الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 606، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُبين تشدد الإمام النسائي في اختيار الرواة الثقات، ويُقارن ذلك بمنهج غيره من كبار المحدثين. يُظهر المقطع أهمية الثقة في الرواية.
يشرح تفسير آية آل عمران التي تتحدث عن قبول توبة المرتد عن الإسلام، ويتناول اختلاف العلماء في قبول توبة من تكررت ردته. يُبين أن الآية نزلت في رجل من الأنصار.
يُبين أن توبة المرتد تقبل إذا كانت توبة صحيحة صادقة، ويتناول اختلاف العلماء في حكم قتل المرتد إذا تاب قبل أن يدرك. كما يستدل بآية المحاربين على أن التوبة قبل القدرة على المذنب تُغفر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين، ولا مبعد. قال الإمام النسائي رحمه الله: قال شيخنا مقبل رحمه الله: قال الإمام النسائي، والإمام النسائي هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي الخرساني، ونساء هي قرية من قرى خرسان، ينسب إليها نسبة نساء ونسوي، يقال نسوي ويقال نسائي، وهي نفسها قرية واحدة أو منطقة من مناطق خراسان تسمى نساء. قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع، وهو من مشايخ النسائي، وإمام النسائي رحمه الله تميز بهذا الأمر، وهو أنه لا يروي إلا عن ثقة، معنا أكثر أو لعله الوحيد في أهل السنن وأهل الأمهات الست أنه لا يروي إلا عن ثقة. وكذلك أيضا البخاري، لكن البخاري روى عن أناس متكلم فيهم، لكن انتقى من حديثهم كإسماعيل بن عبد الله بن أويس، وأيضا غيره ممن انتقى رحمه الله من حديثهم، وخالد بن مخلد القطواني. وكذلك مسلم رحمه الله أيضا روى عن مشايخ بعضهم فيهم ضعف أو تكلم فيهم كسويد بن سعيد، وكذلك أحمد المصري، وجماعة من تكلم فيهم. وكذلك أيضا أبو داود، أو داود أيضا ممن يتحرى في الرواية، لكنه قد روى عن أناس فيهم ضعف، لأجل أنه ذكر في كتابه الأحاديث التي اشتهرت عند الفقهاء، فلهذا يذكرها، وفي إسنادها ضعف أو تلقاها من بعض المشايخ الضعفاء. وأما ترمذي وابن ماجه فقد رووا عن أناس فيهم ضعف كثير، خاصة ابن ماجه روى عن جماعة من المتروكين، بل قد اتهموا بالكذب كجبار بن مغلس وغيره، فلهذا انحطت، كما قال الإمام ابن الصلاح وغيره، انحطت رتبة ابن ماجه بسبب أنه روى عن أناس هم من المتروكين، بل قد كذبوا. ولهذا قال الإمام المزي صاحب تحفة الأشراف رحمه الله: إذا تفرد ابن ماجه بحديث عن باقي أصحاب السنن أو عن باقي الأمهات، فإن تفرده منكر، يعني يريد غالبا، هذه قاعدة أغلبية أنه إذا تفرد ابن ماجه بالحديث ولم يروه أحد من أصحاب الأمهات الست، فهو حديث منكر. أن هذه قاعدة أغلبية، وقد يوجد أحاديث صحيحة معنا ليست موجودة، مثلا على سبيل المثال بعضها العلم يصحح حديث: "يا معشر المهاجرين، أعوذ بالله من خمس أن تدركوهن"، فهذا الحديث أخرجه ابن ماجه، وانفرد به ابن ماجه عن أصحاب الأمهات الست، لكن تحسنه كثير من أهل العلم. فقد يوجد هذا، لكن غالبا الأحاديث التي يتفرد بها ابن ماجه يكون فيها ضعف، كما قال المزي رحمه الله. فالإمام النسائي يعتبر من أفضل أهل الأمهات الست ممن يتحرى في الرواية، ممن يتحروا خاصة في مشايخه، فهو لا يروي إلا عن ثقة. وأما الرواة الذين يروي عنهم، فغالبهم ثقات، لأن النسائي متشدد في هذا الباب أن يتشدد في الرجل. ولهذا مما يدل على تشدده في هذا الباب أن الإمام الدارقطني سأله البرقاني الصغير، وأخرج الرجال الذين في البخاري، معنى روى عنهم البخاري في الأصول ومسلم، وضعفهم النسائي، فأخرجهم في معنى أخرج هؤلاء الرجال، وسأل عنهم الدارقطني، فأجابه فيهم، وأكثرهم وافق فيه أو فيهم البخاري ومسلم على أنهم ثقات، وهذا يدل على أن النسائي يتشدد في هذا الباب. وأما قول النسائي رحمه الله: "لا أخرج عن رجل إلا إذا أجمع عليه الناس"، فليس أنه فيه التساهل، ليس المراد أنه إجمع كل أهل الحديث كما فسره الحافظ بن حجر وغيره، وكذلك الحافظ بن رجب، وإنما أراد أنه لا يخرج إلا لرجل قد اجتمع عليه أهل طبقته، مثلا إذا كان في زمن عبد الرحمن ويحيى، يحيى بن سعيد القطان، فإذا اجتمع عليه خرج له الحديث، وإذا كان أحدهما لم يخرج له فيتوقف فيه، وهكذا. أو أنه لا يترك الرجل حتى يجمع عليه، فإذا أجمع عليه يحيى بن سعيد وعبد الرحمن أخذه، وإذا أجمع عليه أيضا أحمد بن معين وعلي بن المديني أخذه، هكذا، فكل طبقة على حسب علمائها. قال: حدثنا يزيد، وهو بن زريع، وهو أبو معاوية البصري، حافظ من حفاظ البصرة، قال: أنبأنا داود، داود هو ابن أبي هند، كان رجلا عالما وحافظا وفقيها، قال: عن عكرمة، عكرمة هو عكرمة أبو عبد الله البردي، عكرمة مولى بن عباس، وكان قد اعتنى به ابن عباس اعتناء عظيما، حتى أنه كان يضع عليه الكبل ويربطه في المسجد حتى لا يذهب ويلعب لأجل أن يحفظ القرآن، كان يحفظ القرآن والتفسير، وقد أثمر هذا أيما إثمار، معنى من ناحية النتائج، فعكرمة بحر لا ساحل له، وخاصة في التفسير، فهو أوسع أصحاب ابن عباس في التفسير، أوسعهم من ناحية الأخذ عن ابن عباس، حتى أن بعضهم كان يستنكر كثرة رواية عكرمة عن ابن عباس، وهذا لا يستبعد، لأن عكرمة كان ملازما لابن عباس أكثر من غيره، إنه كان معه في حضر وفي سفر، وكان دائما عنده، فلا شك أنه سيحفظ، وعكرمة حافظ كبير، سيحفظ علم ابن عباس. واستنكر سعيد بن جبير بعض الروايات عن ابن عباس سمعها من ابن عباس خلافها، وهذا لا يقدح في عكرمة، كما قال كثير من العلم، هذا لا يقدح في عكرمة، لأن الرجل قد يقول قولا ويرجع عنه غدا، وقد يرى تفسيرا ويرى خلافه غدا، أو يرى في الآية وجها ثم يبدو له وجها آخر فيأتي به، لأن بعض الآيات تحتمل وجوه كثيرة، فلهذا تجد الحافظ المكثير رحمه الله في تفسيره أحيانا يقول: وهذه الأوجه التي جاءت عن السلف كلها تحتملها الآية، وهذا تجده في أكثر من آية، يقول هكذا، يقول: وهذه الأوجه التي جاءت عن السلف كلها تحتملها الآية، أنها تحتمل تفسيرها، فعنها داخلها في تفسير هذه الآية. وهذا يدل، كما قلنا، على أن العالم قد يذكر وجها في درس أو في حلقة، ويذكره في حلقة أخرى، أو وجها آخر يذكره في حلقة أخرى، قد يكون أيضا عن الرجل الواحد عدة أوجه. فهذا ابن عباس تجد إذا قرأت مثلا في ابن جرير في تفسير ابن جرير، تجد أن له أكثر من قول في الآية الواحدة، وهذا يدل على تراجع أو على أنه أوجه أو على أنه تراجع عن الأول واستبان له معنى آخر، فلهذا لا ينكر على عكرمة نقله عن ابن عباس أشياء لم تنقل عن غيره. قال: عن عكرمة، عن ابن عباس، وهو حبر الأمة، قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم تندم، فأرسل إلى قومه: سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن فلانا قد ندم، وإنه أمرنا أن نسألك هل له من توبة؟ فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ إِلَى قَوْلِهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فأرسل إليه فأسلم. قال: هذا حديث صحيح، الرجال هو رجال الصحيح، وداود هو ابن أبي هند، كما في تفسير ابن جرير. فهذه الآية في قبول توبة من ارتد عن دينه، وأكثر العلم على أنه تقبل توبته، لكن اختلف في من تكررت ردته، الذي تتكرر ردته، مثلا يدخل أو يسلم ثم يكفر ثم يسلم مرة أخرى ثم يكفر، فبعض العلم كالحنفية يقولون: إنه لا تقبل توبته، لا تقبل توبته ما دام أنه يتكرر في الردة، لأنه متلاعب، لأن الله عز وجل قال في آخر الآية: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾، فتكررت منهم الردة والكفر. لكن الله عز وجل قيد أنه ازداد كفرا، وقوله جل وعلا: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَهْدِيَهُمْ﴾، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾، حمله كثير من العلم على أنه إذا استمر على كفره، أما إذا تاب ورجع فإنه تقبل منه التوبة، تقبل منه التوبة. وهذا قول جمهور العلماء على أن توبته مقبولة، وفي رواية عن أحمد أنها لا تقبل، لكن الصحيح أنه إذا تاب وحسن إسلامه فإنها تقبل. وهذه الآية أيضا دليل على ذلك، لأن الله عز وجل ذكر التوبة بعد هذه الآية. وإنما ربنا سبحانه وتعالى حكيم جل وعلا، فلم يعطيه التوبة في بداية الأمر، وإنما بيّن أن هذا جرم عظيم، أن هذا الذي فعله جرم عظيم، أنه ارتد بعد ما أسلم، وقد عرف الحق، فقال: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، لكن عرض الله عز وجل بعد ذلك التوبة، وإلا فمثل هذا لا يستحق أن يقبل منه، لكن لرحمة الله عز وجل، وكذلك أن ربنا سبحانه وتعالى سبقت رحمته غضبه جل وعلا، فقبل التوبة من هؤلاء. وربنا جل وعلا قد أنزل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، جاء في صحيح البخاري، المسلم بنفس هذا الإسناد، أن أناسا من حديث ابن عباس، أن أناسا جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلوا فأكثر من المشركين، قتلوا فأكثر، وزنوا فأكثر، فقالوا: هل لنا من توبة؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، وقوله: وأنزل أيضا آية الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ﴾، فمن حصل منه الشرك ثم تاب ورجع، فإن الله عز وجل يتوب عليه إذا كانت توبة صحيحة صادقة، فإن رجع إلى الكفر أيضا كذلك، إلا إن كان ليس نيته التوبة، وهذا عند الله عز وجل، فهو الذي يعلم السرائر، مثل المنافقين توبتهم توبة نفاق، فهو لا يريد أن يتوب، وإنما من باب إظهار أنه تاب، يظهر أنه تاب. فخلاصة هذه المسألة، وهي مسألة تكرار الردة، هل تقبل توبة من ارتد ثم تاب ثم ارتد ثم تاب؟ هل تقبل توبته؟ الصحيح أنها تقبل، لأن الله عز وجل قبل توبة من هو أعظم من هؤلاء، وكما تقدم معنى من الأدلة في قبول توبته. وأيضا كذلك لا شك أن المرتد عليه حكم القتل، النبي عليه الصلاة والسلام قال: "من بدل دينه فاقتلوه"، فيقتل المرتد، لكن هنا إذا لم يستطع له أن تاب قبل أن يدرك، هل يقتل أم أنه يترك أو يترك قتله؟ فأيضا هذه المسألة في خلاف، فالردة أو حد الردة، هل هو حد كفر لأجل كفره، أم أنه حد لأجل انتقاضه؟ معنى يبقى الحد هذا لا يتزعزع مثل حد السكران مثلا، حد الزنى، حد السرقة، فلو تاب مثلا من رجل زنى ثم تاب ثم عرف أنه زنى وطلعت قضيته إلى المحكم، فهنا يحكم عليه الحق القاضي بحكم الشرع، ولو تاب، فالتوبة هذه ما تنفعه أن تنفعه عند الله، لكن في أحكام الدنيا يبقى الحكم عليه. فكذلك أيضا حكم الردة، هل هو باق مستمر، أنه حتى ولو رجع يقتل، أو أنه متما رجع أيضا كذلك لا يقتل، والحد يسقط عنه؟ وهذا قال جمهور أيضا أهل العلم أن الحد يسقط عنه إذا تاب ولم يدرك. وأخذ العلماء من هذا بآية المحاربين، المحاربين آية المحاربين: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، إذا كان تابوا قبل أن يقدر عليهم، فإنهم يتركون، ما لم يكن لهم عليهم حدود، مثلا قتل أو سرق أو زن، فهؤلاء يعاقبون على حدودهم، أما إذا لم يكن عليهم شيء وتابوا، فإن الله عز وجل يتوب عليهم.