الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 111

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 111

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 111، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

بيعة الرضوان وأسبابها

بيعة الرضوان كانت نتيجة لإشاعة مقتل عثمان بن عفان، فبايع الصحابة النبي على الثأر له. أول من بادر بالمبايعة كان أبو سينان.

تفاصيل بيعة الرضوان وفضلها

تمت البيعة تحت شجرة سمرة، حيث بايع الصحابة على الفتح أو الشهادة، ومدح الله تعالى هؤلاء الصحابة. كان عددهم حوالي ألف وأربعمائة.

منزلة أصحاب بيعة الرضوان

المقطع يبين فضل الصحابة ورضا الله عنهم، ويحذر من الطعن فيهم، ويشير إلى منزلة عثمان بن عفان وعدالته.

ختام الشرح والصلاة على النبي

أنهى الشارح درسه بالإشارة إلى بيعة الرضوان وبناء المسجد النبوي، وختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وبيعة الرضوان أول، وبنى فيها بريحانة، هذا بينا. في هذا البيت وهو مما يلحق ما قبله من حوادث السنة السادسة، وتحديدا ما يتعلق بصلح الحديبية. قال وبيعة الرضوان أول، وبنى أول، أي في ترتيب مجريات صلح الحديبية أن وقعت بيعة الرضوان. وهكذا بعد ذلك تم الاتفاق على شروط صلح الحديبية. ثم قال وبنى، بنى بمعنى الدخول، وهو دخول الزواج، وهو دخول الرجل على امرأته، والضمير هنا وبنى أي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبنى فيها بريحانة، هذا بينا. سيأتي معنا نبدأ أولا بالحدث الأول في هذا البيت في قوله رحمه الله تعالى: وبيعة الرضوان أول. بيعة الرضوان من حوادث ما كان من أمر الحديبية، وخلاصة هذه البيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم كما مضى معنا عندما خرج بأصحابه، وهم ألف وأربعمائة صحابي، خرجوا إلى جهة مكة، أرادوا العمرة لا غير، أحرموا وأخرجوا معهم البدن والهدي، إلا أنهم منعوا. فكان من باب الإيضاح ورفع اللبس أرسل نبينا صلى الله عليه وسلم من عنده من يذهب إلى الكفار ويوضح لهم الأمر ويجليه لهم. فأراد نبينا أولا أن يرسل عمر، اذهب إلى مكة، إلا أن عمر اعتذر عن الذهاب، إذ أنه ليس له هناك أحد من بني عدي، وهم قومه وعشيرته، قد يعينه أو يسعفه إذا أوذي، ما عندي أحد هناك. فحينها اختار نبينا صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، فهو من سادات قريش، وله العشيرة، وله المنزلة العريقة، فأرسله نبينا إلى مكة لكي يخبرهم بحقيقة الحال والواقع. فلما ذهب عثمان رضي الله تعالى إلى أهل مكة وأخبرهم بنيتهم وقصدهم، وأنهما أرادوا العمرة لا القتال، أرادوا أن يدخلوا إلى مكة معتمرين ويرجعون إلى ديارهم، فدخل عثمان معهم في مفاوضات، لأن وجد كفار قريش على تعنت، لأنه قد أجمعوا أمرهم على عدم استقبال رسول الله، فقد اتفقوا عليه. فكان عثمان يحرص على أنهم ينصاعوا للعقل ولمبادئ العربية والشهامة والنخوة، وألا يمنعوا أحدا وصل إلى بيت الله. لكن هذا الكلام أخذ من عثمان وقتا طويلا، تأخر عثمان في الرجوع، حينها جاء دور الإشاعات، وشيع خبر وطار، أي ما طار، مفاده أن عثمان قتل. وهذا ينبيك يا عبد الله عن خطورة الإشاعات، وأن الإنسان ما ينبغي أن يتساهل في تلقف الأخبار، فضلا أن يقوم بنشرها على أوسع نطاق. ونحن ابتلينا بهذه الأجهزة وهذه التطبيقات التي الخبر عندك الآن يمكن خلال دقيقة وبضغطة زر يصل إلى الآلاف. فتثبت يا عبد الله فيما تنقله وما ترسله إلى الناس، وخاصة ما يدور حول الإرجافات والإرهاصات والأخبار المخيفة التي تدب الرعب في قلوب أهل الإسلام، ما يجوز التواني أو التكاسل في نقلها. أخبار من هذا القبيل. الشاهد أن خبر عثمان أشيع، خبر مقتل عثمان أشيع، الله أعلم من الذي أشاعه. نعم، في بعض المصادر يقول أن هذا من فعل الكفار، أشاع هذا الخبر المفترى لكي يكون عامل ضغط على المسلمين، أنهم يفهموا أن الوضع ليس بالوضع السهل، وأن الوضع ساخن، وأن الأمر قد يصل إلى حمامات الدماء. وقيل أن هذا الخبر تسرب من بعض من كان من أهل الإسلام، ظن وتوقع أن هذا قد صار، فانتشر الخبر على إثر هذا الخبر، والذي انتشر انتشارا عظيما حتى بلغ نبينا عليه الصلاة والسلام بأن عثمان قتل. حينها أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالنداء بالنداء، فناد المنادي في معسكر المسلمين، فاجتمعوا، اجتمع الكل من كان في المعسكر، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم بخبر مقتل عثمان، وأننا لن نرجع مدونه، وأننا سنأخذ ثأرنا من الكفار، نأخذ ثأر عثمان. فحينها بادر رجل، وقيل أنها أن هذا أول من بادر بالمبايعة وهو صحابي يسمى بأبي سينان، يدعى أبو سينان رضي الله تعالى عنه، سرعان ما قام إلى رسول الله، ماذا فعل؟ قال: أبسط يديك يا رسول الله، أبسط يديك أبايعك. فقال نبينا: تبايعني على ماذا؟ قال: أبايعك على ما في نفسك. قال: وماذا في نفسي؟ قال: الفتح أو الشهادة. فحينها بايعه نبينا عليه الصلاة والسلام، وتدافع الناس بعد هذا الرجل على بيعة رسول الله عليه الصلاة والسلام على الفتح، نفتح مكة الآن أو نقتل جميعا، ولن نرجع إلا بهذا الثأر. فالكل بايع نبينا عليه الصلاة والسلام، بل نقل أن سلم ابن الأكوع، وقد مر معنا قريبا هذا الصحابي الجليل الشهم، قد مر معنا ما كان في مقاتلته ومطاردته للكفار، والذي فعل بهم الأفاعيل لوحده، وقد كان حاضرا هذا الصحابي الجليل، بايع رسول الله ثلاث مرات، يدخل في الصف في أول الصف ثم بايع، ثم خرج، ثم يدخل في أثناء الصف في الوسط ويبايع ويخرج، ثم يبايع في آخر الصف، كل ذلك من باب التفاني على الموت. وهناك جماعة من هؤلاء سموا بجماعة الموت، هؤلاء بايعوا رسول الله على الموت، ما يفكرون حتى بالفتح، موت موت، ما سنرجع إلى بلادنا، وهذا آخر حيالنا معك يا رسول الله، بايعوه على الموت، بعدم الرجوع أبدا، سواء كان نصر أو لم يكن نصر، الموت في سبيل الله، هذا الذي أخذ على أنفسهم. هذه البيعة التي تمت، ربنا سبحانه وتعالى مدحها ومدح أهلها، وأنزل سبحانه وتعالى قرآنا فيهم يتلى إلى يوم القيامة، كما قال جل في علاه: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. ولهذا تسمى هذه البيعة أحيانا ببيعة الرضوان، لماذا بيعة الرضوان؟ لأولها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ﴾، فالله سبحانه وتعالى رضي عن الجميع، جميع من حضر. وكما قلنا ونكرر كانوا ألف أربعمائة صحابي، كل هؤلاء قد حكم عليهم ربنا جل وعلا بالرضا، إلا شخص واحد، شخص واحد وهو الجد ابن عبد القيس، كان حاضرا، لكن كان محسوبا من المنافقين، من المنافقين. وماذا فعل؟ ما بايع. سبحان الله، انظر إلى تفنن الصحابة في أخذ البيعة مع رسول الله، والإقبال والإقدام مع القتال معه والموت دونه، وبين هذا المنافق الذي حضر هذا المشهد، ماذا فعل؟ كان يختبئ، كان يختبئ، وما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاءت الأحاديث: إلا صاحب الجمل هذا لن يدخل في البيعة، وما دخل لا من قبل ولا من بعد، فما تحصل على مكرمة الله عز وجل للصحابة. أما كل هؤلاء فربنا عز وجل رضي الله عنهم. وتسمى أيضا هذه البيعة ببيعة الشجرة، لأن البيعة تمت تحت شجرة سمرة، وكان معقل ابن يسار عندها، وكان يرفع الغصن عن وجه رسول الله، يرفع الأغصان عند البيعة عن رسول الله، وكان عمر عن يمين رسول الله عليه الصلاة والسلام. فالشاهد أن هذه البيعة تمت على هذا، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات الكريمات: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، إشارة إلى أن الأساس يا عبد الله في صلاح الأبدان والطاعات والعبادات هو ما يكون في القلوب، في القلب. ولا ندعي بأن الإيمان فقط محصور في القلب، لا نقول: أس الأس إن صح القلب تصح الأعمال بعد ذلك، وإن كان القلب مريضا عليلا ليس فيه همة، حينها فإن البدن يكسل. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله». قال ربنا: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، لما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم على إبمان هذه البيعة، كانت قلوبهم مفعمة بالإيمان، وكانوا على صدق مع الله، بايعوا رسول الله ليس بطرف اللسان، وليست فقط أيدي ممدودة، بل كذلك قد عقدوا النية، النية معقودة. ما كان الأمر إحراج كما يفعل بعض الناس، نعم لهم مواقف في الظاهر، مواقف صحيحة، لكن تجد أن هذا الموقف قد اتخذه من باب الإحراج، أحرج أو من باب المجاملة. والله أعلم بالنوايا، فهذا ما يوفق العمل الصالح، وما يؤيده الله عز وجل. لكن الصحابة عندما بايعوا هذه البيعة، وعلم الله ما في قلوبهم من الصدق والنية والإخلاص، والتعامل مع الله عز وجل بالإرادة والقصد، حينها أنزل الله عليهم تلكم البشرى، فوعدهم الله بالفتح القريب. الشاهد إخواني في الله أن هذه الآية فيها بيان على عظيم قدر الصحابة، وهؤلاء هم من خيار أصحاب رسول الله، وهم أصحاب بيعة الرضوان. بل صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة». لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، فهم قد تحصلوا على الرضا وتحصلوا على الجنة، فهم من خيار الصحابة. ثم بعد هذا كله يأتيك المأفون، يأتيك الأفاك، يأتيك الرافض، ويرمي أصحاب رسول الله بالكفر والردة، والذي عليه العلماء: أنا من اعتقد أن الصحابة عامتهم وجلهم كفروا وارتدوا، ولم يبق في الإسلام سوى أربعة أو خمسة أو ستة على ما يدعون، فهذا قد ارتد عن دين الله، وينبغي أن نعتقد هذا. نعتقد هذا أن يأتيك رافضي ويزعم أن هؤلاء الذين شهد الله لهم بالرضا، وشهد لهم نبينا بالجنة، ثم بعد ذلك يقول بعض الناس: لا، هؤلاء ليسوا من أهل الجنة، وهؤلاء ليسوا من أهل الرضا، هؤلاء كفار، فهو كافر، فهو كافر. فهذه الآية فيها بيان ودلالة وإرشاد إلى فضيلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أن الله شهد لهم بالرضوان، بعدما تمت البيعة، وصار الذي صار، ظهر عثمان رضي الله تعالى عنه، فعلم أن الذي تسرب في الأخبار إنما كان إشاعة من الإشاعات. مع أن عثمان من باب الفائدة أن عثمان لعظيم قدره في قريش، أنهم أذنوا له لما كان عندهم، قالوا: يا عثمان، إن شئت طف بالبيت، هذا البيت العتيق أمامك، طف لك هذا، وأنت قد وصلت عندنا، وأنت على الرأس والعين من أهل السيادة والريادة في قريش. فماذا فعل عثمان؟ أمام هذا الطلب المغري، قال: لا والله لا أطوف إلا مع رسول الله، ما أطوف، ما أختص بهذه المزية، فرفض الطواف. الشاهد أن عثمان بعد ذلك خلي عن سبيله، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلم نبينا بسلامة عثمان، بسلامة عثمان، ففرح عليه الصلاة والسلام. وفي ذلك منزلة لعثمان، منزلة لعثمان، وأن عثمان من خيار أصحاب رسول الله، ولا ينبغي ولا يجوز بحال أن يغمز في عرضه أو يغمز في حكمه أو يغمز في عدالته. نسمع من بعض المفكرين ممن لربما يشير إلى خلافة عثمان بالنقد والتنقص، هذا لا يجوز، فهو من خيرة أصحاب رسول الله، وقد شهد له نبينا بالجنة. فهذا إخواني في الله خلاصة ما يذكر في هذه العبارة التي أشار إليها المؤلف، قال: وبيعة الرضوان أول، لأن على هذا الفعل لما رجع عثمان، وخشي كفار قريش أن الأمر يستفحل، وقد تبادر إلى الأسماع أن الصحابة قد تبايعوا، وهموا على الغزو. ثم قام الكفار هم بدورهم بإرسال الرسل، وقد مر معنا في درس أمس، لما أرسلوا العروة بن مسعود، ثم أرسلوا سهيلا، وأرسلوا قبل هذا بأناس حتى تم الصلح الذي قد سمعنا في درس غد. فقال المؤلف رحمه الله: وبيعة الرضوان أول، وبنى فيها بريحانة، هذا بينا. ريحانة قد مضى معنا، تذكروا عن هذه المرأة التي كانت من السبايا، كانت أمة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي كان أخذها. فبعض العلماء قد مضى خلاف معنا، قيل أنه أعتقها وتزوجها، فهي من الزوجات، ففي البيت الأول عقد عليها، وهنا بنى، أي دخل عليها. لأن كان العرب أحيانا يبرمون عقد الزواج في فترة ويؤخرون الدخول، يؤخرون الدخول إلى مدة أخرى. ففي البيت الأول أشرنا إلى أن النبي عقد على ريحانة، وهذا البيت بنى، أي دخل عليها، هذا على رأي المؤلف، على رأي الناظم، على أن هذه ريحانة. نعم، أعتقها رسول الله وتزوجها، فهي من عداد أمهات المؤمنين. وقد أشرنا الخلاف وقلنا: والصحيح في هذا الباب، والذي عليه أكثر العلماء، أن ريحانة لم تكن زوجة، لم تكن زوجة، وإنما هي أمة من إماء رسول الله، وأن النبي نعم كان يدخل عليها، وكان يطأها، لكن بعقد اليمين، بأنها ملك يمين، لأنها زوجة حرة، هذا قد مضى معنا. ولهذا قال المؤلف: وبنى فيها بريحانة، هذا بين، هذا المشاق قد بين معنا أنه قد عقد عليها، وقد بين كذلكم على الخلاف الحاصل. هذا ما يذكر إخواني في الله في هذا البيت، والذي أشار فيه الناظم إلى هذين أو هاتين المسألتين، بقوله: وبيعة الرضوان أول، وبنى فيها بريحانة، هذا بينا. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.