاض؟ لما هذا التجسس؟ لما هذا الضيق الذي يصيب القلب؟ وهذا يوجد، إخواني في الله. بل ربما أصيبت فتن، عظيمة، عظيمة، في حق بعض الناس، عندما رأوا من بعض إخوانهم، المشايخ، قد انعزلوا بمركز من مراكز العلم، فجمع الله، وأقبل الله بقلوب العباد إلى هذا المركز، فقامت قومته. لا لشيء، قلة الإخلاص. فما كان إلا الطعن، والغمز، في ذاك المركز، وفي صاحبه. يقول: «حظ النفس»، إخواني في الله، أيها عبد الله، هذا محك الداعي إلى الله عز وجل، الذي يدعي الإخلاص. ينظر في حاله، متى ما علم أن هناك أحدًا، في نفس المضمار، في نفس الدعوة، في نفس السياق، يدعو إلى الله، وأن الله أقبل بقلوب الخلق على يد هذا الرجل، افرح، قل: «الحمد لله الذي جعل لي من يدا تعينني في الدعوة». سمعت بآخر، هذا يد، وهذا يد، وآخر، وثالث، ورابع، وخامس، تنفرح، لا تضيق، يا عبد الله. إذا وصل لك ضيق، وحنق، اعلم أن في إخلاصك شيء، وأنك ما أردت بالدعوة لا أنك تعيدها لله، وإنما أردتها لنفسك. ولو كنت صادقًا مع الله، أنها أردتها لله، لما أصابك الذعر، وما أصابك الخوف، ولا الهم، ولا القلق. وهكذا، إخواني في الله، من صور الدعوة، أو من صور إخلاص الدعوة إلى الله عز وجل، أنك لا تلتفت إلى الكثرة، والقلة. لا تلتفت إلى الجموع، والوفرة. أعرض الناس تعوى إلى الله عز وجل، لكن يحاول العين تمتلئ بالجماهير، تمتلئ بالحشود. إذا رأى قلة في الناس استجابة، لا، ربما ضاق، ليس تأسفًا على دين الله، لا، هذا الموضع ليس يستحق هذا المقام. أنا أستحق أعلى من هذا، أستحق حشود كبيرة. فيتطلع إلى الكثرة، يتطلع إلى الجماهير، يتطلع إلى الجموع. ثبت في صحيح مسلم، من حديث عمر بن عبسة، سئل: قال عمر: «ومن معك على هذا الدين؟» قال عليه الصلاة والسلام: «معي عبد، وحر، عبد، وحر». انتهت العبارة، ما هناك عدد آخر، ما هناك جماهير، ما هناك حشود. حديث جرير، الذي جاء في الصحيح: «يبعث النبي، ومعه الرهط». ويبعث النبي، ومعه الرجل، والرجلان. يبعث النبي، وليس معه أحد. هذا ليس عيب، ليس عار، ليس شنار. لا تتكأ، يا عبد الله، على الأعداد. لا يكون حالك كحال بعض الجماعات، الخزبية، ممن تنادي، إن نادت، لا تنادي بالحق الذي معها، ما عنده حق، تنادي بالجماهير، المسيرة المليونية. يكفيكم أن أعضاءنا قد بلغوا كذا، وكذا من الآلاف، المؤلفة. هذا، يا عبد الله، قلة إخلاص، هذا دعوة ما يرد بها وجه الله عز وجل، وإنما أراد بها الانتصار بالنفس، من خلالها، للأعداد. وهكذا، قل، يا عبد الله. أن الداعي المخلص، لا يلتفت، لا إلى مدح، ولا إلى قدح، إنما يجعو إلى الله سبحانه وتعالى. هذا، إخواني في الله، ما يتعلق بأمر الإخلاص، وهو أمر دقيق، دقيق جدًا. حتى قال بعض علمائنا: «قال: أمر الإخلاص، من حيث التطبيق، النظري، واضح، نظريًا، واضح، أنه شرط مهم، وركيزة، يعتمد عليها في الدعوة». قال: «لكن في التطبيق، العمل، فهي عزيزة، والله، عزيز، قليل جدًا، قليل جدًا، من يكون خالصًا، صافيا، قلبًا، وقالبًا، لله، في هذا الباب، في باب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى». يذكر شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، في مجموع الفتاوى، على أن أحد الصالحين، سمع أن من أخلص لله أربعين يومًا، تفجرت ينابيع الحكمة منه. فقام هذا الصالح، وعمل بهذه الوصية، أخلص أعماله، وأقواله، أربعين يومًا. إلا أنه وجد من نفسه، ما هنالك شيء من الينابيع، تفجرت. ما وجد الحكمة تخرج من ألفاظه، وفعاله. فشك في أمر، فذهب إلى بعض العارفين، كما قال شيخ الإسلام. فذهب إلى بعض العارفين، وأبلغوه بخبره. فقال له هذا العارف: «قال: إنك ما أخلصت لله، وإنما أخلصت للحكمة». صحيح، هو حديث ضعيف، موضوع، لكن يوم يعملون به: «من أخلص لله أربعين يومًا، تفجرت ينابيع الحكمة منه». وأخلص، لكن في حقيقة أمره، ما أخلص لله، لكنه أخلص للحكمة. فحرم الأجرة. وهكذا، إخواني في الله، الكثير من، لربما إن بارى لهذا المقام، من كثير من الجماعات، والدعوات، وخاصة من الدعوات الحزبية، تلوثت، إذ تلوثت، من قلة إخلاصها، إخلاص أعمالها، ودعوتها لله سبحانه وتعالى. وفي هذه الآية، إخواني في الله، ما يتعلق بمراتب الدعوة: ﴿أدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾. ذكر ربنا عز وجل أن الدعوة تكون بالحكمة، تكون بالموعظة الحسنة، وتكون بالمجادلة بالتي هي أحسن. هذه مراتب، واستمع، يا عبد الله، إلى ابن القيم، رحمه الله تعالى، كيف أنزل هذه المراتب. قال، رحمه الله تعالى: «قال: جعل الله سبحانه مراتب الدعوة، بحسب مراتب الخلق». جعل الله مراتب الدعوة على حسب مراتب الخلق. قال: «فالمستجيب، القابل، الذكي، المستجيب لله، القابل للحق، الذكي، الحصيف». قال: «المستجيب، القابل، الذكي، الذي لا يعاند الحق، ولا يأباه، يدعى بطريق الحكمة، هذا مجاله». قال: «والقابل، والقابل»، معنى القابل، أي القابل للحق. قال: «والقابل، الذي عنده نوع غفلة، وتأخر». فهذا يدعى بالموعظة الحسنة. ما هي الموعظة الحسنة؟ قال، رحمه الله تعالى: «وهي الأمر، والنهي، المقرون بالرغبة، والرهبة». هذه المرتبة الثانية، في حق من أناس من أهل الحق، لكن عندهم غفلة، تبعدهم عن الله. هؤلاء ما تنفع معهم موعظة، ما تنفع معهم حكمة، وإنما تنفع معهم الموعظة الحسنة. صورتها: عبارة عن أمر، ونهي، مقرون برغبة، ورهبة. قال، رحمه الله تعالى: «والمعاند، المعاند، الجاحد، يجادل بالتي هي أحسن». وهذه الصورة الثالثة. من كان عنده جدال، من كان عنده عناد، فهذا يناقش، ويجادل بالتي هي أحسن. ختم ابن القيم، رحمه الله تعالى، هذه التفاصيل الثلاثة، بقوله: «قال: هذا هو الصحيح في معنى هذه الآية». هذا هو المعنى الصحيح، لأنه عرج على بعض الفلاسفة، ممن خرج، وخرج الآية على غير المفهوم الصحيح. فالآية على هذا المفهوم، يا عبد الله، أنك تنزل هذه المراتب الثلاث، على مراتب الخلق. فعندك المقبل الذكي، هذا إنما يحتاج منك إلى حكمة، بالحكمة. الثاني: مقبل، لكن تصيبه غفلة، هذا يحتاج إلى موعظة حسنة. أما المعاند، فهذا يجادل. وإخواني في الله، طبعًا، ولا يسع المقام بذكر هذه الأمور، لكن نرجع إلى الذي نريده، الحكمة. ما يتعلق بأمر الحكمة، الحكمة، إخواني في الله، ما معناها؟ قال العلماء: الحكمة مأخوذة من الحكمة. الحكمة مأخوذة من الحكمة، بفتح الكاف، والميم. والحكمة هو ما يوضع على الدابة، لكي يذللها راكبها. هذا ما واضح عندكم من نظر إلى الذي يركب الدابة، يحتاج إلى هذا الذي يوضع على فمها، أو على أنفها، أو رأسها. هذه حكمة، ما الماء؟ فائدة منها، هذا عن طريقها يذلل الراكب هذه الدابة، ببعض الأصوات، ببعض الهزات، تعلم تخنع، وتجلس، هذه الحكمة. فهي مانعة، وهي زاجرة. فقال العلماء: فالحكمة مأخوذة من الحكمة. ووجه الاشتقاق، قال: أن الحكمة تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل. والحكمة في لغة العلم، تطلق على عدة معان، تطلق على القرآن، تطلق على السنة، تطلق على النبوة، تطلق على العلم، تطلق على أشياء كثيرة. لكن همنا شرعًا: ما معنى الحكمة شرعًا؟ وفي اصطلاح العلماء؟ وفي دين الله جل وعلا؟ اختلفت، وتنوعت عبارات السلف، والعلماء، في تعريف الحكمة، إلى أقوال كثيرة، أوصلهم بعض إلى تسع، وعشرين قولًا. كلها تدور حول معرفة ما هي الحكمة. ومن أشهر التعاريف، إخواني في الله، قول من قال: أن الحكمة هي اسم جامع، اسم جامع لكل كلام، وعلم، يراعى بها إصلاح أحوال الناس. الحكمة: اسم جامع لكل كلام، أو علم، يراعى به إصلاح أحوال الناس. هذه هي الحكمة. وقيل في تعريف الحكمة: هو وضع الأشياء في مواضعها، لغايات حميدة. بهذا القيد: وضع الأشياء في مواضعها، لغايات حميدة. لأن وضع الأشياء في مواضعها، قد يلتبس بالعدل. العدل، والحكمة، يتزاحم على هذا المقام، لكن فاقت الحكمة العدل، بماذا؟ بأنك تضع الأشياء، ليس للآن، لكن لغايات حميدة، لغايات بعيدة، لنظر أفقي، فيما بعد. هذا هو الحكيم، هذا هو الحكيم. نظرته، ليس فقط قاصرة على زمنه، وإنما إلى ما بعد ذلك. فعرفوا الحكمة بأنها: وضع الأشياء في مواضعها، على غايات حميدة. وإخواني في الله، والحكمة من الأخلاق العظيمة، التي يحتاج إليها المسلم عامة، والداعية على وجه الخصوص. بدليل هذه الآية: ﴿أدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة﴾. فالداعي، من أراد أن يدعو الناس إلى دين الله، لابد أن يتحلى بالحكمة. والحكمة، إخواني في الله، من أعظم الأخلاق، والأعمال، وكفاها شرفًا، قول ربنا عز وجل