الدرس في الأسئلة التي وجهت للشيخ ابن باز في الزكاة 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد الشيخ ابن باز على وجوب تفقه المسلمين في أحكام الزكاة لكونها ركناً من أركان الإسلام، محذراً من التساهل فيها أو إخراجها بغير وجه مشروع. يستدل بحديث منع الزكاة وحبس القطر، ويبين أن من فوائدها تثبيت المودة بين الغني والفقير.
توضح المقاطع فوائد الزكاة المتعددة، منها تعزيز المودة والترابط بين الأغنياء والفقراء لتحقيق مجتمع متراحم. كما تطهر الزكاة نفس المزكي من الشح والبخل، وتعوده على الجود والكرم والعطف على المحتاجين، وتستجلب البركة والزيادة في المال.
يستعرض المقطع الوعيد القرآني والنبوي الشديد لمن يبخل بالزكاة أو يقصر في إخراجها، حيث يُعذب يوم القيامة بتسخين ماله في النار فيكوى به جبهته وجنبه وظهره. ويبين أن مانع الزكاة بخلا مع إقراره بوجوبها لا يكفر، بل يعذب ثم يرى سبيله إلى الجنة أو النار.
يُعلن المتحدث عن انتهاء الدرس الحالي واستكماله في الجلسة القادمة، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر مرتين في ختام المقطع. ويشير إلى أن الدرس سيستكمل في الجلسة القادمة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن شاء الله تعالى نأخذ ما سئل عنه العلامة بن باز عليه رحمة الله فيما يتعلق بأحكام الزكاة. فإن كثيرا من الناس في هذه الأيام يخرجون زكاة أموالهم، فهم بحاجة إلى معرفة شيء من أحكام الزكاة. الزكاة، قال رحمه الله تعالى: قال: «فإن الباعث على كتابة هذه الكلمة هو النصح والتذكير بفريضة الزكاة». يعني: بدأ جامع هذه الفتاوى بكلمة ألقاها فضيلة الشيخ في الزكاة، وفريضة هذه الزكاة، وبعض أحكام هذه الزكاة، ثم ذكر بعض الأسئلة التي يحتاجها المزكون. قال: «فإن الباعث على كتابة هذه الكلمة هو النصح والتذكير بفريضة الزكاة التي تساهل بها الكثير من المسلمين، فلم يخرجوها على الوجه المشروع، مع عظم شأنها». وهذا هو حال كثير من المسلمين، فتجد أن بعض الناس يجهل كثيرا من أحكام هذه الزكاة التي ستمر معنا، وهذا أمر خطير، هذا أمر خطير؛ لأن الزكاة كما هو معلوم هي ركن من أركان الإسلام. فكما أنك تتعلم أحكام التوحيد، وشروط التوحيد، ومعنى التوحيد، والشهادة، وكذلك تتعلم أركان الصلاة، وشروط الصلاة، وما يتعلق بالصلاة، كذلك الزكاة ينبغي على المسلم أن يهتم بالتفقه في أحكامها، في أحكامها؛ فإنها ركن من أركان الإسلام. وقد جاء عند ابن ماجه في حديث عبد الله بن عمر: ثم قال: «خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن»، وذكر منها: «وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منع القطر من السماء»، إلا منع القطر من السماء، «ولولا البهائم لم يمطروا». فمنع الزكاة أمره ليس بالهين. وبعض الناس ربما يظن نفسه أنه يخرج الزكاة، وهو يخرج الزكاة لكن عن جهل، فلربما لم يخرجها على الوجه المشروع، ولم يؤدها كما أراد الله سبحانه وتعالى، فهو في الحقيقة كأنه لم يخرجها، كأنه لم يخرجها؛ لأنه لم يخرجها على الوجه المشروع. فبهذا وغيره، أو لهذا وغيره، وجب على المسلمين أن يتعلموا، وأن يتفقهوا في أحكام الزكاة. قال: «وكونها أحد أركان الإسلام الخمسة التي لا يستقيم بناؤه إلا عليها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ‹بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت›، اتفق على صحته». قال: «وفرض الزكاة على المسلمين من أظهر محاسن الإسلام، ورعايته لشؤون معتنقيه، لكثرة فوائدها، ومسيس حاجة فقراء المسلمين إليها». فإذن الزكاة، وربنا سبحانه وتعالى العليم الحكيم، فيها حكم، وفيها كذلك فوائد كثيرة. فهنا بدأ الشيخ رحمه الله يعدد فوائد الزكاة، فقال: «فمن فوائدها: تثبيت أواصر المودة بين الغني والفقير، لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها». فالغني إذا كان يواسي الفقير، ويعطيه مما أعطاه الله عز وجل، فهنا تكون المودة والمحبة بين الغني وبين الفقير، فيكون المجتمع مترابطا متراحما متوادا، وهذه فائدة عظيمة. فالفقير يحب الغني، والغني كذلك يعطف ويرحم الفقير، فيكون هناك من المودة، ومن كذلك الترابط بين أفراد المجتمع، بين أفراد المجتمع، وهذا أمر عظيم. قال: «ومنها -أي من فوائد الزكاة-: تطهير النفس وتزكيتها، والبعد بها عن خلق الشح والبخل، كما أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾». فالزكاة طهرة لذلك المزكي، تتطهر نفسه بإخراج هذه الزكاة، وإذا أخرج الزكاة ابتعد عن خلق الشح والبخل، عن خلق الشح والبخل. تصور تاجراً معه ملايين، ملايين كثيرة من الأموال، فإذا أحصى أمواله مثلاً وجد أن زكاة ماله خمسين مليوناً، لا تستغربوا هذا، بعض التجار يخرج أكثر من هذا، تكون زكاة ملايين لكثرة أمواله. فإنه إن أخرجها فهذا دليل على بعده عن الشح وعن البخل، وإلا فالنفس البخيلة الشحيحة تبخل عن أن تخرج هذا المال، أن تخرج هذا المال. وكذلك الغني الذي هو متوسط الحال، ربما يخرج المليون، أو خمسمائة، أو أقل من ذلك، أو أكثر، فهذا كله فيه تطهير وتزكية لهذا النفس، وفيه كذلك بعد عن خلق الشح وخلق البخل. قال: «ومنها -أي من فوائد الزكاة-: وحكم الزكاة تعويد المسلم صفة الجود والكرم، والعطف على ذي الحاجة». وهذا واضح، لما يعطي الزكاة يعود نفسه، ويمرن نفسه على هذه الأخلاق الفاضلة، كخلق الجود والكرم، والعطف على ذي الحاجة. قال: «ومنها: استجلاب البركة». من فوائد الزكاة: استجلاب البركة، والزيادة، والخلف من الله، كما قال تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾. ففي الحقيقة من يخرج الزكاة فهو يطلب الزيادة في ماله، لأن من أسباب نماء المال وكثرة المال الإنفاق، الإنفاق. ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان يقول أحدهما: «اللهم أعط منفقا خلفا». الذي ينفق، يدعو هذا الملك ربه سبحانه وتعالى أن يعطي هذا المنفق خلفا، أن يخلفه فيما أعطى وفيما أنفق. فخراج الزكاة من أسباب استجلاب البركة والزيادة، وطلبوا كذلك البركة من الله سبحانه وتعالى، ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾. فالله عز وجل هو الذي جعلك، أو هو الذي جعل هذا المال لك خليفة منه سبحانه وتعالى، فإذا أنفقته في سبيل الله، وفي طاعة الله، فالله عز وجل خزائنه ملأى يعوضك، وكذلك يرزقك من حيث لا تشعر. وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «يقول الله عز وجل: يا ابن آدم، أنفق أنفق عليك»، إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة، فالزكاة فيها فوائد كثيرة. قال: «وقد جاء الوعيد الشديد في حق من بخل بها، أو قصر في إخراجها». قال الله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾. فانظروا يا عباد الله إلى هذا الوعيد الشديد، الذي لا يخرج الزكاة ويكنز هذا المال، فبشره ربنا سبحانه وتعالى بالعذاب الأليم، ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾. فالبشارة قد تكون في الخير، وقد تكون في الشر، وقد تكون في الشر. فهنا من باب البشارة بالشر، الذي لا ينفق في سبيل الله، ولا يؤدي الزكاة، فإنه موعود بالعذاب الشديد. ثم بين ربنا عز وجل نوع هذا العذاب، فقال: ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم﴾. هذا الذهب والفضة يحمى عليه في نار جهنم، فتكوى بها، توضع بعدما اشتدت حرارتها من شدة نار جهنم، والعياذ بالله، تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، حتى يذوقوا ألم ذلك العذاب. تكوى بها هذه المواضع: الجباه، والجنوب، والظهور. ﴿هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾. قال: «فكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز، يعذب به صاحبه يوم القيامة». أي نوع من أنواع الأموال الزكوية، سواء كان ذهبا، سواء كان فضة، وهو ما يسمى بالنقدين، وفي حكمهما النقود، النقود أو الأوراق النقدية، هذه أيضا حكمها حكم الذهب والفضة، كما سيأتي معنا. قال: «فكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز، يعذب به صاحبه يوم القيامة»، كما دل على ذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحَت له صفائح من نار، فأحمِيَ عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة». إذا بردت هذه... ماذا؟ الذهب والفضة بعدما يكوى بها، يرجع بها إلى النار فتسخن، ثم يكوى بها مرة ثانية، وهكذا كلما بردت وأعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار. فهذا وعيد شديد. وهذا في حق من لم يجحد بفرضيتها، لا، لم يجحد، ويعترف، ويؤمن، ويقر بأن الزكاة واجبة في ماله، لكنه لم يخرجها بخلا وشحا، فهذا هو حكمه. أما لقوله: فيرى سبيله... وهذا هو قول، وهذا هو دليل من ذهب إلى أن مانع الزكاة بخلا وشحا ليس بكافر، ليس بكافر، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فيرى سبيله». قال: «ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الإبل، والبقر، والغنم، لأن هذه كلها من الأموال الزكوية، الذي لا يؤدي زكاتها، وأخبر أنه يعذب بها يوم القيامة». طيب، نكمل إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر بسacer