الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 585، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
كان عبد الله بن الزبير صحابيًا جليلًا وشجاعًا وعابدًا، شهد له التاريخ الإسلامي بمواقفه البطولية وصلاته الخاشعة. قتله الحجاج بن يوسف الثقفي بعد بيعة أهل مكة والمدينة والعراق له.
الصلاة في المسجد النبوي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، والصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة صلاة في المسجد النبوي، كما ورد في الأحاديث النبوية الصحيحة.
اختلف العلماء في تفسير حديث فضل الصلاة في المسجد الحرام، فمنهم من حمله على الفرائض ومنهم من حمله على الفرائض والسنن، كما اختلفوا في نطاق الفضيلة داخل الحرم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقر بن هاد الوادي رحمه الله: مسند عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، وعبد الله بن الزبير صحابي جليل، وكان من الشجعان والعباد، كان عابدًا وشجاعًا، وهو الوحيد من ولد الزبير الذي أدرك النبي عليه الصلاة والسلام. وبينه وبين عروة عشر سنوات، عروة بن الزبير بينه وبين أخيه عبد الله عشر سنوات، فقد أدرك عبد الله بن الزبير النبي عليه الصلاة والسلام، وقتله الحجاج بن يوسف الثقفي الظالم، قتله صلبًا، وصلبه، وقصته مشهورة عندما بايعه أهل مكة والمدينة وأهل العراق، بايعوه بيعة صحيحة. فالذي يقول إن عبد الله بن الزبير خرج على بني أمية مخطئ، فلم يخرج عليهم، وإنما بويع ببيعة صحيحة بعد أن مات يزيد أو بعد أن مات معاوية رضي الله عنه، فبايعوا له أهل مكة والمدينة، وكذلك أهل العراق، وما بقي إلا أهل الشام، بل هم كانوا يريدون يزيد بن معاوية أن يبايعه وأن يعطيه الملك، لولا تدخل بعض المغرضين فمنعه من ذلك، وقال: إن هذا الملك لك، وكذا، فغرّه بهذا، وأرسل جيشًا إلى المدينة، ووقعت واقعة الحرة التي حصل فيها انتهاك مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، وقتل فيها من قتل من الصحابة ومن خيرة التابعين، وكانت في سنة أربع وستين. وبعد ذلك أرسل عبد الملك بن مروان في عهده أرسل جيشًا بقيادة الحجاج بن يوسف، وقتل ابن الزبير، وصلبه في المدينة. وكان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه يقول: عندما مر على عبد الله بن الزبير وهو مصلوب، قال: أبا خبيب، أبا خبيب، أبا خبيب، أما كنت أنصحك؟... ثم قال: لأمة أن تشرها خير أمة، لأمة أن تشرها خير أمة، يعني إذا كان شر الأمة مثل هؤلاء فهي خير. فعبد الله بن الزبير كان من عباد الصحابة وعلمائهم، وكان يذكر بالصلاة، أي بالخشوع في الصلاة، حتى إنه كان إذا صلى جاءت الطير ووقعت عليه، تظنه عمودًا من كثرة من شدة سمته في الصلاة وسكونه في الصلاة. ولهذا ذكر الإمام أحمد في مسنده عن عبد الرزاق أنه قال: كان أهل مكة يقولون: لا أحد أفضل صلاة من ابن جريج، وأخذها ابن جريج من عطاء، وأخذ عطاء من عبد الله بن الزبير، أي هذه الصلاة، وهو الخشوع والسكون في الصلاة وعدم الحركة. قالوا: أخذها عبد الله بن الزبير من جده أبي بكر الصديق، وأخذها أبو بكر من النبي عليه الصلاة والسلام. وعبد الله بن الزبير معلوم أن جده الصديق أبو أمه، أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه. وقد جاء في الصحيح مسلم أن الحجاج جاء إلى أسماء وقال لها: أخرجي ابنك وإلا سحبتك بقرونك، أو أرسل إليها: وإلا أسحبك بقرونك. فقالت له -قالت لرسوله-: اجعله يفعل، أنا أفعل هذا الذي تقول. فجاء الحجاج بنفسه وقال لها: يا ذات النطاقين، كأنه يعيرها، فأخبرت، فذكرت القصة التي حصلت في الهجرة، ثم قالت للحجاج: أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا بأن في ثقيف ظالمًا ومبيرًا، فذكرت المختار بن أبي عبيد الثقفي، ثم قالت: وأما المبير فما أظنه إلا أنت. فلم يستطع أن يفعل بها شيئًا وذهب، وخص ألها عن ابنها، فقال: لما قتله قال: أفسدت عليه دنياه وأفسدت عليك آخرتك. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يونس، والظاهر أن يونس هنا ابن محمد المؤدب، قال: حدثنا حماد -يعني ابن زيد، هو أبو إسماعيل محمد بن زيد بن درهم البصري، حافظ كبير من حفاظ أهل البصرة- قال: حدثنا حبيب المعلم، وهو حبيب بن الشهيد، وهو أيضًا بصري فقيه، قال: عن عطاء، وهو ابن أبي رباح فقيه أهل مكة، قال: عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «صلاة في مسجد هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة صلاة في هذا». قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح. وأخرجه عبد بن حميد -أي في مسنده، هو عبد بن حميد، له المسند وله التفسير وله أيضًا المنتخب من المسند والمنتخب من التفسير-. فهذا الحديث هو موجود في الصحيحين، لكن من حديث أبي هريرة، وهنا ذكره الشيخ من حديث عبد الله بن الزبير، وهذا يغلط فيه كثير من الناس، فيقولون: الشيخ يقول إن هذا الصحيح المسند ما ليس في الصحيحين، ويذكر حديثًا في الصحيحين، وهذا غلط منهم؛ لأن الشيخ، بل الأئمة في عملهم يعتبرون حديث الصحابي حديثًا مستقلًا، معنى إذا جاء عن صحابي آخر يجعلونه حديثًا مستقلًا ولو كان المتن واحدًا. فهذا المتن موجود في الصحيحين، بل غالب المتون للأحاديث موجود في الصحيحين أو بمعناها أو بفقه، لكن هناك حديث من حديث بعض الصحابة لم يذكره أهل الصحاح ولا أهل السنن أحيانًا، فهذا الحديث ليس موجودًا في الأمهات الست من حديث عبد الله بن الزبير، لكن موجود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وجماعة من الصحابة. وهذا الحديث فيه: صلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من ألف صلاة فيما سواه أي من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة صلاة في هذا، أي في المسجد النبوي. فصلاة المسجد الحرام تفضل بمئة ألف صلاة فيما سواه، وتفضل على المسجد النبوي بمئة صلاة. وأكثر أهل العلم على أن هذا الحديث في الفرائض، ومنهم من جعله عامًا في الفرائض والسنن. عن بعض أكثر الشراح وأكثر أهل العلم قالوا: إن هذا الحديث في الفرائض، الفريضة الواحدة كما جاء في بعض ألفاظ الحديث، في الحرم تكون بمئة ألف صلاة. وبعضهم جعل هذا في السنن والفرائض، في السنن والفرائض تكون بهذا العدد، على السنن التي يصليها في الحرم ليس كالسنن التي يصليها في غيرها. لكن الصحيح أنها في الفرائض؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام جعل الأفضلية في السنن تكون في البيوت، وهو في المدينة أفضل الصلاة كما جاء في حديث زيد بن ثابت: «أفضل الصلاة صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة، إلا المكتوبة». فدل على أن صلاة الرجل في البيت أفضل إلا المكتوبة، لا بد أن تكون في المسجد. فلهذا حمل كثير من أهل العلم هذا الحديث على الصلاة المكتوبة على الفروض، فهي مضاعفة. وأيضًا هل هذه الفضيلة مختصة بالمسجد الحرام أم مساجد الحرم كلها؟ لأن الله عز وجل سمى مكة المسجد الحرام: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾، فالمسجد الحرام يريد به مكة كلها، أي ستدخلون مكة. فسمى مكة المسجد الحرام، فلهذا اختلف العلماء في هذا: هل الصلاة في المسجد من مساجد الحرم يعتبر مثل الصلاة في المسجد الحرام -مسجد الكعبة- أم أنه يختلف؟ فهذه -كما قلنا- مسألة فيها خلاف بين العلماء. والأصل أن المسجد الحرام المقصود به مسجد الكعبة، لكن ليس هناك شيء صريح معنا يدل على أن الفضل هذا في المسجد الحرام إلا النصوص المعروفة. وكما قلنا جاءت نصوص أيضًا تسمي الحرم كله مسجدًا حرامًا، فلهذا فهو محتمل، فهو محتمل أن يكون في المساجد كلها. وبهذا يخطئ به بعض علمائنا المعاصرين كالشيخ الفوزان حفظه الله تعالى. وفي هذا أيضًا الحديث فضيلة هذين المسجدين على سائر المساجد. وصحح بعض العلماء أيضًا في الفضيلة المسجد الأقصى أو بيت المقدس، وأنه يفضل عن المساجد الأخرى بمئتين وخمسين صلاة، وجاء بخمسمائة، وصحح الشيخ الألباني حديث مئتين وخمسين صلاة. وبعض العلماء يضعف هذه الأحاديث، لكن البيت المقدس له فضيلة أيضًا، وأنه من المساجد التي حث النبي عليه الصلاة والسلام على الصلاة فيها وعلى الاعتكاف فيها. وجاء الحديث: «الاعتكاف إلا في ثلاث مساجد». وأيضًا حديث أبي هريرة: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد هذا» -أي مسجد النبوي-، فدل على أن هذه الثلاثة المساجد لها فضيلة عظيمة. وذكر البيت المقدس في هذه المساجد الثلاثة يدل على أن له فضيلة خاصة، له فضيلة خاصة أيضًا خصها الله عز وجل من بين المساجد الأخرى غير المسجد الحرام ومسجد النبوي. وكما قلنا إن بعض العلماء صحح أيضًا الزيادة في العدد في المسجد الأقصى، وهو مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا شيء ما يذكر بهذا المقام. والله تعالى أعلم.