الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 605، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يصف أسلوب الإمام النسائي وشيخه في الحفاظ على هيبة حلقات العلم، ويذكر بعض الأحاديث النبوية التي رواها الإمام النسائي. كما يتحدث عن أساليب العلماء في تعظيم مكانة هذه الحلقات.
يتناول اختلاف العلماء حول توبة القاتل عمدا، حيث يرى البعض عدم قبولها بينما يرى آخرون قبولها مستدلين بحديث النبي عن الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا ثم تاب.
يشرح حقوق القاتل والمقتول، ويبين أهمية العفو من قبل أولياء المقتول واتباع المعروف في أداء الدية، مشيرًا إلى حق المقتول يوم القيامة.
يتحدث عن توبيخ القاتل يوم القيامة حتى وإن تاب، ويشير إلى عاقبة القتل الخطيرة وأن توبة القاتل لا تغني عن مطالبة المقتول يوم القيامة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام النسائي: قال شيخنا مقبل بن هاد الوادي رحمه الله: قال الإمام النسائي رحمه الله تعالى: أخبرنا محمد بن رافع، وهو القشيري النيسابوري، شيخ الإمام مسلم، وكان عنده جد في دروسه في حلقته، لا يحب أحدًا أن يتكلم في درسه، ولا أيضًا كذلك حتى يضحك ويبتسم. كان إذا رأى إنسانًا يبتسم أو أحد الطلبة يبتسم، يأخذ كتابه ويدخل إلى بيته. وهذا أسلوب من أساليب بعض العلماء؛ لأجل هيبة هذه الدروس والعلم، فيستخدمون بعض الأساليب لأجل أن يجعل الهيبة في قلوب طلبة العلم من هذه الحلقات. هذه الدروس يعلم أن لها هيبة ولها مكانة، لا ينبغي أن طالب العلم يستهين بهذه الحلقات ويستهين بهذه الدروس. ولهذا فهذه الحلقات مما تحفها الملائكة، تغشاها الرحمة، تنزل عليهم السكينة. وكل هذا مما يدل على أهمية هذه الحلقات، فلهذا كان بعض السلف لا يبتسم في حلقته، ولا يحب أحدًا يبتسم. وكان أيضًا شعبة بالحجاز أيضًا يفعل ذلك. كان إذا رأى من يتكلم في حلقته أو من هو مشغول بغير الدرس، قام من مجلسه ودخل بيته. قال الإمام النسائي: يخبرنا محمد بن رافع، قال: حدثنا شبابة بن سوار، وشبابة بصري، وشبابة رمي بالإرجاء؛ لأنه له مقالة لم يسبق إليها، أو هو يقول بقول أهل البدع. لكن له كلام، أن أهل الإرجاء يقولون: إن الإيمان قول وعمل واعتقاد وقول، هذا أصحاب الإرجاء. وأهل السنة يقولون: اعتقاد وقول وعمل. فهذا شبابة بن سوار أراد أن يجمع بين قول المرجئة وأهل السنة، فقال: الإيمان اعتقاد وقول، ومن قال فقد عمل. يقول هكذا: ومن قال فقد عمل. فلما ذكر ذلك الإمام أحمد رحمه الله عليه، قال: هذا قول المرجئة، ولم يسمع منه لما جاء إلى العراق وإلى بغداد. قال: حدثني ورقاء، وهو ابن عمر اليشكري، عن عمرو، وهو ابن دينار. ورقاء وعمر أيضًا كوفي، وعمر بن دينار يعتبر من أحفظ الناس لحديث ابن عباس، قال: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ناصيته ورأسه في يده، وأوداجه تشخب دمًا، فيقول: يا رب قتلني، حتى يدنيه من العرش». قال: فذكروا لابن عباس التوبة، فتلى هذه الآية: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِدًا﴾ قال: ما نسخت منذ نزلت ﴿فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ قال: وأنا له بالتوبة. قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وأثر ابن عباس الذي في آخره في الصحيح، أي في صحيح البخاري. والحديث أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن. وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن دينار نحوه، ولم يرفعه. فهذا الحديث فيه مسألة مهمة، وهو أن القاتل يوم القيامة يوبخ ويؤخذ منه حق المقتول. ولهذا كان ابن عباس يقول: لا توبة له؛ لأنه أيضًا يعاقب يوم القيامة. وأكثر أهل العلم، بل وجمهور العلماء: أن له توبة؛ أن القاتل له توبة إذا تاب. حديث ب سعيد في الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم جاء إلى عابد وقال له: إني قتلت تسعة وتسعين نفسًا، فهل من توبة؟ فقال: ليس لك توبة، فقتله وأكمل المئة، ثم ذهب إلى عالم وعرض له هذه المسألة، وقال له: هل من توبة؟ قال له: ما يمنعك من التوبة؟ لكن أهل بلدك أهل سوء، أو قوم سوء، فاخرج إلى بلد كذا وكذا؛ فإن فيها أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم. فخرج هذا الرجل ومات في الطريق، فاختصمت عليه ملائكة العذاب وملائكة الرحمة. ثم جاء ملك يحكم بينهم، فقال: قيسوا المسافة، ما كان إلى القرية التي هي أقرب إليه، يكون مآله. قال: فإذا هو ينوء بصدره، فمد الله عز وجل أراد أن يرحمه، فنأى بصدره حتى قرب من القرية التي فيها من يعبد الله. فلما قاسوا، وجدوا أنه قد قرب من هذه القرية التي فيها من يعبد الله رمية بحجر. أنا رمي عند من يرمي نسان الحجر، فهذه المسافة هي معنى وجدوها أكثر من المسافة التي بينه وبين قريته. المهم أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن هذا قبل التوبة، فلهذا من قتل أيضًا وتاب قبل التوبة، فالله عز وجل عرض التوبة على من حرق أولياءه ووضعهم في النار، فعرض عليه التوبة. وأهل الشرك والذين ادعوا أن الله ثالث ثلاثة، وغيرهم من أهل الكفر، عرض الله عز وجل عليهم التوبة. فالقاتل لا شك أن توبته مقبولة، لكنه غالبًا لا يعافى. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عسى الله أن يتوب على كل تائب إلا من أشرك»، أو «عسى الله أن يغفر كل ذنب»، «عسى الله أن يغفر كل ذنب إلا من أشرك بالله أو قتل النفس التي حرم الله». وهذا أخرجه أحمد عن معاوية، وهو إسناد صحيح. فلهذا أيضًا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: «لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا، فإذا أصابه، بلح أن أضيق عليه». فلا شك أن القاتل يضيق عليه في دينه؛ لأنه أقرب إلى الكفر، فلهذا يضيق عليه في دينه. وأيضًا غالبًا لا يعافى إلى التوبة؛ معنى جزاءً وفاقًا أنه قتل أخاه ظلمًا. فمثل التوبة كما قلنا اختلف العلماء فيها. وأكثر أهل العلم على أن التوبة مقبولة. بل ذكر بعضهم لجمع ويجمع ويجمع بين كلام العباس وما ذكره أكثر العلماء، وحملوا على الآيات والأحاديث: أن القاتل عليه ثلاثة حقوق. أن القاتل عليه ثلاثة حقوق: الحق الأول حق الأولياء أولياء المقتول. والحق الثاني، بل هو الأول حق الله عز وجل؛ لأن الله عز وجل حرم القتل، فمن قتل فقد انتهك حرمة الله جل وعلا، فهو حق الله جل وعلا. وهذا حق الله يكون بالتوبة، إذا تاب تاب الله عز وجل عليه. وحق الأولياء يكون بالمسامحة والعفو، فإذا عفوا عن القاتل، وأما أن يطلبوا الدية وإما أن يعفوا بدون دية. فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة. فالقاتل قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ سماه أخًا، ولو كان كافرًا كما تقول الخوارج لم يسمه الله عز وجل أخًا. ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فإذا عفى أصحاب المقتول، فهذا يبرأ ذمة القاتل من القصاص والدية. والحق الثالث حق المقتول. الحق الأول حق الله، والحق الثاني حق الأولياء، والحق الثالث حق المقتول. وهذا لا يذهب بالتوبة، هذا حق المقتول لا يذهب بالتوبة. يأتي يوم القيامة ورأسه يشخب دمًا، أي هذا المقتول، وهذا المقتول وهو آخذ القاتل بناصيته بمقدمة شعره، يقول: يا ربي لما قتلني؟ أو سل هذا فيما قتلني؟ وجاء هنا «يا ربي قتلني» قال: حتى يذنيه من العرش. في رواية: أنه يقول له: سل هذا فيما قتلني؟ أي: لماذا قتلني؟ وهذا من باب التوبيخ للقاتل في ذلك اليوم العظيم. وهذا كما قلنا مراد بن عباس: أن توبته لا تقبل، بل حتى ولو تاب فإنه يؤتى به يوم القيامة لأجل التوبيخ والتقريع. طيب هذا ما يذكر في هذا الحديث. والله تعالى أعلم.