الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 693، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع حديثاً نبوياً صحيحاً يلعن من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه، مبيناً أن ذلك من الكبائر لاختلاطه بالأنساب. ويربط الشيخ ذلك بتحريم الزنا والتبني مستدلاً بقوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ}، محذراً من الأحكام المترتبة على انتساب الباطل كاختلاط المحارم.
يبيّن المقطع تحريم الإسلام ادعاء النسب إلى غير الأب الحقيقي، مستشهداً بقصة زيد بن حارثة وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في لعنة من ادعى إلى غير أبيه. ويمتد الحكم إلى الانتساب القبلي الكاذب، محذراً من التسرع في نسبة النفس إلى قبيلة دون تحقق، نظراً لاختلاط الأنساب وتشابه الأسماء.
يحذر المتحدث من ادعاء الانتساب إلى قبائل كبيرة دون تحقق، مبيناً أن أسماء القبائل والفخوذ تتكرر في قبائل متعددة لاشتراكها في جدٍّ اسمي. وينصح بالالتزام بالنسب المعلوم والمتيقن منه، وعدم نسبة النفس إلى غير الآباء الحقيقيين بلا دليل، عملاً بقاعدة شرعية وأخلاقية في حفظ الأنساب.
يؤكد الحديث أن من ادعى نسباً لغير أبيه أو تولى غير مواليه يستحق لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ويختتم المتحدث الجلسة داعياً الله أن يكون قد وفق في البيان.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، أما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عفان، وهو ابن مسلم، أبو عثمان الصفار البصري، كان من ثقات أهل البصرة وحفاظهم. قال: حدثنا حماد، وهو ابن خالد الزهري، أيضاً من حفاظ البصريين. قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، وهو كوفي، يرويه عن سعيد بن جبير، وهو إمام من أئمة المسلمين، كما قال الإمام أحمد: «من الناس من مثل سعيد، أو من مثل سعيد» - أي ابن جبير - قال: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سمعه يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». قال: هذا حديث حسن على شرط مسلم. وهذا الحديث فيه هذا الأمر العظيم، وهو أن يدعي الإنسان نسبه إلى غير أبيه، أو إلى غير قبيلته، فقد جاء في الأحاديث المتواترة عن النبي عليه الصلاة والسلام باللعن، وأنه لا يدخل الجنة، أو حرمت عليه الجنة. وهذا يدل على أنه أمر عظيم؛ لأن في ادعاء الرجل إلى غير أبيه اختلاطاً في الأنساب، ولأجل هذا حرم الزنا، حرم الزنا لأجل اختلاط الأنساب. فلذلك وهذا من هذا الباب؛ لأن فيه اختلاط الأنساب: يدعي الرجل أنه من بني فلان، أو ابن فلان، وهو ليس بابنه، ليس ابنه ولا متعلق به، فيدعي أن أباه فلان. وهذا يدل على أن تترتب عليه أحكام أخرى، تترتب على هذا الكلام أحكام أخرى، قد يكون مثلاً من الأحكام: أن هذا الرجل الذي دعا أنه ابنه قد يكون عنده بنات، وعنده كذلك أخوات، وغير ذلك. وغير ذلك معناه: أن هذا الابن الذي دعا أنه ابن له، قد يكون ممن يدخل على هؤلاء النساء، وهن لا يحللن له. وأيضاً، وأيضاً من هذا الباب: نهى الله عز وجل عن التبني: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}. أي لا يقال: فلان ابن فلان، وهو ليس ابنه، وإنما ادعى. وقد كان هذا في الجاهلية، ثم نهى الله عز وجل عنه، فكان زيد بن حارثة يقال له: زيد بن محمد، فلما جاء الإسلام قيل له: زيد بن حارثة، نسب إلى أبيه. وهكذا غيره من الصحابة رضي الله عنهم الذين كانوا لهم أبناء بالتبني، فدُعوا إلى آبائهم. فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه». أو تولى غير مواليه، معناه: ادعى أن مواليه آل فلان، وأنه معتق - أعتق - فيقول: أنا مولى لبني فلان، وهو ليس مولى لهم، وإنما مولى لغيرهم. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مولى القوم من أنفسهم». وأيضاً قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من تولى غير مواليه بغير إذنهم، فعليه لعنة الله»، كما جاء في حديث علي. فلا يجوز للإنسان أن يتولى غير مواليه، وينتسب إلى غير مولاه. كذلك أيضاً التولي إلى غير المولى له أحكام، فالذي يدعي أن مولاه فلان، تترتب على ذلك أحكام، كما أن من ادعى إلى غير أبيه ترتبت على ذلك أحكام. ويدخل في ذلك أيضاً الانتساب إلى القبائل: الانتساب إلى القبائل، أنه ينتسب إلى قبيلة ليست قبيلته، ليست هذه القبيلة قبيلته، ينتسب إليها، فهو داخل في هذا الباب؛ لأنه يدعي إلى غير أبيه، والأب المراد به كل من له له عليك ولادة يعتبر أباً. فمن ادعى إلى غير أبيه، ولو جده، ولو السادس أو السابع أو أكثر، ويدخل في ذلك الانتساب إلى القبائل. فلا يجوز له أن يدعي أنه ابن - معناه: من قبيلة فلان - حتى يتأكد من ذلك، حتى يتأكد أنه من قبيلة فلان. وأما أن الإنسان يرمي نفسه أنه من بني فلان، فهذا ليس صحيحاً، لا بد من التأكد من هذه الأمور. وغالباً الآن القبائل اختلطت، القبائل اختلطت، فقد يأتي مثلاً إنسان يقرأ في بعض كتب التاريخ، ينظر أن قبيلة فلان هي من بني فلان، فيظن أنه قبيلته، وهو ليس لهم بشيء، لا يمد لهم بشيء. فكم من أناس تجد أسماء قبائلهم متحدة، وهم من قبائل شتى. انظر فقط إلى بني سعد: بني سعد في قبائل العرب كثيرة، في مازن، وفي عبس، وفي غيرها من قبائل العرب، كلها فيها بيوتات يقال لها: بنو سعد. فليس معنى ذلك أن بعضهم يقول الآن: بنو سعد، نحن من بني سعد. إن بني سعد كثير: بنو سعد العشيرة، بنو سعد أيضاً من بطن من عبس، وبطن من كذا. هكذا، وكلما طال الزمان كلما ابتعد الناس عن الانتساب للقبائل الكبيرة، فتجد الآن أحياناً القبائل: بعضهم لقب، ليس قبيلة، ليس قبيلة وإنما لقب. فتجد يقول مثلاً: أنا من قبيلة فلان، ينسب نفسه إلى قبيلة كبيرة، وهذا أيضاً من الخطأ. فيحتاج إلى تأكد: إذا تأكد مثلاً من بعض آبائه، أو بعض أجداده، أو بعض من يحفظ التاريخ ويحفظ القبائل، وخاصة بعض القبائل انتسابها كان قريباً، انتسابها كان قريباً، فإذا انتسب إلى هذه القبيلة فلا بأس أن يقول: أنا من بني فلان. وأما أن يقتحم خطاً عشوائياً، وأنه من بني فلان، لماذا؟ لأن هذه القبيلة فيها بني فلان، فهذا ليس صحيحاً.حياناً تجد القبيلة هذه كما قلنا تتكرر في عدة قبائل، أو هذا الفخذ يتكرر في عدة قبائل؛ لأنه غالباً ينتسبون إلى رجل، ينتسبون إلى رجل، فتجد هذا الرجل اسمه هنا واسمه هناك. وهكذا، مثلاً: بني عوض، أو بني فرج، أو بني كذا، تجد في قبائل كثيرة هذا الاسم. وحيناً مثلاً عندنا في حضرموت يزيدون فقط الباء، فيجعلون باء في القبيلة، أو اسم الوالد، أو اسم الجد، فتكون قبيلة. وإذا تحقق من الأمر يجد أن تلك القبيلة لا تنتسب، أو لا ينتسب إليها بحال، وإنما هي قبيلة أخرى، أو غير ذلك. فالأولى من هذا أنه ينتسب إلى قبيلته التي عرف بها، ينتسب إلى قبيلته التي عرف بها. لا داعي مثلاً أن ينتسب إلى قبيلة كبيرة، وهو ليس عنده دليل على ذلك، ليس عنده دليل على هذا، وإنما فقط قرأ أن قبيلة فلان من قبيلة فلان. فلذلك فهذا الباب ينبغي أن يعتنى به، وأن الإنسان لا ينتمي إلى غير أبيه، ولا يدعي أن أباه فلان، أو جده فلان، وهو غير متأكد من ذلك، بل ينتسب إلى من يتأكد أنه منتسب إليه. من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكراً.