الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 110، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المقطع رفض قريش لدخول النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة لأداء العمرة، وإرسال وفود للتفاوض معه، مما أدى إلى صلح الحديبية. تم التفاوض مع عروة بن مسعود الثقفي وسهيل بن عمرو.
ناقش المقطع شروط صلح الحديبية بين النبي محمد وقريش، ومنها عدم دخول المسلمين مكة في ذلك العام والعودة في العام التالي، ووقف الحرب لمدة عشر سنوات. تضمنت الشروط أيضًا حرية الانضمام إلى حلف إما مع المسلمين أو قريش.
يصف المقطع موقف الصحابة من صلح الحديبية وما شعر به بعضهم من عدم رضا، ثم يبين كيف أن اتباعهم لهدي النبي صلى الله عليه وسلم أدى إلى نصر الله لهم. يستشهد بآيات الفتح التي نزلت عليهم بعد صلح الحديبية.
بعد وفاة بعض المسلمين، أنزل الله آيات الفتح مبشرةً بفتح عظيم لمن صبر وثبت. هذا الفتح يُعد جزاءً لمن احتسب واعتصم بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس كان الحديث عن قول الناظم رحمه الله تعالى: وبعده استسقاؤه وذوق رد وصد عن عمرته لما قصد، أشرنا إلى الشطر الأول من هذا البيت بمسألة الاستسقاء وما يتعلق بغزوة ذي قرد، نتحدث الآن عن الشطر الثاني من هذا البيت، قوله رحمه الله: وصد عن عمرته لما قصد، أي هذه من أحداث السنة السادسة التي وقعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قصد نبينا صلى الله عليه وسلم الذهاب إلى مكة لأداء العمرة. فذهب وأشاع وأذاع بأنه سيذهب إليها معتمرا لا مقاتلا ولا غازيا عليه الصلاة والسلام، وأخذ معه الهديا والبدن، وتحلل وأحرم في طريقه، أخذ بكل ما يبعد شبهة القتال، لكنه ما إن وصل إلى حدود مكة حتى خرج إليه من خرج ومنعه من التقدم. طبعا هذا ليس لقريش أن تمنع الكعبة لزائريها وزوارها، لأن الكعبة للجميع، صحيح قريش قد تولت زمام المبادرة في القيام على شرف الكعبة في المساقي والوفادة إلى غير ذلك، لكن المنع ليس لها حق أن تمنع من جاء زائرا لبيت الله. إلا أنها هنا تجرأت ومنعت نبينا صلى الله عليه وسلم، نبينا خرج تحديدا في ذي القعدة في السنة السادسة من الهجرة، هذا مفاد الحادثة. خرج نبينا بألف وأربعمائة من أصحابه، خرجوا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد أخبرهم بتلكم الرؤية التي أراه الله إياها في منامه: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين ومقصرين. فعلى إثر هذه الرؤية استبشر المسلمون البشارة الحسنة، فخرجوا مع رسول الله معتمرين، حتى جاءهم هذا الأمر الذي قضم مضاجعهم، كيف أن قريش منعتهم؟ حينها في هذه المسألة أصبحت الوفود تأتي لأن المسلمون لن يسلموا لقريش، لن يسلموا من أنتم حتى تمنعون من زيارة بيت الله؟ فهنا قام الكفار بإرسال الوفود تلو الوفود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يفاوضوه في مسألة الدخول. أكان من صور من الوفود أنهم أرسلوا عروة بن مسعود الثقفي، حين أن كان كافرا أرسلته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يفاوضه، لكن من غير فائدة، سوى أن عروة لما دخل إلى معسكر المسلمين وجد من بهر لأجله من التعظيم والتوقير والاحترام لمقام رسول الأنام عليه الصلاة والسلام. كان عروة يترقب في مكانة رسول الله عند أصحابه، ما أن يتكلم نبينا حتى خفض الصحابة أصواتهم، فما رفع أحد صوته فوق صوت الرسول عليه الصلاة والسلام. ما كان أحد يدقق النظر أو يحد النظر في وجه رسول الله إجلالا وإعظاما، وإذا قام ما يتوضأ عليه الصلاة والسلام قام الصحابة وتقاتلوا على الماء المتصاقط من أثر وضوئه عليه الصلاة والسلام، ما تسقط شعرة من شعرات رأسه إلا وأخذتها وتلقفتها أيدي الصحابة لأنفسهم، ذهل عروة، ما هذا؟ قال: جئت كسرى في ملكه وقيصر في عظمته، فما رأيت ملكا معظم عند أحد كتعظيم محمد عند أصحابه، ما رأيت هذا، ما رأيت. ثم قامت قريش وأرسلت شخصا آخر لكي يفاوض نبينا عليه الصلاة والسلام، فأرسلت سهيلا وهو من عقلاء أهل قريش، أرسلوه إلى رسول الله، ولما علم نبينا بقدوم سهيل قال: سهل الله أمركم، استبشر نبينا بهذا الرجل لما يعرفه من رجاحة عقل، فتناقش سهيل مع رسول الله عليه الصلاة والسلام حول هذا الوضع الحاصل الآن، الحل، فخرجوا بما عرف بعد ذلك بشروط صلح الحديبية. فلما كان الاتفاق أمر نبينا الكاتب أن يكتب هذا الاتفاق، فجئ بعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وكان علي ممن يكتب الوحي في عهد رسول الله وكان كاتبا، فأمر نبينا عليا أن يكتب: أكتب بسم الله الرحمن الرحيم، حينها تدخل سهيل، تدخل سهيل وقال: أما هذا ما نعرف هذه الصيغة، ما نعرفها بسم الله الرحمن الرحيم، أكتب الذي نعرفه، أكتب بسمك اللهم. فقال نبي: أكتب، امسح هذه وأكتب بسمك اللهم، فكتبت، ثم قال نبينا صلى الله عليه وسلم: بسمك اللهم هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سهيل: قف، قال: يا محمد، لو شهدت أنك رسول الله لما قاتلناك، لما قاتلناك، فلا تكتب هذا، أكتب بسمك واسم أبيك، فقال عليه الصلاة: أمحها واكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. طبعا كاتب الوحي علي كان لا يفضي هذا الكلام إلا أن النبي كان يلزمه غير هذا: اكتب هذا وهذا، ثم ذكروا شروط الصلح. شروط الصلح يا إخواني في الله تعود إلى أربعة أمور مهمة، أذكرها اختصارا. الشرط الأول وهو الذي يحل الوضع الحالي، وهو أن نبينا يرجع، يرجع الآن، فنبينا صلى الله عليه وسلم قال: بس، ندخل نطوف نطوف بالبيت، ما نفعل شيء، نطوف بالبيت، قد وصلنا، ما هناك شيء يمنعنا من مكة، ندخل ونرجع. فقال لا، سهيل قال: لا، حتى لا تتحدث العرب على أنكم دخلتموها قهرا، هذا سيكون عيبا علينا، يعني تأتي من المدينة وتدخل، إلا وإلا لا، ارجع الآن لك، لكن لك في العام القادم تدخل، هذا أول شرط، لا تدخل معنا الآن، ترجع. طبعا جاء هذا في البخاري وفي مسلم، جاء التوضيح هذا الأمر أنك وإن جئت العام القادم فإنك ستأتي مكة ثلاثة أيام، وليس معك ومع أصحابك إلا سلاح المسافر، هذا مما وضعوه. إذا في العام القادم إذا جئت لما يسمى فيما بعد ذلك عرف بعمرة القضاء، هذا في العام القادم. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني كذلك مما كان من بنود الصلح أنه الحرب توضع بينهم، أي تقف بينهم لمدة عشر سنوات، نرتاح، مرت بدر، مرت أحد، والغزوات الصغيرة هذه قتال وقتل فيها، وخندق، يا محمد، نضع الحروب فيما بيننا وبينك، لا قتال ولا شيء، عشر سنوات. ماذا كان رأيه عليه الصلاة والسلام؟ رأيه أن وافق، وانتبه نبينا يبرم صلحا مع الكفار، في صلح، وهل هذا خاص برسول الله لهذا قائم إلى يوم الدين؟ وهل هذا متعلق فقط بعشر سنين؟ قال العلماء: لا، بل أهل الإسلام هم الخيرة، ينظرون إلى الوضع، وإذا وجدوا أن وضعهم ليس فيه من القوة ما ينهضون به فيمددون المدة، عشر، خمسة عشر، عشرين سنة، أربعين سنة، إلى أن يروا أن أنفسهم عندهم من القوة والقدرة والكفاءة على رد الصعصعين وعلى رفع راية الجهاد والقتال، وأننا نخزي الكفار حتى يضعوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وما فيه شيء، عشر سنين، سيقف القتال بين المسلمين أو بين كفار قريش، هل هذا فيه ضعف؟ هل هذا فيه جبن؟ الجواب: لا، هذا فيه مصلحة، مصلحة، مصلحة، يا عبد الله، لأنه سيتفقه في دين الله عز وجل، لأننا نخاطر بدماء المسلمين، وأننا ندفع بأهل الإسلام مع ضعفهم مع عجزهم مع قلتهم في مجزرة، يبادون، يبادون بالآلاف، بالآلاف المؤلفة، وماذا عسى أن نحقق؟ فكان من حكمتي الشرع أنه أجاز لنا الصلح إذا احتاج ذلك. المسلم ليس في ذلك إرهاص ولا إرجاف ولا خذلان كما يدعي البعض، فصالح نبينا الكفار، ضع عشر سنوات، تقف الحرب بيننا وبينكم. الشرط الثالث: من دخل في حلف محمد له ذلك، سيكون هناك تحالف، رسول الله أصبح له قوة في الجزيرة، فمن أحب من بجوار أن يدخل في حلفهم يدخل في سلطتهم في حمايتهم يدخل، ومن أحب أن يدخل في حلف قريش دخل، المجال متروك، وكل حلف يتبع القوة التي دخل تحتها. فالمساس بأي بلدة لها حلف مع المسلمين فهو ضرب وطعن في المسلمين، وأي قتل يقع في قرية تبع لقريش، وفي الحقيقة تبع لقريش، كل يحافظ على تحالفاته. وقع رسول الله وكتب هذا البند. الرابع مما ذكر على أنه: يا محمد، من جاء منكم، من جاء منكم من المدينة من المسلمين إلينا، إلينا، هذا يبقى عندنا، يبقى عندنا، لكن العكس، من جاء من قريش مثلا مسلما جاء إليكم، هذا يعود إلينا، إذا خرج بغير إذن سيده، هذا يعود إلينا. هذا الشرط يا إخواني في الله تراه في حاله، ما هناك فيه أنصاف، ما فيه أنصاف في ظاهره، حتى في صحيح مسلم، لما قال الصحابة: يا رسول الله، نكتب هذا، نجعل هذا في الاتفاقية، نكتبه، فنكتبه، نكتبه، ثم علل نبينا صلى الله عليه وسلم هذا الأمر: أنه من جاء إليهم منا أبعده الله، هذا لا خير فيه، لو واحد من المسلمين خرج من عندنا وذهب إليهم، ما الذي نرجوه من خيره؟ يذهب إليهم ولا كرامة، ما ذهب إليهم إلا لمرض، قال: أبعده الله. قال: ومن جاء منهم إلينا فنسأل الله أن يجعل له ماذا؟ سبيلا. في هذه الحالة في هذه الأثناء جاء أبو جندل، أبو جندل ابن سهيل، سهيل هذا كبير المفاوضين الآن ليفاوض نبينا على صلح الحديبية، كبير المفاوضين، ابنه أبو جندل، من أين جاء ابنه؟ مسلم، جاء من مكة، كما في الرواية، وهو يرسف في أصفاده محبوز به، سلاسل، سبحان الله، خرج هرب، هرب من مكة، هرب، يجر سلاسل حتى دخل بين المسلمين وهم يكتبون الصلح. فلما سهيل وهو أبوه الكافر رأى ابنه قال: يا محمد، هذا أول من أقاضيك به على الشرط، على الشرط، من خرج من قريش إليكم هذا يعود إلينا، وهذا أول واحد، ابنه، يرجع. طيب الابن يعني أراد أن يستنجد بالمسلمين، وقد ظهر عليه آثار التعذيب، وقد عذب عذابا شديدا في مكة، فنبينا صلى الله عليه وسلم حاول مع سهيل، قال: ما أبرى من الاتفاق، إلينا من تهينا، من تهينا. فقال سهيل: شأنك يا محمد، وإلا والله ما صلحنا، من الآن نبدأ، تريد من الآن ما صلح، طبق من الآن، ولو لم ننتهي لذلك الكتابة تبرم، فقال سهيل: يا محمد، إن لم تفعل ما صالحتك أبدا. حاول نبينا: يا سهيل، إنجزه لي، من أجلي، هذا دام موجود، مشي، قال: لا والله. قال نبي: قبل تفعل، تفعل، فقال الرجل: لا، ما أنا بفاعل. فحينها حين هذا الحال، ما كان من أمر نبينا إلا أن أمر أبا جندل أن يذهب، تخيل يا عبد الله إلى هذا المنظر، حتى أن أبا جندل صاح في المسلمين: يا معشر المسلمين، أرجع، أرجع، فألم يقدر أرجع، فرجع، قال: وسيجعل الله لك سبيلا، سيجعل الله لك سبيلا. هذا يا إخواني في الله أربعة شروط التي تمت، طبعا كما قلنا، في ظاهرها فيه الشيء من عدم الإنصاف، كما ترى، كون أن النبي يرجع مع أنه أتى محرما، لا ينوي قتالا، وكون هذا الشرط الأخير الذي سمعتموه: من يأتي من المسلمين من قريش إلى المدينة تأخذه قريش ويرجع إليهم. فكان في ذلك عدم الإنصاف، حتى أن الكثير من الصحابة في أنفسهم ما استطاع أن يبوحوا، إلا أن عمر تكلم، عمر بن الخطاب تكلم، قال: يا رسول الله، ألست نبي الله؟ قال: بلى، قال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال نبينا: بلى، فقال: يا رسول الله، فعلى ما نعطي الدنية في ديننا؟ ليش؟ ليش نعطي هذا الأفعال لهم كل شيء؟ ليش؟ لما نعطي الدنية في ديننا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إني رسول الله، ولست بعاصيه، شرع الشرع، يا عبد الله، مقدم، لا تدخل فكرك، لا تدخل العاطفة، لا تدخل الحماسات، هذا شيء آخر، الدين دين، ولو كنت رأيت في شيء من الضعف والاستسلام كما نسمعه للأسف من كثير من الناس. فقال: إني رسول الله حقا، ولست بعاصيه. خرج عمر ووجد أبا بكر، ولازال في نفسه، قال: يا أبا بكر، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال الصديق رضي الله تعالى: بلى، قال: أولسنا، أوليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال الصديق: بلى، فقال: يا أبا بكر، فعلى ما نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: إنه رسول الله، ولن يعصيه، وإن الله ناصره، ثق بالله، ثق بالله، يا عبد الله، لا يكون عندك أشك ولا ريب. وهل تظن يا عبد الله أن هذا الأمر انتهى؟ لا، ما انتهى، هو معنى إلى يوم الساعة، صحيح قبض نبينا، قبض عليه الصلاة والسلام، لكن بقي إرثه، سنته باقية لنا، باقية، ولهذا نتحاكم في سنته دائما وأبدا، عند النوازل، عند الشدائد، عند المدلهمات، نرجع إليها، فإن من استعصم بالسنة يأتيه الفرج يأتيه الفرج من عند الله سبحانه وتعالى. ولهذا لما خرج الصحابة، ما الذي نزل عليهم في طريق العودة؟ نزلت عليهم آيات الفتح: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾، بشارات نزلت عليهم، عندما انصاعوا، معنا يرون أن صلح الحديبية فيها انتكاسة، لكن عند الله جعلها بشرى، فنزلت عليهم آيات الفتح، وهم عائدون من صلح الحديبية، وعليهم الهم والغم، فقلب الله ذلك كله فرحا وسرورا، عندما استمسكوا بهديه. وكون هكذا يا عبد الله في كل صغير وكبير، وخاصة في المدلهمات، سل يا عبد الله عن موقف السنة، سل، سل في كل زمان ومكان، كفانا عبرة، كفانا عبرة وعظة في مساء الكثيرة، ماذا نحكي عن الربيع ما يسمى بالخريف العبري الذي قد مضى، ولا زالت الذاكرة مشحونة بمثل هذه المناظر، هاجة الشعوب، هاجة الأمم، هاجة الدول على حكامها وعلى حكوماتها. وسمعنا الإعلام، وذاك الذي ينفخ، وذاك يقل، إرحال، وكيف كان موقف أهل السنة؟ تعلمون جميعا موقفهم، موقف واضح، جلي، في الخطب والمحاضرات والندوات، بالمقابل كان الناس يلمزونهم بالضعف، بالخور، بالانتكاسة، بالعمالة، لكن السنة، السنة، ما نباري بعواطف الناس، الصبر، الثبات، الصبر، الثبات، عدم الخروج. خرجت الناس، وبعد ذلك سلوا أنفسكم يا من كنتم تلمزون أهل السنة، ما الذي تستشعرون به الآن؟ البكاء، كل يبكي على ما قد مضى، من كان في العراق يبكي، من كان في ليبيا يبكي، من كان في مصر يبكي، من كان في بلادنا اليمنية يبكي على الماضي، يحن، يحن إليه، والسلام على ذاك الزمان، ذاك الزمان الذي قلنا لكم: اصبروا، السنة، أن مسك بالسنة يبارك الله فيه. لكن يا إخواني، ولا زالت، ولا زالت الحوادث تجري، تجري، تجري، فاتعظوا، وتمعنوا يا عبد الله في هذه الحوادث العظيمة، لك عبرة، والسعيد من التعظ بغيره، والشقي من كانت العظة في نفسه. فالشاهد من هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم وافق على هذه الشروط، وكان أول ما أمر به أن أمر أصحابه بأن ينحروا الإبل ويحلقوا رؤوسهم، معناه: خلاص، ما في عمرة، وهذا الذي بلغهم الهم والغم. كيف يعني خلاص؟ لا عمرة، ما في مكة، أمرهم نبينا: انحروا واحلقوا، قال الراوي: فما قام أحد، ليس عنادا، حاشا من الصحابة أن يعاندوا، لكن عل وعسى أن ينزل الوحي الآن، ينزل الوحي، يقول: لا، انضوا، قام الثانية، أمرهم نبينا: انحروا واحلقوا، ما قام أحد، الثالثة: انحروا واحلقوا، ما قام أحد، فحينها شاور نبينا، شاور، كمشاورة لأم سلمة. قالت: بل خرج إليهم أنت يا رسول الله، وقم، وانحر بدنك، وحلق رأسك، فخرج النبي بنفسه: أين بدني؟ بدني؟ وأمر بنحرها، وأمر بالحلاق أن يحلق رأسه، فحينها علم الصحابة أن الأمر انتهى، وأنه لا عمرة هذا العام، فماذا؟ فقام بعضهم ينحر البدنة، وهكذا يحلق بعضهم بعضا، وعليهم من الهم والغم ما الله به عليم. حتى قلنا: حين موت رجعهم، أنزل الله آيات الفتح، والتي فيها البشارة بأن الله عز وجل سيعوضهم بفتح عظيم لا يخطر على بال أحد، وهذا جزاء من احتسب وصبر وثبت واعتصم بما عليه النبي صلى الله عليه وسلم. هذا يا إخواني في الله خلاصة ما يذكر في هذا المقام من قول الناظم رحمه الله تعالى: قال: وبعده استسقاؤه وذوقرد وصد عن عمرته لما قصد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.