الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 254، ألقاها
يناقش المقطع رواية حديث عن جابر من طريق يحيى بن صالح الوحاظي وتطرق إلى جعفر بن محمد وتوثيق رجال الشيعة. كما يشير إلى كتب الشيعة وكيفية توثيق رجالهم.
يناقش تحريم آلات الموسيقى مثل الطبل والدربوك، ويشرح حديث جابر بن عبد الله حول استخدام الجواري للكبر والمزامير عند الزواج.
ناقش سبب نزول الآية {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} وفضل ذكر الله وسماع المحاضرة على الانشغال باللهو والتجارة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى صحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال ابن جرير رحمه الله: حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي. كان منه الحديث، لكنه قد روى له مسلم، كذلك صحيح، لكن قال العلماء: إنه مرجئ، كان على الإرجاء، بل إنه كان يقول: عندي عشر حديث في الرؤية لا أحدث بها، أي رؤية الله جل وعلا، فلهذا اتهمه بعض أهل العلم، الإمام أحمد وغيره، باتجاههم عنه أنه يقول بقول جهم. وأما الإرجاء فهو ثابت عنه، وأما اتجاه جهم فهو أخذ من هذا من كلامه أنه لا يريد أن يروي أحاديث الرؤية؛ لأن هذا فعل الجهمية، فلهذا اتهمه بعض أهل العلم لأنه جهم، فلهذا لم يأخذ منه بعض أهل العلم كالإمام أحمد، كان يضعفه ولا يأخذ منه شيئا، وكان يحذر منه كذلك. وذكر ابن عدي أن له أحاديث تفرد بها لم يروها غيره، ولعل هذا الحديث أيضا منها. هذا الحديث لم يروه أحد بهذا السياق إلا هذا يحيى بن صالح الوحاظي. وقد كان الناس قد سمعوا من سليمان بن بلال أبي أيوب المدني، وأهل المدينة كثير منهم، فلم يرو هذا الحديث إلا يحيى بن صالح هذا. وقد جاء هذا عن جابر من غير هذا الطريق بغير هذا السياق. قال: حدثنا سليمان بن بلال، وهو أبو أيوب المدني، كان حافظا كبيرا من حفاظ أهل المدينة، قال: عن جعفر بن محمد، وهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، هو الذي يقول له الشيعة: جعفر الصادق، وهو أبو عبد الله جعفر بن محمد. وقد كذب عليه الشيعة الروافض خاصة الإمامية كذبا عظيما، إن تجد نصوصا كثيرة يذكرونها بأسانيد ليست موجودة في الواقع، إنهم يأتون بأسماء وهمية، ثم ينسبون ذلك إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد. جعفر بن محمد رحمه الله كان إماما في العلم، وله أصحاب يأخذون عنه حديث البخاري ومسلم، معنا قرابة المئتين أو أكثر أخذوا عنه. لكن تجد في كتب الشيعة أناسا آخرين لم يذكروا في كتب الرجال، لم يذكروا في كتب الرجال. لهذا لما رأوا هذا ورأوا أنهم سيفضحون، ألف العاملي كتابا سماه رجال الشيعة، وألف أيضا الطبرسي أو غيره كتابا سماه وسائل الشيعة، وذكروا هؤلاء الناس الذين يذكرون في الكافي للكليني، وأيضا بحار الأنوار وغيرها من هذه الكتب التي فيها الكذب الواضح والفاضح. فألفوا وسائل الشيعة ورجال الشيعة لأجل أن يوثقوا رجالهم، وإلا فأولئك هم وهم، وبعضهم يذكر في كتب الرجال، لكنه يذكر بالكذب، مثل عمر بن خالد الواسطي، فهو من رجال الشيعة الذين أكثروا في الكذب، حتى مسند زيد وجامع زيد هو من طريقه، من طريق عمر بن خالد الواسطي، وهو كذاب كما قال الإمام أبو زكريا يحيى بن معين: كذاب خبيث، إنه كذب بخبث أيضا. فلهذا لم يقبل العلماء منهم مثل هذه الأشياء، وغالبها كذب على جعفر بن محمد وغيره، بل يأتون بالفضائح العظيمة في خروج هذا مهديهم وغيره، وينسبونها إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب. قال: عن أبيه، وهو محمد بن علي بن حسين الذي يسميه الشيعة الباقر، قال: عن جابر بن عبد الله. وجعفر بن محمد قد سمع من جابر، وسمع أيضا من أبيه عن جابر. سمع من جابر، وسمع من أبيه عن جابر، معنى كان أبوه يأتي به وهو صغير. وحديث جابر الذي في الحج أيضا جاء من طريقه عن أبيه، لكنه كان موجودا وسمع جابر يحدث به حديث صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم الذي خرجه مسلم. قال: عن نافع، عن جابر بن عبد الله، قال: كان الجواري إذا نكحوا -الجواري معنى جمع جارية، البنات التي هن غالبا يكن تحت الملك- فنائما قال: كان الجواري إذا نكحوا كانوا يمرون بالكبر والمزامير. الكبر هو الطبل، قيل: إن المراد به ما كان مخدوما من الناحيتين، مثل مثلا ما يسمونه هنا عندنا هاجر أو هاجر ومرواس. أو الكبر الطبل الذي يكون مغلقا من فتحة واحدة ومفتوحا من فتحة أخرى، مثل هذا الذي يسمونه الطبل معروف، يكون إما بفردتين أو بفردة واحدة. ويدخل فيه أيضا الدف، الدف من أنواع الطبل، لكن الدف أجازه النبي صلى الله عليه وسلم في الأعراس، وفي أيضا كذلك أوقات السرور، فأجيز أن تضرب به النساء، ولم يجز للرجال، فهو خاص بالنساء، وإلا هو فهو داخل تحت التحريم. وقد جاء في حديث سفيان الثوري، عن علي بن بذيمة، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبر -وهو الطبل- قال علي بن بذيمة: وهو الطبل، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، والحديث صحيح أخرجه الإمام أبو داود، فلهذا فهو منهي عنه. ويدخل فيه كل ما كان مثله، مثل هذا الدربوك أو الدنبك، هذا لا شك في تحريمه، وقد نص جماعة من العلماء من الشافعية والحنابلة على تحريمه، بل ذكر الهيثمي في كف الرعاع أن الشافعية كالإجماع عندهم على تحريمه، أي هذا الدربوك أو الدنبك أو غيره؛ لأنه من الطبل، وأيضا هو من استعمله يستعمله غالبا أهل السوق، فلهذا فهو من الآلات المحرمة. وأما هذا الحديث فإن صح فيحمل على أنه كان في بداية الأمر قبل أن يحرم آلات الموسيقى، على عادتهم التي كان عليها أهل المدينة، إن كان على عاداتهم هذا إن صح هذا الحديث. والشيخ رحمه الله أخذ بظاهر الإسناد، وإلا فقلنا إن يحيى بن صالح الوحاظي قد تفرد بأشياء لم يروها غيره، وهذا محل شك عند العلماء، ولهذا لم يخرج هذا الحديث أحد من أهل السنن ولا أهل الصحاح، وإنما ذكره ابن جرير وابن مردويه والطحاوي. وغالبا هؤلاء يذكرون الصحيح والضعيف، وغالبا أيضا التفردات كان العلماء يتحذرون منها، وعن الغرائب. قال: كان الجواري إذا نكحوا كانوا يمرون بالكبر والمزامير، ويخركون النبي صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر، وينفضون إليها. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، قال: هذا حديث حسن. والحديث أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار، فقال رحمه الله: كما قد حدثنا أبو أمية، وإبراهيم بن داود، قال: حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي به. والحديث المشهور في صحيح مسلم من طريق سالم بن الجعد، وطريق ابن المنكدر وغيرهم، ذكروا عن جابر رضي الله عنه في سبب نزول هذه الآية أنه قال: لما جاءت عير تفلت الناس وذهبوا إلى هذه العير حتى بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم اثنا عشر رجلا، منهم أبو بكر وعمر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فتركوه قائما وذهبوا. وكانت في أيام قحط، فلما جاءت العير قام الناس إلى العير. وهذا ليس زهدا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما لعلهم يظنون أن هذا الأمر لا شيء فيه، وأنهم لهم أن يخرجوا من الخطبة. لكن قال الله: أذمهم الله عز وجل بذلك، قال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. جاء المجاهد عن قتادة أن أهل المدينة قد اعتادوا أنه إذا جاءت التجارة يزمرون، أنه إذا جاءت التجارة يزمرون حتى يلتف الناس، إنهم كانوا يقرعون بالجرس حتى يجتمع الناس إلى هذه العير، ويرون ما معهم من التجارة ومن الثياب وغيرها، فلهذا قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾. وذكر ذلك الإمام ابن جرير عن قتادة وعن مجاهد وعن جماعة من السلف، والحافظ ابن كثير ذكر هذا عنهم، ولم يذكر هذا الحديث، إما أنه تردد في صحته أو أنه رآه حديثا منكرا فلم يذكره في تفسيره، والغالب أن الحافظ ابن كثير يذكر غالب ما يذكره ابن جرير باختصار. حتى قال بعض العلماء: إن تفسير ابن كثير هو مختصر من تفسير ابن جرير، إن بعضا يقول هذا. العلماء يقولون: إن تفسير ابن كثير مختصر من تفسير ابن جرير، وإنما زاد الحافظ ابن كثير بعض الأشياء التي أخذها من بعض التفاسير الأخرى، وحيانا يزيد بعض الأشياء التي تدل على أو ما تقارب به الآية. فلهذا ذكر هذا الإمام ابن جرير الحديث، لكن الحافظ ابن كثير لم ينقله عنه، ونقل قول بعض السلف، قتادة ومجاهد القول الذي ذكرنا أنه أهل المدينة، بل العرب اعتادوا إذا جاءت التجارة يزمرون أو يجرسون لأجل أن يجتمع الناس لأجل هذه التجارة، يرون ما فيها. وهذا سيكون مناسبا لهذه الآية؛ لأنها تجتمع التجارة واللهو معا، ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾. قل: ما عند الله خير من الله ومن التجارة. وفي هذه الآية: أنه إن الإنسان لا ينبغي له أن يترك الخير وأمر الآخرة إلى أمر الدنيا؛ فإن أمر الآخرة أعظم. وذكر الله عز وجل أعظم، وأيضا سماع المحاضرة وغيرها أفضل من أن يذهب إلى أمور الدنيا وينشغل بها.