الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 114، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول إسلام الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله تعالى عنه والاختلاف حول تاريخ إسلامه. يشرح المقطع آراء أهل العلم المختلفة حول هذا الموضوع.
يتناول الطعن الذي تعرض له أبو هريرة من قبل أعداء السنة والمستشرقين والرافضة، ويوضح أهداف هذه الطعون في إسقاط السنة النبوية. يحذر من التشكيك في رواة الأحاديث.
يُبرز فضل أبي هريرة في حفظ السنة النبوية وتفرغه لمرافقة الرسول، ويحذر من الطعن في الصحابة ومصادر تلك الطعون المشبوهة. يشير إلى أهمية دور أبي هريرة في حفظ الأحاديث.
يؤكد على أهمية الحديث عن إسلام أبي هريرة ودوره في حفظ السنة النبوية، ويسأل الله تعالى أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: قال وقبل إسلام أبي هريرة وبعد عمرة القاضي الشهيرة. في هذا البيت يشير الناظم رحمه الله تعالى إلى مسألتين اثنتين من أحاديث ومسائل السيرة النبوية، أولاها ما يتعلق بإسلام الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والقضية الثانية ما تتعلق بعمرة القضاء. فقال: وقبل إسلام أبي هريرة وبعد عمرة القضاء الشهيرة. فنبدأ بالشطر الأول، وهو الذي يتعلق بإسلام الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فقال: وقبل إسلام أبي هريرة. أبو هريرة هذه كنيته، وكني بذلك لأن كانت معه هرة يلعب بها وتلازمه، فكني بها، قيل له أبو هريرة. وأما اسمه فهي من بدائع العلم، إذ أن الناس قد اختلفوا في اسمه اختلافا كثيرا، بل حتى قال جماعة من المؤرخين: اختلافه لا تجده في أحد، أي لكثرة الأسماء التي ذكرها الناس عن أبي هريرة، سواء كان في جاهليته أو ما كان من اسمه بعد إسلامه. فقد تنازع الناس تنازعا عظيما، ولهذا بعضهم والكثير من أهل العلم أعرض عن تتبع هذه الأسماء. قال أن بعضها كالمعدوم ما صح ولا ثبت. ولكن من أشهر الأسماء، والذي جنح إليها جماعة من المحققين: أن اسمه عبد الرحمن بن صخر. عبد الرحمن بن صخر هذا الذي ذهب إليه جماعة من العلماء من المحققين، كما رجح ذلكم ابن الأثير رحمه الله تعالى، وهكذا ابن كثير والإمام الذهب والإمام الحاكم، وجماعة ممن صنفوا وكتبوا في التواريخ والرجال والرواة، أشاروا إلى الاختلاف الكبير في ذكر اسمه والترجيح فيها، وخالصوا إلى أن هذا الاسم لعله الأقرب الأسماء إليه، فأبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعالى عنه. وقول الناظم هاهنا: قال وَقَبْلُ إِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَى. إسلام أبي هريرة قبل ماذا؟ فقيل هنا قبل أقرب مذكور، وهو ما مضى معنا في درس أمس، وهو في قول الناظم في عقد رسول الله بميمونة، أي قبل أن يعقد بميمونة كان إسلام أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهذه كذلك مسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم: متى أسلم أبو هريرة؟ الكثير من العلماء وقد ينسب هذا إلى قول الجماهير على أن أبا هريرة أسلم متأخرا، متى؟ في السنة السابعة من الهجرة. ولهذا المؤلف والناظم هاهنا أورد هذا الشطر في هذا القسم، وهو يعرج على حوادث السنة السابعة، فذكره هنا إلى إسلام أبي هريرة إلى أن هذا هو العام الذي أسلم فيه. وهذا الذي كما قلنا جنح إليه الكثير من أهل العلم، بل بعضهم حكى عليه الإجماع لشهرته. وكما قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قال أسلم أبو هريرة عام خيبر سنة سبع بلا خلاف. وكأن النووي ما يرى قول إلا هذا القول لشهرته لكثرته، أنه أسلم متأخرا. ولكن بالمقابل هناك قول له حظ من النظر، وهو قول من قال أن أبا هريرة بالعكس أسلم قبل ذلك بسنوات، أسلم قبل ذلك بسنوات، لكن أسلم في دوس في منطقته، وذلك على يد الصحابي الجليل الطفيل الدوسي حينما أسلم ورجع إلى قبيلته ورجع إلى عشيرته فأدعاهم إلى الإسلام، حينها أسلم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، أسلم متقدما. لكن نعم، مجيئه نتفق على هذا جاء إلى المدينة متأخرا بعد غزوة خيبر، فكاد بهذه المسألة تجتمع الأقوال: أنه التقى برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خيبر، أي التقى برسول الله عام خيبر سنة السبع، هنا تم اللقاء. إذن اختلف العلماء في بداية إسلامه: هل كان في هذا العام عند لقائه برسول الله أسلم، أو أسلم متقدما قبل ذلك بسنوات؟ على أقوال. وممن رجح واستظهر أن أبا هريرة أسلم في دوس الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في «فتح الباري»، وهكذا أشار إلى هذا القول جماعة من أهل العلم. والصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قيل في ترجمته: بأنه الإمام الفقيه الحافظ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الدوسي اليماني، فهو من اليمن. وبهذا ترفع الهامات بمثل هذه الشخصية الكريمة أن يكون من أهل اليمن، فهذه رفعة بأن ينتسب هذا الصحابي الجليل إلى هذه البلاد العريقة، فهو الدوسي اليماني، سيد الحفاظ والأثبات. ومما يذكر في ترجمته: أنه أسلم وكان عمره حينها ثلاثون عاما، رضي الله تعالى عنه أرضا. ثم جلس فترة من الزمن إلى أن توفاه الله، واختلف العلماء في عام وفاته، لكن من أقوال الراجحة بين أهل العلم: أنه مات أو مات وقضي في سنة ثمان وخمسين من الهجرة، وكان عمره حينها ثمانية وسبعين سنة، هذا خلاصة ما يذكر في حياة الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهنا وقبل أن ننتقل إلى الشطر الثاني من البيت، يناسب ذكرها ونحن نتكلم عن هذا الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، من مآثره ومن فضائله: أنه كان كما يلقب براوية الإسلام، روى الأحاديث الكثيرة التي عدها جماعة من العلماء نحو من خمسة آلاف حديث، فهو حافظة الأمة. إلا أن هذه الفضائل والمآثر هي تعتبر مساوئ، لكن عند من؟ مساوئ عند أعداء الدين، عند الزنادقة، عند الملاحدة، عند المستشرقين، عند أعداء السنة. هؤلاء الطائفة المنحلة التي لم ترفع رأسا بالسنة، فهم كانوا ولا زالوا يحومون حول السنة في سبيل إسقاطها. هم أرادوا إسقاط الدين، لكن الله والقرآن وجدوا أن فيه هيبة، فانتقلوا إلى السنة، فوجدوا أيضا أن الطعن في رسول الأنام عليه الصلاة والسلام لا يسمح لهم، حينها انتقلوا إلى النقلة، إلى رواة الأحاديث. ولهذا كان من أعظم ما اجتمعت الكلمة، أي كلمة أعداء السنة في الطعن والقدح والغمز فيه، هو الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله تعالى عنه. لأن بإسقاط هذا الصحابي ستسقط معه السنة، كما أقبرنا، تخيل هذا الكم الكثير الكبير الوفير من أحاديث بشير النذير عليه الصلاة وأتم التسليم تذهب مع أبي هريرة. وقد تنوعت مشارب أعداء السنة في الطعن في حق هذا الصحابي، بدءا بالكفار كأمثال المستشرقين، تنوعت عباراتهم ومقالاتهم في ذلكم. كأمثال جلد زهر، رجل مستشرق معروف حاقد على الإسلام، أكثر وأطنب في الحديث طعنا وغمزا وقدحا في أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهكذا من ذلكم شرف الدين العامل الرافضي، والذي ألف كتابا يتحدث عن مرويات أبي هريرة وطعن وقدح وأقذح وشنع العبارة على أبي هريرة، حتى أنه خلص إلى تكفيره. وهذا لا غرابة، الرافضة كفروا أبا هريرة وكفروا غيره، بل كفروا جميع الصحابة، أبو هريرة لا يعد عندهم شيئا، فكفروه. وهكذا ممن انطلت عليه هذه الافتراءات محمود أبو رية، ألف كتابا سماه «أضواء على السنة المحمدية»، ثم أخذ يأفوم في الطعن على أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فهذه أقلام الحاقدين والطاعنين في حق هذا الصحابي الجليل، كلها تدور على أن أبا هريرة مثله لا يوثق بنقله. فعندهم والذي يرونه: أنك يا عبد الله إذا مررت بحديث ما فيه قال أبو هريرة عن رسول الله، قف قف مباشرة، قف أبو هريرة من تحدث عن هذا؟ ابعده عننا ابعده. فأنت إذا أخذت بهذا القاعد الذي هم يسيرون عليها، أتدري ما الذي ستفعل؟ حينها ستهدم الدين. وهنا الذي أحب أن أشير إليك وقفة سريعة، ولمسة على الخفيف كما يقال: أن من أعظم ما أطنبوا وشنعوا به وحاولوا أنهم يدغدغوا عواطف المغفلين من المسلمين، قالوا: أنظروا أن أبو هريرة هذا متى أسلم؟ على قول كثير من العلماء أسلم في عام خيبر في سنة سبع، يعني ما بقي من موت رسول الله إلا ثلاث سنوات. ثم خلال ثلاث سنوات يحفظ يحفظ يحفظ هذه الأحاديث خمسة آلاف، حفظ ما لم يحفظه غيره من الصحابة ممن سبقوه من السابقين من الأولين من الأنصار والمهاجرين، كلهم ما استطاعوا، ثم يأتي كاذا رجل خلال ثلاث سنوات مدة ضئيلة يجمع هذه الثروة العلمية من المحفوظات. أش هذا هذا كلامهم، لكن أتيك بالمعنى يحومون حولها، طبعا لهم طرهات، لكن هذه الأربع من أعظم ما يدردغون به عواطف الناس. إخواني في هذه الشنشنة التي تسمعها ونسمعها بين الفين والأخرى، افهمها يا عبد الله كيف تدرأها عن نفسك أو تبعدها عن قلبك إذا سولت لك نفسك يوما ما أن تصل إليها. اعلم يا عبد الله أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه هو عبد من عباد الله الذي سخره الله سبحانه وتعالى، سخره الله بعدة أمور، أولاها: بأن هذا الصحابي الجليل كان متفرغا جدا تفرغا تاما لطلب العلم والحديث، لم يكن له زوجة، لم يكن له أهل، ولم يكن له ولد، وإنما كان يدور مع رسول الله حيثما دار، يده في يد رسول الله، لا يفارقه في ليل ولا نهار، لا في حضر ولا في سفر، لا في حل ولا في حرب، ما كان يفارقه، بل كان يلازمه رضي الله تعالى عنه. وكان بالمقابل مع هذه الملازمة يسأل ويراجع ويحدث هنا وهنا، حتى أنه أخبر عن نفسه هذا الكلام كما جاء في الحديث الصحيح: قال إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، نعم يعرف هذا عن نفسه، الناس تحدثوا استغربوا من كثر رواياته، قال: والله الموعد أي بيني وبينكم الله، من كان يتهمني بشيء. قال إلا أن إخواني قد شغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ملازما لرسول الله. إخوانه يعني بالمهاجرين، جاءوا ما تفرقوا، ماذا تفرغه؟ بل كانوا يذهبون إلى الأسواق بيع وشراء، هذا في حق المهاجر، أما الأنصار فهم أصحاب الأرض، فقد جاءت رواية أنهم كانوا يشغلهم الزرع، عندهم الأزراء المزارع والمحاصيل، وعندهم النخيل والأجار يقومون عليها. ذاك مشغول بتجارة، ذاك مشغول بزرع، أبو هريرة مشغول بماذا؟ بالحديث، بالتفرغ التام مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، كان على جد، كان على حرص، بل شهد له نبينا في البخاري، شهد له نبينا على ذلك، عندما قال أبو هريرة: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ أتدرون ماذا قال نبينا؟ قال: يا أبا هريرة لقد علمت، علمت ما سيسألني أحد هذا السؤال إلا أنت، قال لحرصك على الحديث، هذا شهادة من رسول الله، والحديث في البخاري. فالنبي شهد لأبي هريرة بحرصه وعلم أنه سيسأل عن هذه الأحاديث، فكان يسأل يتتبع، فلحرصه وجده واجتهاده حاز هذا، معروف من جد وجد، ومن سار على الدرب وصل. وها نحن في هذه الأزمنة لربما يتيك الشاب المتأخر في هذه الأجيال المتأخرة، وبجده واجتهاده لربما يفوز ويحوز على غيره من أقرانه. وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، فعلى ما الحقد وعلى ما الطعن في هذه الموهبة التي أعطاها الله لهذا الصحابي؟ أضف إلى ذلكم ما كان من هبة الله لأبي هريرة لهذه الحافظة القوية، فقد جاء في الحديث الصحيح عند النسائي أن أبا هريرة أتى إلى رسول الله، قال: يا رسول الله إني أنسى أنسى، أسمع منك الحديث وأنسى. حينها أمره نبينا أن يبسط له رداء، فبسط رداءه، ثم قال ضمه إليه، قال: فضممت الرداء إليه، قال: فوالله ما نسيت شيئا. هذه هبة أعطاه الله عز وجل، قوة حفظ، ما كان ينسى، كل ما يحفظه يكون في ذاكرته منحوتا، فالله عز وجل سخر هذا الرجل للحفظ. فلهذا لا يعاب على أمثال أبي هريرة أنه قد حفظ الله به السنة، بأن أعطاه هذه الموهبة. فالشاهد إخواني في الله الذي ينبغي أن الإنسان يخلص من هذا الدرس، ومن غيره من الدروس هدم الإصغاء والولوج والدخول في هذه المواقع، أو الاستماع لمثل هذه الترهات، أو النظر في هذه المقالات، أو أن يرعى سمعه وينظر ببصره إلى هذه القنوات وهي تحوم حول الصحابة. ستسمع يا عبد الله مثل هذا الكلام تارة الطعن في أبي هريرة بأنه متأخر، وكيف حفظ؟ ناهيكم عما يأتوا من الأكاذيب من أن عمر رماه بالكذب، وأن عمر رماه بالسريحة، وهذا كله من أشياء الدخيلة لا يصح منها شيء. وأحيانا تسمع الطعن في ابن عباس أنه يروي الإسرائيليات بكثرة، أو تسمع الطعن في عرض عمرو بن العاص، وفي عرض معاوية رضي الله تعالى عنهما، وهكذا يا عبد الله ستسمع الطعن هنا وهنا وهنا. وهو الطعن حول رجال حول الرسول عليه الصلاة والسلام، كل ذلك الدوران تمهيدا لإسقاط رسول الله عليه الصلاة والسلام. فكن يا عبد الله على دراية، فاخرج من هذه الدنيا وقلبك سليم من الطعن والغمز والقدح واللمز في عرض أحد من الصحابة، فضلا أن تتناول أحد منهم بلسانك، إياك يا عبد الله أن تفتري على عرض أحد من الصحابة. ومصادرك إما مستشرق يهودي، أو رجل شيعي رافضي، أو رجل طاعن في السنة، هؤلاء مصادرك لا يا عبد الله. فالحرص إخواني في الله على هذا الباب، وهذا كما يقلنا الشيء بشيء يذكر، وناسب أن أذكر هذه الفائدة. والناظم رحمه الله تعالى هاهنا أشار إلى إسلام أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فكان من المصلحة أن نتحدث عن هذه الشخصية العظيمة والموهبة الجليلة الذي حفظ الله جل وعلا به بعضا من السنة النبوية. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.