الدرس في التعليق على الجواب الكافي 49، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المعصية تؤثر على العقل وتفسده، حيث يغيب العقل أثناء ارتكابها بسبب غياب الوعي بوجود الله واليوم الآخر. هذا يؤدي إلى فقدان العقل السليم والتفكير السديد.
السلف فسروا المعصية بأنها تحدث عند غياب إدراك العقل لعواقبها، والعلم يزيد من خطورة المعصية إذا استخدم في الذنوب. هذا يدل على أن المعرفة يمكن أن تكون عاملاً في زيادة الخطأ.
قصة رجل من بني إسرائيل أعطاه الله علمًا لكنه انسلخ من دينه تشبه بالكلب الذي يلهث دائمًا. هذا يظهر أن استخدام العلم في معصية الله دليل على فساد العقل.
الاستمرار في المعصية دون توبة يؤدي إلى فساد العقل والتفكير في اللذة العاجلة فقط. هذا الفساد يحول دون إصلاح العقل والتفكير السليم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: فصل، وقال بعض السلف: ما عصى الله أحد حتى يغيب عقله، وهذا ظاهر، فإنه لو حضره عقله لحجزه عن المعصية، وهو في قبره الرب تعالى أو تحت قهره، وهو مطلع عليه، وفي داره، وعلى بساطه، وملائكته شهود عليه، ناظرون إليه، وواعظ القرآن ينهى، وواعظ الإيمان ينهى، وواعظ الموت ينهى، وواعظ النار ينهى. أن هذه الأشياء كلها غابت عن عقله، وإلا لو استحضر هذه الأشياء أو بعضها لحجزه عن المعصية. قال: والذي يفوت بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، لأن اللذة تذهب وتفنى، كما قال بعض الشعراء: تنفى اللذاذة من نال صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار فاللذة تذهب، إنما هي ساعة، وتبقى الحسرة والندامة. قال: فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف به ذو عقل سليم؟ فهذا أيضا من عقوبات هذه المعصية أن الإنسان إذا داوم على المعصية كأنه غاب عقله وفسد عقله، أن المعاصي تفسد العقل وتذهب بتفكيره السليم. فذكر هنا عن بعض السلف أنه قال: ما عصى الله أحد حتى يغيب عقله، وإلا لو تفكر في شيء من هذه الأمور لما عصى الله. كيف يعصى الله عز وجل وهو في قبضته، هو بين يديه؟ فربنا سبحانه وتعالى قادر على أن يأخذه، وكذلك أيضا أنه يشهد عليه الملائكة، وهو يعلم ما جاء في الكتاب والسنة من تحريم هذا الشيء، فهذا كله يكون ذكرى له، لكنه لم يعتبر بذلك، وهو يعلم كذلك أن ترك المعصية خير له في الدنيا والآخرة. وكما قال هنا رحمه الله: والذي يفوت بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف وأضعاف، لكن الإنسان يلتهب بالعجلة، وكذلك يريد تعجيل الثمن وتعجيل اللذة، فلهذا ينسى ما يكون من الله جل وعلا في الآخرة. وهذا مثال ضربه الله عز وجل، أو هذا المثال أراد به المؤلف: من كان عنده علم وهو يعصي الله عز وجل بعلمه، فهذا أعظم، لأنه لو كان عنده علم وذكاء لما عصى الله جل وعلا واستمر في معصيته. ولهذا الله عز وجل ضرب لنا مثلا في القرآن، وهو ذلك الرجل الذي من بني إسرائيل كان رجلا عالما، كما قال في سورة الأعراف: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين﴾. ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه. قيل: إنه رجل من بني إسرائيل. قال ابن عباس: إنه بلعام بن باعوراء. وقال ابن مسعود: إنه بلعام بن إبر. والمهم أنه رجل أعطاه الله عز وجل علما، وأعطاه الله عز وجل ذكاء. حتى قيل: إنه أعطاه الله عز وجل الإسم الأعظم. وقيل: إنه كان مستجاب الدعوة. فوق هذا يقال: إنه لما أرسله موسى. المهم أن الرجل تأثر بالدنيا، وتأثر بمعصية الله عز وجل، وترك دين الله، مع أنه يعلم أن ذاك خيرا له. فشبهه الله عز وجل بالكلب: ﴿إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾. إنه يريد الدنيا، وقد دخل عليه هواء الدنيا، فترك ما أنزل الله عز وجل، ورضي بمعصيته، فلهذا كان عقابه هذا الذي ذكره الله عز وجل. فكذلك العالم الذي وصل إلى علمه بذكائه وعقله، لكن إن جعل ذلك في معصية الله، فهذا يدل على غياب عقله وفساده. خلاصة هذه الفقرة من كلام الإمام ابن القيم: أن الإنسان إذا عصى الله واستمر في معصيته، فهو قد أفسد عقله، ولم يفكر فيما يصلح ذلك العقل، بل فكر في لذته وأيضا السرور العاجل الذي يجده من هذه اللذة. نسأل الله عز وجل السلامة والعافية. والحمد لله رب العالمين.