الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 488

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 488

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 488، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة عن مسند شداد بن الهاد والإمام النسائي

يتحدث عن مسند شداد بن الهاد و الإمام النسائي، أحمد بن الشعيب النسائي الحافظ الكبير. الإمام النسائي كان من أهل العلم العظيم وأعلم أهل السنن بعد البخاري في علم الحديث.

قصة إسلام الأعرابي وطلب الشهادة

يروي قصة أعرابي أسلم وطلب الهجرة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم شارك في غزوة ورفض الغنيمة طلبا للشهادة في سبيل الله. صدق الأعرابي في طلبه فقتل في المعركة.

أهمية الصدق في نيل الشهادة وصلاة الجنازة

يظهر أهمية الصدق في نيل الشهادة والجزاء من الله، كما يتحدث عن صلاة الجنازة كصلاة دعاء للميت. صلاة الجنازة تعتبر صلاة طيبة إن شاء الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: مسند شداد بن الهاد رضي الله عنه، وشداد بن الهاد هو من بني الليث، وبني الليث قبيلة من قبائل الحجاز من مضر. قال: وكان رضي الله عنه من أهل المدينة ولم يتحول منها، ومات فيها. قال الإمام النسائي رحمه الله تعالى، وهو أبو عبد الرحمن أحمد بن الشعيب النسائي الحافظ الكبير. قال الإمام الدارقطني: النسائي أعلى من مسلم، لكنه متأخر عن البخاري، هو أصغر أصحاب السنن، النسائي، لكنه تحصل على علم عظيم، ولعله أعلم أهل السنن، بل أهل أمهات الكتب الست بعد البخاري في علم الحديث. الإمام النسائي، رحمه الله عليه، قال: أخبرنا سويد بن نصر، وهو مروزي من حفاظ أهل مرو، من أصحاب عبد الله بن المبارك. قال: أنبأنا عبد الله، وهو ابن المبارك، إمام أهل خراسان كلها، وهو مروزي من مرو. وكان كما قال سفيان بن عيينة: لم يسبقه الصحابة بشيء إلا بشرف الصحبة، معناه يقول سفيان بن عيينة: وهو شيخ يقول إن عبد الله بن المبارك لم يسبقه الصحابة في الأعمال، لم يسبقوه بشيء إلا شرف الصحبة. هذا الذي فازوا عليه، وإلا فهو في مقدمة العلماء، ومقدمة الزهاد، ومقدمة أهل الجهاد. كان في الثغور، وكان فارسا عظيما، فإنه لا يعرف من الفرسان الكبار حتى أنه قهر الروم في عدة مواضع، يخرج ويبارز بنفسه، رحمه الله. وكذلك أيضا كان يحج عاما ويجاهد عاما، معنى عام يكون في الثغور، وعام يذهب إلى الحج، وهو في مروره في الحج، وفي الثغور، فتجده أيضا طالبا للعلم، أنه يطلب العلم عند المشايخ في مروره في الحج، وكذلك في مروره في الجهاد، يعني يجمع بين العبادات، أفق رحمه الله. وكان أيضا من أثبت الناس في الحديث، وأوثقهم، وكان لا يروي إلا عن الثقات. قال: أنبأنا عبد الله عن ابن جريج، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، إمام الحرم، وكان أحسن الناس صلاة، ذكر ذلك عبد الرزاق عنه، وذكره الشافعي أيضا عن إسماعيل بن مسلم، أو عن خالد بن مسلم الزنجي، فكان يعرف بالصلاة، أنه من أفضل الناس صلاة. كما قال عبد الرزاق: ما رأيت أفضل من ابن جريج في الصلاة. وكان أهل مكة يقولون: أخذ ابن جريج الصلاة من عطاء، وأخذها عطاء من عبد الله بن الزبير، وأخذها عبد الله بن الزبير من أبي بكر الصديق، جده، وأخذها الصديق من النبي عليه الصلاة والسلام. هذا سند إلى النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة، المراد في الصلاة الخاشعة. فكان عبد الله بن الزبير يأتي الحمام ويبرك فيه من كثرة كأنه عمود، ما يتحرك. قال: أخبرني عكرمة بن خالد، وعكرمة بن خالد بن سعيد بن العاص المخزومي القرشي، من بني مخزوم، وأبوه خالد بن سعيد بن العاص صحابي صغير. قال: أخبرني عكرمة بن خالد أن ابن أبي عمار - وابن أبي عمار هو عبد الله بن عبد الرحمن، أو عبد الرحمن بن عبد الله، وهو قرشي، وهو قرشي كذلك مكي - وهذا الإسناد تحول من إسناد خراساني إلى إسناد مكي، فابن جريج مكي، وعكرمة بن خالد مكي، وابن أبي عمار مكي، وأما شداد بن الهاد فهو في عداد المدنيين. قال: أنه أخبره عن شداد بن الهاد أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فآمن به واتبعه. وهذا أيضا الحديث من جملة ما يبين أن الأعراب ليس كلهم جفاة، بل كما قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾. فهناك من الأعراب من قلبه رقيق، وأيضا صاحب صدق. وإلا فقد نجم النفاق في ذلك الوقت في الأعراب؛ لأنهم أهل معنى بعد عن كتاب الله وعن التذكير. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. وقال أيضا: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾. فالأعراب لأنهم غالبا يبتعدون عن أماكن الوعظ والعلم، فيصابون بالغفلة والقسوة في قلوبهم. لكن تجد أنهم إذا جاءوا إلى أماكن العلم وأماكن الخير، سرعان ما تتغير قلوبهم؛ لأنهم على الفطرة. فإذا بقوا في تلك الأماكن البعيدة أو تقسو قلوبهم، لكن إذا جاءوا إلى العلم وإلى الخير، فتجد أنها تتغير قلوبهم بسرعة. وهذا قد لا تجده إلا في الأعراب. قال: أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك. أي هذا الأعرابي يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أهاجر معك. فأوصى به النبي عليه الصلاة والسلام بعض أصحابه. فلما كانت غزوة - معنى الظاهر قوله هنا: أهاجر معك، أي أهاجر إليك؛ لأن هذا الظاهر في المدينة، وليس في مكة، والجهاد إنما شرع في المدينة - قال: فأوصى به النبي عليه الصلاة والسلام بعض أصحابه، أي من يعرفه، أو أنه دعا له عند بعض الصحابة حتى يرشدوه، يرشدوه ويعلموه. قال: فلما كانت غزوة غنم النبي عليه الصلاة والسلام سبيا، فقسم، وقسم له. قسم للناس وأعطاه قسمه، أعطى أصحابه، فأعطى أصحابه ما قسم له. وكان يرعى ظهرهم - أي الإبل حقهم والركاب - كان يرعاها، رضي الله عنه. فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه الذين أعطاهم إياه، فقالوا: فلما جاء دفعوه إليه. فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي عليه الصلاة والسلام. هذا قسم من الغنيمة. فأخذه فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا؟ قال: قسمته لك. قال: ما على هذا اتبعتك. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقسم ويعرف، أعطى هذا كذا، وأعطى هذا كذا. فجاء هذا الأعرابي وقال له: قسمته لك. قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ها هنا - وأشار إلى حلقه - بسهم، فأموت. فجاء في رواية: ويخرج من ها هنا - يعني أشار إلى حلقه - يدخل هنا السهم ويخرج. قال: فأموت، فأدخل الجنة. وهذا يقين عند هذا الأعرابي، وصدق، بلغه الله عز وجل مرتبة عظيمة. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: إن تصدق الله يصدقك. إذا كنت صادقا في كلامك، فالله عز وجل سيصدقه ويظهر، ويظهر صدقك. ووكله النبي عليه الصلاة والسلام إلى ربه جل وعلا - معنى وكله، أي لم يعطيه شيئا لأنه رفض - وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعطي ناسا وأكلهم إلى الله، وأعطي ناسا وأكلهم إلى الله». انظر إلى هذه العبارة العظيمة: «أكلهم إلى الله». ونبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنهم أهل صدق. ولهذا لما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم بعض الناس، فقال سعد: يا رسول الله، إنك أعطيت فلانا ولم تعط فلانا، وهو مؤمن. فقال: «هو مسلم». ثم قال عليه الصلاة والسلام في آخر شيء: «يا سعد، إني لأعطي ناسا خشية أن أكبهم - أن يكبهم الله عز وجل في النار - وأكل ناسا إلى إيمانهم». أناس أكلهم إلى إيمانهم، ما أعطيهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعرفهم، ويعرف أنهم ما ينظرون إلى أمور الدنيا. قال: فقال هذا الرجل: إن قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن تصدق الله يصدقك». قال: فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به إلى النبي عليه الصلاة والسلام يحمل، قد أصابه سهم حيث أشار. انظر إلى الصدق، حتى أن الله عز وجل جعل موتته مثل ما ذكر. وهذا أظهر الله عز وجل صدقه، وأنه ما كان يريد شيئا من الدنيا، وإنما كان يريد الآخرة وما عند الله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أهو هو؟» قالوا: نعم. يقول لأصحابه. فقال: «صدق الله فصدقه». صدق الله فصدقه، أظهر صدقه جل وعلا. وربنا حكم عدل سبحانه وتعالى، وأيضا له الفضل على عباده، فيجازيهم بما يستحقون. وأكثر، والجزاء من جنس العمل. قال: ثم كفنه النبي عليه الصلاة والسلام في جبة - في جبة النبي عليه الصلاة والسلام - أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج جبته إكراما لهذا الأعرابي، وكفنه فيها. وكأنه يريد أنها شفاعة له منه صلى الله عليه وسلم، وشهادة له. قال: ثم قدمه فصل عليه. وهذا الحديث من ما استدل به على جواز الصلاة على الشهيد الذي يموت في المعركة؛ لأن هذا الأعرابي مات في المعركة، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على جواز الصلاة. لو صلي على شهيد المعركة لا بأس، مثل ما جاء في حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على شهداء أحد بعد ثماني سنوات، كالموجة لهم. قال: ثم قدمه فصل عليه. فكان فيما ظهر من صلاته: «اللهم هذا عبدك - فيما دعا وأسمع - اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك، فقتل شهيدا - شهيد على ذلك - أنا شهيد على ذلك». فدع النبي صلى الله عليه وسلم له فيه: أن صلاة الجنازة ينبغي للمسلم أن يخلص الدعاء للميت. ما جاء عند الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا صليتم على الجنازة فأخلصوا الدعاء للميت». فيدعو المصلي في صلاة الجنازة للميت، حتى ولو كان في التكبير الثانية أو الثالثة أو الرابعة، يجعل صلاته كلها دعاء؛ لأن صلاة الجنازة أكثرها دعاء، بل بعض العلماء يقول: حتى الفاتحة ليست ركنا. لكن جاءت في حديث ابن عباس، وأدخلها بعضهم في حديث أبي هريرة. «صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وصلاة الجنازة تعتبر صلاة طيبة إن شاء الله تعالى. نكتب هذا والله تعالى أعلم.