الدرس في التعليق على الجواب الكافي 48، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الذنوب والمعاصي تؤثر سلباً على مرتكبيها وعلى غيرهم من الناس والدواب، وتسبب العقوبات والضرر بسبب شؤم هذه الأفعال. يمكن أن تتسبب في القحط والجوع وتؤثر على المقربين والبهائم.
المعصية تورث الذل وتسبب العقاب في الدنيا، بينما العز يكون بطاعة الله عز وجل. العاصي يذل مهما كان له من جاه أو مال، وهذا الذل ملازم للمعصية بإرادة الله تعالى.
المعصية تجعل العبد ذليلا مهما كان عنده من المال أو الملك، وتؤثر على قلوب العصاة وتجعل الملوك يتدللون لمن هو دونهم. يستشهد بأقوال السلف مثل الحسن البصري وعبد الله بن المبارك الذين يؤكدون ذل المعصية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. ومن الناس من قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: قال فصل، ومنها أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه، فيخترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم العقوبات. هذه المعاصي أن أحيانا العقوبة تتعدى الإنسان إلى شيء يخصه من الدواب أو كذلك من الناس المقربين إليه، يعود إليه شؤم ذنبه، فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم. قال أبو برير: إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم. وقال مجاهد: إن البهائم تلعن العصاة بني آدم إذا استدت السنة أو إذا اشتدت السنة بالجوع وامتنع المطر، وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم. وجاء في حديث ابن عمر: «لولا البهائم لم يمطروا»، فتشدد المؤونة. وأيضا السنة أحيانا يكون من عقوبة من الله عز وجل بسبب معاصي بني آدم، كما جاء في الحديث أيضا: «وما طفف الناس في الميزان إلا منعوا القطر من السماء أو إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة»، السنين معنى بالجوع، السنن، القحط مثل السنوات العجاف التي جعلها الله عز وجل على قوم يوسف. قال عكرمة: دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم. هذا يقولون من باب وصف الحال، وإلا لا شك أنه لم يسمعهم يقولوا هذا الكلام، وإنما وصف الحال على هذا لأن سبب قحط الأرض هم ذنوب بني آدم، فيتعدى منها أيضا دواب الأرض وهوامها. قال: حتى الخنافس، هذه الحشرات الصغيرة، والعقارب أيضا تتأذى وتجوع بسبب القحط. فلا يكفيه عقاب ذنبه حتى يلعنه من لا ذنب له. وهذا كلام بعض السلف على أن هذه البهائم تلعن العصاة بني آدم. وهل هذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ الله أعلم. ما ذكر في شيء من حديث هذا، لكن الأدلة تدل عليه. ولذلك جاء في حديث عبد الله بن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا البهائم لم يمطروا». فلنجعل الله عز وجل بعض المطر اليسير لأجل البهائم فقط، وإلا فشؤم بني آدم ومعصيته شؤم على غيره إذا أمسكت الأرض، فإنه أيضا يتعذب الحيوانات وتتعذب الحشرات، وهذا كله بسبب ذنوب بني آدم. ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، هذا من لطفه سبحانه وتعالى أنه يعفو عن كثير. ولو أن الله عز وجل يأخذ العباد بكل ذنب ما ترك على ظهرها من دابة. قال فصل: ومنها أن المعصية تورث الذل ولا بد، لا يكون صاحب المعصية ذليلا. جاء في الحديث الذي تقدم حديث عبد الله بن عمر: «وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري». فالذلة تسير مع المعصية وتوردها المعصية، بقدر معصية العبد تكون ذلة. قال: فإن العز كل العز بطاعة الله عز وجل. قال الله عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾، أي فليطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعة الله. والعاصي مهما جمع من الأموال ومهما كان له الجاه، فإن الله عز وجل يذله إلى من هو أدنى منه فيذله في هذه الحياة. فتجد الرجل الذي معه الأموال يلهث أيضا وراء ناس يريد منهم أموالا ويذل لهم حتى يعطوه شيئا أو يجعله دليلا عند بعض الملوك. فالذل يبقى فيه. وكان من دعاء بعض السلف: «اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك». وقال الحسن البصري: «إنهم وإن تزينوا بالبغال وهملجت بهم البراذين، إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه». وهذا كلام عظيم. إنهم وإن تزينوا بالبغال على ركوب هذه البغال، وطقطقت بهم البراذين -أي ركوب البراذين- معنا ارتفعت ونزلت. وهملجت بهم البراذين أي بركوب البراذين، جمع بردون وهو الخيل الأجنبية أو العجمية. أنه كان يفرق بين خيل العرب والخيل العجمية لأن خيل العرب غالبا تربت على الجهاد وعلى الصحاري، وتلك غالبا لا تتربى على ذلك، ولهذا يكون فيها شيء من الليونة الزائدة التي تتكسر فيها. قال الحسن رحمه الله: «إنهم وإن تزينوا بالبغال وهملجت بهم البراذين، إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه». فالذل باق في قلبه مهما تزيا بزينة أو بغيرها. وقال عبد الله بن المبارك: «رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها»، أي إدمان هذه الذنوب. وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها. وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها؟ أنا أفسد الدين بصرف الناس عنه. فهذه أيضا من المعاصي التي أو من أسباب عقوبة المعاصي أنها تدل العبد وتجعل العبد ذليلا مهما كان عنده من الملك ومهما كان أيضا عنده من الأموال. بل أحيانا ربنا سبحانه وتعالى يذل الملوك حتى في معصيتهم يذلهم فيتدللون إلى من هو دونه بكثير، بل يتدلل أحيانا للخدم وغيرهم، وهذا من ذل المعصية التي جعله الله عز وجل ملازما لها. والله تعالى أعلم.