الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 405

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 405

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 405، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير النبي من المجالس التي لا يذكر فيها الله

النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من المجالس التي لا يذكر فيها الله، ويقول إنها تكون حسرة على أصحابها يوم القيامة. هذا التحذير يدل على أهمية ذكر الله في جميع المجالس.

فضل مجالس الذكر وتلاوة القرآن وتأثيرها الإيجابي

مجالس الذكر وتلاوة القرآن لها فضل عظيم وتُنزل السكينة وتغشى الرحمة وتحفها الملائكة. حضور هذه المجالس يعين على ترك الغضب ويغير طبع الشخص إلى الرحمة والشفقة.

تحسر الكفار على تفريطهم في طاعة الله وندمهم

يتحسر الكفار على إضاعتهم الأوقات في غير طاعة الله ويتمنون لو كانوا ابتلوا مثل أهل الإيمان. هذا التحسر يدل على ندمهم الشديد على أفعالهم السابقة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام النسائي رحمه الله في «عمل اليوم والليلة»، هذا كتاب يعتبر من ضمن السنن الكبرى للإمام النسائي رحمه الله. عبد الرحمن بن سعيد قال: أخبرنا زكريا بن يحيى الضرير، قال: حدثنا محمد بن بشار -وهو بندار، أبو بكر البغدادي رحمه الله- كان من حفاظ أهل بغداد العراق، وأكثر من نشر الحديث في بغداد، واجتمع الناس عليه وعلى محمد بن المثنى. قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا شعبة، وهو ابن الحجاج، عن سليمان -وهو الأعمش، سليمان المهران الأعمش- عن ذكوان -أي السمان، أبو صالح، يسمى أيضا الزيات- عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما من قوم يجلسون مجلسا لا يذكرون الله فيه إلا كانت عليهم حسرة يوم القيامة، وإن دخلوا الجنة». قال: هذا حديث صحيح. وقد اختلف فيه على أبي صالح، فتارة يرويها عن أبي هريرة -كما عند أبي داود- وأخرى عن أبي سعيد الخدري، وأخرى موقوفا -عند النسائي في «عمل يوم وليلة»-. ولا يضر -إن شاء الله- فيحمل على أن أبا صالح روى عن أبي سعيد وأبي هريرة. وأما رواية الوقف عن أبي سعيد، فإن رواية الرفع أرجح، والله تعالى أعلم. أن رواية الرفع رواها شعبة، وهو أوثق مما رواه عن الأعمش. فهذا الحديث مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من قوم يجلسون مجلسا لا يذكرون الله فيه إلا كانت عليهم حسرة يوم القيامة». في رواية: «إلا كانت عليهم ترة»، والترة هي الحسرة، كذلك والندامة، «وإن دخلوا الجنة». وجاء في حديث آخر أيضا عند أبي داود -من حديث أبي هريرة- «ولم يصلوا عليه». معنى هذا: زاد «ولم يصلوا على النبي عليه الصلاة والسلام» في ذلك المجلس. والمراد: أنهم لا يجلسون مجلسا، أو المراد: أنهم إذا جلسوا مجلسا ولم يذكروا اسم الله عز وجل فيه، فإن هذا المجلس يتحسرون عليه يوم القيامة، وإن دخلوا الجنة؛ لأنهم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله عز وجل، ولم يصلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه. وكلما زاد هذا المجلس ذكرا لله، كلما كان أعظم. فلهذا الله عز وجل يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. فهؤلاء الذين يجلسون ويضيعون أوقاتهم، لا تجلس معهم. لا تجلس مع من يضيع وقتك ويضيع وقته كذلك، بل اجلس مع من يحرص على الوقت، واجلس مع من يفيدك وتستفيد منه؛ لأن هذه المجالس تحتاج أن تندم على أنك تضيعها في هذه الحياة، أن تحتاج أو تتمنى أنك لو شغلتها بطاعة الله جل وعلا. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول -كما في الصحيحين-: «لأن أجلس مع قوم يذكرون الله من بعد الفجر حتى طلوع الشمس، أو من بعد العصر حتى غروبها، أحب إلي من الدنيا وما فيها». فهذه المجالس التي يذكر فيها اسم الله عز وجل، مجالس عظيمة. ولهذا رتب الله عز وجل عليها جوائز عظيمة، وفوائد يستفيد منها العبد في دينه ودنياه. فقد جاء في حديث الأغر أبي مسلم، أنه قال: شهدت على أبي سعيد وأبي هريرة، أنهما حدثاني أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من قوم، أو قال: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». وأخرجه كذلك الإمام مسلم من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. إلا أن جاء في بعض طرق هذا الحديث -أي من طريق الأعمش- أن الأعمش قال: حدثت عن أبي صالح. ومعنى حدثت: أنه لم يسمعه من أبي صالح، وإنما سمعه من رجل آخر. لكن الحديث صحيح بما تقدم من حديث الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد وأبي هريرة معا. فذكر النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا اجتمع الناس أو القوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم -أي: تدارسون العلم، تدارسون ما جاء في كتاب الله عز وجل وما هو متعلق به- فالذي يدرس الفقه مثلا، هو يدرس كتاب الله. والذي يدرس الحديث، هو يدرس كتاب الله. بل حتى الذي يدرس النحو إذا كان لأجل معرفة كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو داخل في هذه المجالس. وغيرها من أيضا وصول الفقه ومصطلح الحديث، فهذه كلها آلات ووسائل تؤدي إلى معرفة العلوم الأصلية. فلهذا فهي داخلة في هذا الحديث، ففضلها عظيم. وهذه الجوائز التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المجالس: «تحفهم الملائكة، وتغشاهم الرحمة، وتنزل عليهم السكينة». فلهذا الذي يعتاد المجالس يطمئن قلبه، وتكون السكينة في نفسه. حتى أنه لو كان طبعه غليظا وطبعه قاسيا، إذا التزم مجالس الذكر وانتفع بها، فإنه تغير هذه المجالس ولا بد أن تغير طبعه. فذلك ما يكون قاسيا وغليظا وشديد الغضب، يتغير ذلك الطبع، ويكون رحيما وشفيقا. ويكون أيضا كذلك يبتعد عن الغضب ما استطاع. فلهذا وهذا أيضا يحتاج إلى إعانة الشخص لنفسه، أن يحاول أن يعين نفسه على ترك الغضب، وعلى أيضا ما يهيجه لذلك. وإن غضب، فإنه يبتعد عن المكان الذي غضب فيه، إما أن كان قائما فليجلس، وإن كان جالسا فليضطجع، أو يغير الحديث، أو يذهب من ذلك المكان. أو كذلك يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا أعظمها وأفضلها. إذا حس الغضب، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، حتى لا يؤثر ذلك الغضب فيه. فهذه المجالس تهذب النفوس، تتنزل عليهم السكينة. فإذا اعتاد مثل هذه المجالس ولم يضجر منها، فإن السكينة لا بد أن تحل فيه. والسكينة هي الطمأنينة التي تكون في القلب، وأيضا كذلك الهدوء الذي يكون في فعل الإنسان. هذا كله من السكينة. فتتنزل عليهم السكينة، والرحمة تحفهم الملائكة. وأيضا يذكرهم الله عز وجل فيمن عنده -أي: بالثناء عليهم-. وهذا أعظمها، أن الله عز وجل يثني عليك في الملأ الأعلى. فلهذا لا ينبغي للمسلم أن يترك مثل هذه الفضائل العظيمة، ويذهب إلى مجالس لا يذكر الله فيها، بل مجالس غيبة وكذب ونميمة. ومجالس كذلك أيضا يسخر فيها من كتاب الله، ومن سنة رسول الله، أو يسخر فيها بأهل الإيمان. فإن هذه لا ينبغي للمسلم أن يجلس فيها؛ لأنها تكون ترة عليه يوم القيامة، تكون حسرة عليه يوم القيامة. إما أنه أخذ فيها من الإثم، وأيضا زد على ذلك أنه يتحسر لأنه لم يذكر الله عز وجل فيها، لم يذكر نبيه عليه الصلاة والسلام فيها، لم يستفد من تلك المجالس. فلهذا يتحسر يوم القيامة. ولهذا يوم القيامة حسرة، ليس فقط على الكفار، بل هو حسرة أيضا حتى لأهل الإيمان. يتحسرون على أنهم أضاعوا أوقاتهم في غير طاعة الله جل وعلا، يتحسرون أنهم لم يبتلوا مثل ما ابتلي كثير من أهل الإيمان. فهذا أيضا كذلك يتحسرون عليه. فهذا شيء مما يذكر في هذا الحديث. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.