الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 113، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
عاد المهاجرون من الحبشة إلى المدينة في السنة السابعة للهجرة بقيادة جعفر بن أبي طالب واستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم. وصل المهاجرون في سفينتين بأمر النجاشي.
تزوج النبي بأم حبيبة في الحبشة ثم تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية في عمرة القضاء وكانت آخر زوجاته صلى الله عليه وسلم. يُعد زواجه من ميمونة آخر عقد زواج له.
كانت ميمونة بنت الحارث زوجة صالحة وقانتة للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد زكاها النبي ووصفها بالإيمان. يُبرز زواجه منها أهمية الزواج من الأرامل والمطلقات.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: ثم أتت ومن بقي مهاجرا وعقد ميمونة كان الآخرة. في هذا البيت يشير الناظم رحمه الله تعالى إلى حوادث السنة السابعة من هجرة عليه الصلاة والسلام، وهو يسرد لنا تتبع هذه الحوادث، فأشار هنا إلى حادثتين اثنتين في قوله: ثم أتت، وسيأتي معنا من المقصودة بهذا الضمير. ثم أتت ومن بقي مهاجرا، والثاني: وعقد ميمونة كان الآخرة. فالحدث الأول الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى ها هنا هو عودة من كان في أرض الحبشة أن عاد إلى المدينة، هذا الذي عناه بهذا الشطر. فقوله رحمه الله تعالى: ثم أتت، وهنا يعني أم حبيبة رضي الله تعالى عنها. قد مر معنا قريبا ما يتعلق بزواجها، وكيف أن النبي تزوجها وهو في المدينة وهي في أرض الحبشة، حيث أنه أرسل إلى النجاشي يطلب منه أن يكون وكيله في تزويجه على أم حبيبة. وأشرنا إلى كيف أن النجاشي هو الذي نقد ودفع المهر نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أن أم حبيبة وكلت ابن خالتها لكي يكون وكيلا عنها بدلا من أبيها الذي لا يزال كافرا. فأم حبيبة تزوجها نبينا وعقد عليها وهي في أرض المهجر، ثم أتت. أتت مع من؟ قالت: ومن بقي مهاجرا. لم ترجع لوحدها، وإنما رجعت مع كل من هاجر إلى أرض الحبشة. حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم كاتب النجاشي ويطلب منه أن يرسل إليه كل من كان فيها من أهل الإسلام ممن هاجر إليها، فأرسل النجاشي الصحابة الذين عنده في سفينتين مع عمرو بن أمي الضمري رضي الله تعالى عنه، فعادت أم حبيبة وعاد أهل الهجرة، وكان على رأس هذا الوفد الكريم جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما استقبل جعفر فريح أيما فرح، حتى قال: لا أدري بأيهما أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر، لأن هؤلاء أهل الهجرة وفدوا على رسول الله مع فتح خيبر في السنة السابعة، وفدوا عليه في السنة السابعة. أي افتتح نبينا خيبر وهو لا زال في أمر فتحها، وفد عليه هذا الوفد الكريم ومعه جعفر. قال: لا أدري بأيهما أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر، دل على عظيم فرحه عليه الصلاة والسلام بوصول أهل الهجرة الذين ارتحلوا من أيام مكة، ارتحلوا إلى أرض الحبشة وجلسوا فيها سنوات طوال حتى جاء لهم الإذن بالمجيء، وذلك في سنة السابعة من الهجرة. فقد نبينا، فقدت أم حبيبة وقدم جعفر وقدم من كان من أرض الحبشة. وأيضا ممن قدم مع هذا الوفد قدم الأشعريون، وهم من كان مع أبي موسى الأشعري. وهؤلاء لهم قصة، قصة هؤلاء كما جاء في الصحيح في البخاري وغيره، على أن أبا موسى الأشعري أخبر أنهم لما كانوا في أرض اليمن وجاءتهم الرسل والبعث من نبينا عليه الصلاة والسلام أسلموا وآمنوا، وهم في أرض اليمن. فلما أرادوا أن يأتوا إلى المدينة ركبوا البحر، وركبوا البحر، فلما كانوا في سفينة إذ بالسفينة اضطربت بهم بالأمواج والرياح، فإذ بالسفينة ترمي بهم في أرض الحبشة، ترمي بهم في أرض الحبشة، أي في الجهة المقابلة. فهناك لما نزل أبو موسى وافى جعفر بن أبي طالب، وعلم من حاله وأخبره جعفر بأننا هاهنا أمرنا بالبقاء عند النجاشي، وأنك اجلس عندنا وامكث عندنا. فجلس أبو موسى، طبعا أبو موسى الأشعري كان مع وفد، ذكر ما جاء في البخاري وغيره على أن كان عدتهم ثلاثة وخمسون رجلا، ثلاثة وخمسون رجلا هؤلاء من خرج من أهل اليمن هجرة أرادوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن الله قدر عليهم أن ينزلوا في أرض الحبشة. فاجتمع هنا أولئك الوفد هناك، فجعفر قبل ثم أبو موسى الأشعري، فضل الجميع هناك إلى أن جاء الإذن من رسول الله عليه الصلاة والسلام أن أرسل إلى النجاشي أن أرسل إلي من عندك، فأرسلهم في سفينتين، فقدموا على رسول الله جميعا كما قلنا في السنة السابعة، وذلك عند فتح خيبر. فهذا قول الناظم رحمه الله تعالى: ثم أتت ومن بقي مهاجرة، أتت أي أم حبيبة، ومن بقي مهاجرة يدخل في أولئك جعفر ومن معه، وأبو موسى الأشعري ومن معه. ثم قال: وعقد ميمونة كان الآخرا. وعقد ميمونة أي عقد الزواج، ونبينا صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة في هذا العام في السنة السابعة، تحديدا في ذي القعدة، تحديدا في ذي القعدة عند عمرة القضاء. كما سيأتي معنا بإذن الله في درس غد، لأن عمرة القضاء كانت في السنة السابعة في شهر ذي القعدة، في هذه العمرة بالذات تزوج نبينا وعقد نبينا صلى الله عليه وسلم على ميمونة، وميمونة هي بنت الحارث الهلالية رضي الله تعالى عنها، وهي خالة ابن عباس رضي الله تعالى عنه. فقول الناظم: وعقد ميمونة كان الآخرا، أي هو آخر عقد زواج لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فآخر زوجة عقد عليها نبينا صلى الله عليه وسلم هي ميمونة، كما قال الناظم على هذا مذهب كثير من أهل العلم، وبعد ذلك ما تزوج نبينا صلى الله عليه وسلم. قال ابن القيم رحمه الله: قال ثم تزوج صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث، وهي آخر من تزوج بها، تزوجها بمكة في عمرة القضاء. وهذا سيأتي معنا في عمرة القضاء ما يتعلق بمسائلها. فالشاهد أن النبي عقد على ميمونة، وهي كانت من آخر زوجاته رضي الله تعالى عنها. وميمونة رضي الله تعالى عنها تزوجها نبينا، وليست بكرا، وإنما ذكر المؤرخون وأهل السير في حياتها الخاصة والشخصية أنها قد تزوجت قبل رسول الله برجلين، أحدهما مات عنها والآخر فارقها، ومع ذلك تزوجها نبينا عليه الصلاة والسلام. وفي ذلك إشارة إخواني في الله إلى أن النساء عند العرب وفي الإسلام لم تكن تهمل إذا كانت مطلقة أو كانت أرملة، على خلاف ما نراه في هذه الأزمان. فعندنا أصبح في عرف الناس أن المرأة إذا طلقت أو أصبحت أرملة بأن مات عنها زوجها تهمل وتهمش، بل أصبح البعض يقول: خلاص هذه بتطليق هذه أو بموت زوجك عنك لن تعوض بحياة أخرى، لكثرة ما نرى من عزوف الناس عن الزواج من الأرامل والمطلقات. وها هو نبينا صلى الله عليه وسلم يتزوج، بل من نظر في زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام فإنهن كلهن على هذا الوصف ثيبات، لم يتزوج بكرا سوى عائشة، سوى عائشة. وأما ما مر معنا من زوجاته فهن ثيبات، منهن من مات عنها زوجها ومنهن من طلقت، ومع ذلك تزوجها نبينا صلى الله عليه وسلم. وميمونة هي على هذه الحال تزوجها نبينا صلى الله عليه وسلم، وهي تبلغ من العمر كما قال علماء هذا عمرها، وماتت رضي الله تعالى عنها في سنة الحادية والخمسين من الهجرة، وقد بلغت من العمر ثمانين سنة، عمرت رضي الله تعالى عنها هذا العمر المديد، توفاها الله عز وجل على هذا السن وقد بلغت ثمانين سنة رضي الله تعالى عنها. وميمونة رضي الله تعالى عنها جاءت في حقها فضائل، وجاءت في حقها مناقب كفاها شرفا أنها من زوجاته عليه الصلاة والسلام، فهي تعد من أمهات المؤمنين والمؤمنات. وأيضا مما جاء في فضائلها أن النبي صلى الله عليه وسلم قد شهد لها بالإيمان، شهد لها بالإيمان. قال عليه الصلاة والسلام: الأخوات مؤمنات، الأخوات مؤمنات، ميمونة زوج النبي، وأم الفضل بنت الحارث وسلم، ثم قال: وأسمى بنت عميس أختهن لأمهن، هؤلاء الأربع هن أخوات. فقصد النبي عليه الصلاة والسلام الأخوات مؤمنات، أي أن هؤلاء الأخوات المذكورات وهن ميمونة بنت الحارث زوج النبي عليه الصلاة والسلام، وأم الفضل بنت الحارث وهي زوجة العباس، وهي كذلك أختها. وأسمى بنت عميس وهي أختهن من أمهن، وهي زوجة جعفر بن أبي طالب، وهكذا سلمة أخته الأخيرة وهي أخت زوجة جعفر، وهي أسمى بنت عميس هي أختها، وهي زوجة حمزة. فهؤلاء الأربع المذكورات ميمونة وأم الفضل وسلمة وأسمى هؤلاء الأخوات اشتركن في أم واحدة. قال عنها عنهن نبينا صلى الله عليه وسلم: الأخوات مؤمنات، أي هؤلاء قد شهد لهم نبينا صلى الله عليه وسلم بالإيمان، هن من دار واحدة وأمهن واحدة، فمنهن من هن شقيقات ومنهن من هن أخوات لأم. هذه الجماعة من النسوة حكى عنهم نبينا وحكى ما عليهن بكمال الإيمان، وهذه من قبلهن جميعا وخصوصا ميمونة رضي الله تعالى عنها. شهد لها نبينا بالإيمان، ولهذا قال إمام الذهبي رحمه الله تعالى في التاريخ وهو يترجم عن ميمونة قال: وهي من سادات النساء، من سادات النساء. وأيضا قالت عنها عائشة رضي الله تعالى عنها واصفة ميمونة: قالت كانت من أتقانا لله ومن أوصلنا للرحم، كانت من أتقانا لله وأوصلنا. فهذه المنقبة إخواني في الله مما تذكر عن ميمونة، وهي المرأة التي تزوجها وهي من آخر زوجاته عليه الصلاة والسلام. فهذا الذي عناه الناظم رحمه الله تعالى في قوله: ثم أتت، قلنا هي أم حبيبة، ثم أتت ومن بقي مهاجرا، وعقد ميمونة كان الآخرة، أي آخر عقد زواج قد تم لهذه المرأة الصالحة القانتة ميمونة بنت الحارث رضي الله تعالى عنها وأرضاها.