الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 586، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يذكر الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله قصة الإمام عبد الرزاق الصنعاني وتحديات أئمة الحديث في طلب العلم. الله عز وجل رفع ذكرهم وخلد أسماءهم بسبب جهودهم العظيمة.
يتحدث عن سفيان بن عيينة وإسماعيل بن أبي خالد وفضلهما في حفظ الحديث النبوي. يذكر رواية عن عبد الله بن الزبير سمعها إسماعيل بن أبي خالد.
يشرح حديثا عن لعن الحكم بن العاص وولده، ويبين صحة الحديث وروايته. اللعن قد يكون رحمة للمؤمنين، ويتطرق إلى سيرة الحكم وذريته.
يشرح كيف أن الحديث الشريف يمكن أن يشمل حتى أبناء الحكم إذا كانوا صالحين. يُظهر أن العلماء يفسرون هذا الحديث على أنه رحمة للعالمين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال شيخنا مقبل الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني، أبو بكر، وكان حافظا كبيرا، ورحل إليه من كل مكان، وجاءه أئمة الإسلام، أحمد بن معين وابن المديني وإسحاق وإبراهيم وغيرهم من أئمة الإسلام، جاءوا إلى عبد الرزاق في اليمن. كان عبد الرزاق في قرية قرب صنعاء، كان أهل الحديث يجلسون في صنعاء ثم يأتونه الصباح لعدم توفر الماء في تلك المنطقة. وهذا يدلك على أن أهل الحديث كانت معيشتهم صعبة، كان في عناء في مسألة طلب العلم. فالإمام أحمد رحمه الله لما انتهت عليه دراهمه وهو في اليمن أجر نفسه يشتغل حتى يأتي بدراهم، وكذلك أيضا شحة الماء خاصة في صنعاء، وغيرها من الأمور التي تحصل لهم في الحديث، حتى تجعل الواحد يعيش في جوع أيام وهو لا يطعم طعاما ولا يشرب شرابا. وكذلك أيضا يجلس بالأيام، بعضهم عنده ملابس يلبسها، كما حصل لإمام الدنيا محمد بن إسماعيل البخاري، وبعضهم يشرب بوله لأنه لم يجد ماء، حتى قال ابن خراش: شربت بولي خمس مرات في رحلاتي، وغيرها من الأمور الصعبة التي تحصل لهم، رضي الله تعالى عنهم. لكن كل ذلك في سبيل الله عز وجل، وحتى يتحصلوا على العلم ويبثوه وينتشر دين الله جل وعلا. والمؤمن والعبد مهما فعل لأجل الله عز وجل فهو لا شك أنه سيعوض ذلك، وأيضا ربنا جل وعلا سيعطيه أكثر مما فعل. ولهذا غالب هؤلاء الذين تعبوا وأيضا بذلوا الجهود العظيمة رفعهم الله عز وجل، وكفى بها من رفعة أنك تذكر بالجميل، تذكر بالخير إلى يوم القيامة. أولا، أئمة قد خلد الله عز وجل ذكرهم، مثل أحمد، البخاري، مسلم، عبد الرزاق، سفيان بن عيينة، وغيرهم من الأئمة الذين خلد الله عز وجل ذكرهم بالثناء العظيم. وإن حصلت من بعضهم هفوات، فإنها غالبا تدخل في بحر حسناتهم. ولا شك أن عبد الرزاق حصلت منه هفوات في التشيع، لكنه ليس شيعيا، وإنما تأثر بأهل التشيع في بعض الأمور، فدخل عليه شيء من التشيع. ولهذا قال له سلمة بن شبيب: يا عبد الرزاق، أساتذتك كانوا كلهم سنة. أساتذتك وأنا معلميك، مشايخك الذين تعلمت عندهم كانوا كلهم سنة، مالك والأوزاعي وسفيان الثوري ومعمر وابن المبارك وغيرهم من هؤلاء الأئمة، وابن عيينة، هؤلاء كلهم سنة. فقال لهم: فمن أين جئت بهذا التشيع؟ من أين دخل عليك هذا التشيع؟ وأنت درست عليهم؟ فقال: غرني سمت جعفر بن سليمان الضبعي، غره سمته حتى تلبس بشيء من التشيع. هؤلاء لكن كان حديثه نظيفا، وخاصة الحديث القديم. ولهذا لما قالوا لابن معين: إن عبد الرزاق تشيع، قال: لو كفر عبد الرزاق لما رددنا حديثه. لماذا؟ لأنه كان حديثه حديث أهل الصدق وأهل الحفظ، وأيضا حديثه حديث إمام الحفظ. لهذا أخذ حديثه فروى عنه مثل هؤلاء الأئمة كأحمد وابن معين وإسحاق وإبراهيم وعلي بن المديني وغيرهم. قال الإمام محمد: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، وهو سفيان بن عيينة، أبو محمد الهلالي المكي أو الكوفي. ابن عيينة مكي أو كوفي، ابن عيينة كوفي أصله كوفي، لكنه نزيل مكة، هو الذي أقام بعلم الحجاز. كان الشافعي رحمه الله يقول: لولا مالك وسفيان بن عيينة لذهب علم الحجاز. لولا مالك وسفيان بن عيينة لذهب علم الحجاز. حفظوا أحاديث كثيرة وحفظوا العلم، فكان مالك في المدينة وسفيان بن عيينة في مكة، يسمع الناس وهو في مكة، لكن أصله كوفي. وكان أبوه في بداية الأمر يأتي به يحج، كان أبوه كل سنة يحج، وكان يحج مع أبيه ويجلس أربعة أشهر بعد الحج. ثم لما توفي أبوه جاء وجلس في مكة، وصار إمام أهل مكة ومقدم أهل مكة، هو وابن جريج، لكن ابن عيينة أثبت من ابن جريج وأحفظ وأعلم وأفقه. قال: أخبرنا ابن عيينة، سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، إسماعيل بن أبي خالد الكوفي، وهو من الحفاظ الكبار، حتى قال الإمام أحمد رحمه الله: ابن أبي خالد شرب العلم شربا، الحديث عنده كأنه شربه، حفظه، معنى ذلك أنه عنده الحديث مثل الماء، مثل الماء لشدة حفظه. قال: عن الشعبي، وإسماعيل بن أبي خالد هو أثبت الناس في الشعبي. أصحاب الشعبي كثير، إسماعيل بن أبي خالد وفراس الهمداني، وأيضا غيرهم من هؤلاء، لكن إسماعيل بن أبي خالد هو أفضلهم وأثبتهم في الرواية عن الشعبي. والشعبي هو عامر بن شراحيل الشعبي الكوفي، إمام وفقيه وحافظ من أئمة الإسلام، كان هو فقيها للكوفة هو وإبراهيم النخعي، وكذلك هو حافظها. قال: قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو مستند إلى الكعبة وهو يقول: ورب هذه الكعبة لقد لعن رسول الله ﷺ فلانا وما ولد من صلبه. قال: هذا حديث صحيح رجاله رجال الصحيح. قال: الحديث أخرجه البزار كما في كشف الأستار، كشف الأستار في زوائد البزار لنور الدين الهيثمي، نور الدين الهيثمي ليس الهيثمي الشافعي صاحب كتاب نهاية المحتاج، لا، هذا نور الدين الهيثمي من تلاميذ العراقي، صاحب كتب كثيرة في الزوائد، أكثر تصنيفه في الحديث. قال: الحديث أخرجه البزار كما قلنا في زوائد البزار، زوائده على الأمهات الست، كتب الحديث الستة: البخاري، مسلم، وأبو داود، النسائي، والترمذي، وابن ماجه، فهذه زوائد في البزار ليست موجودة في الكتب الستة. وهذا قاله الشيخ قبل أن يطبع كتاب البزار الذي يسمى بالبحر الزخار، مسند البزار يسمى البحر الزخار. فقال: قال رحمه الله عليه البزار: حدثنا أحمد منصور بن سيار، وأحمد منصور أيضا من حفاظ أهل بغداد، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو مستند إلى الكعبة يقول: ورب هذا البيت لقد لعن الله عز وجل الحكم وما ولد على لسان نبيه ﷺ. عن الحكم بن العاص، فقال: قال البزار: لا نعلمه عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد. وإنما قال في الحديث الأول: لعن رسول الله ﷺ فلانا، معنى هذا الذي أخفى بعض الرواة أخفى اسمه. قال البزار: لا نعلمه عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد. ورواه محمد بن فضيل أيضا عن إسماعيل عن الشعبي عن ابن الزبير. وأن ابن فضيل يتابع ابن عيينة. لو أن ابن فضيل تفرد بهذا الحديث ما أخذ منه، لو أن ابن فضيل، محمد بن فضيل هذا ابن غزوان، تفرد بهذا الحديث ما أخذ منه. لكن لما رواه سفيان بن عيينة وهو إمام من أئمة السنة، أخذ العلماء هذا الحديث. لماذا؟ لأن محمد بن فضيل بن غزوان شيعي متشيع، فلهذا لا يقبل منه مثل هذا الحديث. ومعلوم أن الشيعة يتحاملون على بني أمية، والحكم بن العاص يعتبر من بني أمية، والد مروان بن الحكم. لكن هذا الحديث وإن قلنا أنه صحيح، لكن هو داخل في قول النبي ﷺ: «اللهم من سببته أو لعنته فاجعلها له رحمة، إنما أنا رحمة للعالمين» أو كما قال النبي ﷺ. فهو داخل في هذا. صحيح أن النبي ﷺ أمر بإخراج الحكم من المدينة وأخرجه إلى الطائف، نفاه إلى الطائف. وهذا قد يكون لأشياء كان يعملها الحكم. ولما قال النبي ﷺ: «يدخل عليكم رجل لعين» كما في حديث ابن عباس، فدخل الحكم، فلعن النبي ﷺ للحكم ثابتة، وأيضا نفيه له ثابتة. لكن هل هذا معنى يؤخذ على ظاهره أنه هو وولده وما ولد؟ فقد جاء من صلب الحكم العاص أناس أهل طاعة وأهل عبادة وأهل علم. وإن كانوا مثلا بعضهم مثل الحكم كعبد الملك بن مروان، مثلا عبد الملك بن مروان، وإن كان عليه بعض الأشياء، لكنه كان طالب علم، بل فقيه وعالم. لكنه ابتلي بالخلافة فحصلت منه زلات. لكن أكثر ما كان عنه أنه كان يحب السنة وأيضا يحب الإسلام. وإن حصل منه ذاك الذي معنى ذلك من أعظم ما حصل أنه قتل الحسين بن علي، وهو لم يأمر بذلك، لم يأمر بذلك، وتندم لما سمع أن الحسين قتل، وبكى. لكن حصل هذا على غير أمره، أقصد يزيد بن معاوية، هذا حصل ليزيد. لكن عبد الملك هو الذي أرسل جيش الحرة لما استبيحت المدينة. لكن كما قلنا كانت سيرتهم سيرة طيبة، وإن كانت لهم هنات، لكن هذه الهنات غالبا تكون من أناس أكثرهم من المفسدين، فهم الذين يغرونهم بمثل هذه الأمور. وأحيانا الإنسان يركن إلى الدنيا فيحصل له مثل هذه الأمور. فالمهم أننا لا نتكلم في مثل هؤلاء، لكن كما قلنا أن وجد من أبناء الحكم من هو على صلاح وعلى استقامة، فلهذا قال العلماء أن هذا الحديث داخل في قول النبي ﷺ: «اللهم من سببته أو لعنته فاجعلها له رحمة، إنما أنا رحمة للعالمين». فمن استحق هذا اللعن فهو فيه، ومن لا يستحقه ولو كان من ولده فإنه يخرج بهذا الحديث. والله تعالى أعلم.