أشراط الساعة وقصة ذي القرنين 5

أشراط الساعة وقصة ذي القرنين 5

الدرس في أشراط الساعة وقصة ذي القرنين 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

نزول عيسى عليه السلام ورفعه واختلاف الروايات حول ذلك

يتحدث هذا الفصل عن علامات الساعة العظمى ونزول عيسى عليه السلام، وتناول تفاصيل حول رفع عيسى واختلاف الروايات حول ما حدث له. يشرح أن اليهود والنصارى يعتقدون أنه صلب بينما يعتقد المسلمون أن الله رفعه إليه وألقى الشبه على شخص آخر.

أدلة نزول عيسى عليه السلام والإجماع على ذلك

يتناول هذا الفصل قصة رفع عيسى عليه السلام ودلائل نزوله في آخر الزمان، ويستعرض آراء العلماء في ذلك. يشير إلى الإجماع على نزول عيسى وأدلة الكتاب والسنة على ذلك، ويذكر أقوال بعض العلماء الذين أنكروا نزول عيسى عليه السلام.

صفات عيسى عليه السلام عند نزوله ومكان ووقت نزوله

يتناول هذا الفصل صفات عيسى عليه السلام عند نزوله، ومكان ووقت نزوله. ورد في الأحاديث أنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، ينزل بين ممصرتين، ويجمع بين الروايات المختلفة في مكان نزوله وهو عند المنارة البيضاء شرق دمشق.

أعمال عيسى عليه السلام عند نزوله في آخر الزمان

يناقش هذا الفصل أعمال عيسى عليه السلام عند نزوله في آخر الزمان، أهمها القضاء على الدجال، ثم يحكم بدين الإسلام ويهدم جميع الملل الأخرى. كما يصلي مع المسلمين ويفتح الباب ليقاتل الدجال وأعوانه من اليهود.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في هذه الليلة بإذن الله، إخواني في الله، نصل إلى العلامة التاسعة من علامات الساعة العظمى، ومن أماراته الكبرى، وهما يتعلق بنزول عيسى عليه السلام. وقد دلت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على هذا المعلم من معالم الساعة، كما سيأتي معنا بإذن الله. وهنا عندي عدة مسائل أحب أن أشير إليها في هذه الأمارة. من أوائل هذه المسائل، إخواني في الله، ما أن المتأمل في أحاديث علامة عيسى عليه السلام، ما يكون من تكرار كلمة النزول، ينزل عيسى، ينزل عيسى عليه السلام، فلماذا هذا التعبير؟ وهذا، إخواني في الله، سيجرنا إلى مسألة، وهي نعتبرها توطئة ومقدمة لهذه الأمارة التي سنتحدث عنها في هذه الليلة بإذن الله. إذ أن من عقيدة أهل الإسلام فيما يعتقدونه في عيسى عليه السلام، بأنه رفع، وبأنه سينزل في آخر الزمن. وقد ذكر العلماء في دعوة عيسى عليه السلام، عندما بعثه الله جل وعلا إلى بني إسرائيل، انقسم الناس فيه إلى قسمين، أشار إلى ذلك ربنا في كتابه، بقوله سبحانه وتعالى: ﴿فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة﴾. فالذي آمن بعيسى عليه السلام، وبدعوته، وبدينه، هم النصارى. وأما الذين صدوا وأعرضوا عن دينه، فهم اليهود، إذ أنهم بقوا على دينهم، وعلى ملتهم، وعلى شريعتهم. فمكث عيسى عليه السلام زمنًا يدعو الناس إلى هذا الدين، قيل أنه مكث حتى بلغ إلى ثلاث وثلاثين سنة، على المشهور من أقوال العلماء والمؤرخين. دلت هناك أدل على أن هذا مكثه، لكن الحديث ضعيفة، بعضهم يجعلها يرتقي إلى الحجية، ومنهم من زاد، وقال أن عيسى مكث أربعين سنة، ومنهم من قال ثمانين سنة. الشاهد أن عيسى عليه السلام، لما حان وقته، وقد انتشرت دعوته، أو بدأت بالانتشار، قام اليهود بتأليب الناس عليه، وخاصة الحكام، فأخذوا يؤلبون حكام الزمان على عيسى، وأن عيسى أتى بما فيه انتفاضة الناس على السلطة. فصدق الوالي تلكم الإشاعات، وأصدر أوامره للحراس بأن يلقوا القبض على عيسى عليه السلام. فحوصر عيسى في البيت الذي قد اختبأ فيه، وفيه أتباعه. هنا، إخواني في الله، سنفصل في ذكر الروايات التي تنقل لنا ما وقع لعيسى عليه السلام. الرواية الأولى أن عيسى عليه السلام، عندما حوصر في بيته، داهمه الحراس، فألقوا القبض عليه، وانهالوا عليه ضربًا، وقادوه إلى السجن والحبس. فهنالك قاموا بضربه، وجلده، وبمحاكمته، وبتلصيق التهم عليه، وكان الحكم فيه بأن يقتل، وأن يصلب. فأمر حينها بأن يحمل صليبًا كبيرًا على ظهره، وأنه يجره من محل إلى المكان الذي سيقتل فيه، وألبس تاجًا من شوك، وضع على رأسه، تهكمًا به، حتى يكون عبرة لغيره. فأخذ عيسى، كما في الرواية، وحمل هذا الصليب الكبير، وقد كان ثقيلًا، مع شدة التعب، كانت الصياط تنهال عليه، ولا يساعده أحد، وإنما هو بنفسه، إلى أن أوصلوه إلى المكان الذي سيقتل فيه. فطرح الصليب في الأرض، ثم ألقي عيسى عليه، فجيء بالمسامير الحديدية، فدق المسمار في يده، لكي يثبت على اللوح، والثاني بالمثل، وجيء بالرجلين، ضم بعضها على بعض، فجيء بالمسمار، ودق، طبعًا حي لا زال، شدة في الوجع والألم، دق المسمار الكبير في الرجلين، حتى ثبت على اللوح. ثم رفع الصليب، وهو على هذه الحال، والناس ينظرون إليه، وترك على هذه الحالة، ينزف إلى أن تأكد الحراس من موته، طبعًا الحراسة على هذا الصليب، حتى لا يأتي أحد من أتباعه بأخذه. فشددت الحراسة على الصليب، إلى أن تأكدوا من موت عيسى. جاءت الروايات على أنهم كانوا يأتون برمح، فكانوا يطعنونه بالرمح، يتأكدون هل لا زالت فيه حياة، هل لا زال به شعور وإحساس أم لا، إلى أن تأكدوا من موته، حينها تركوه. فجاء من جاء بأخذه. هذه رواية عيسى عليه السلام، لكن عند من؟ عند اليهود، وعند النصارى، وهذه قصة باطلة عندنا معاشر المسلمين، باطلة. نعم، قد تكون حقيقية في التفاصيل، لكنها باطلة في ظنهم بأن هذا فعل في عيسى، لا، لا، وألف لا، عيسى ما فعل به شيء من ذلك. لما قال ربنا عز وجل: ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾. اليهود يزعمون أنهم وشوا في قتله، والنصارى صدقوا هذه المساعم. ننتقل إلى الرواية الثانية، وهي الروايات الإسلامية التي تنقل لنا حقيقة ما صار مع عيسى عليه السلام. نرجع إلى ما ذكرناه من أن عيسى حوصر، نعم، عيسى عليه السلام، جاء الخبر من وحي السماء بأن الحراس سيدخلون عليه، حينها فتحت له كوة، فتحًا من السقف، فرفع، بل رفعه الله إليه، رفع من خلالها. فتمت المداهمة، ودخل الحراس، وعاثوا في البيت فسادًا، وتكسيرًا، وتخريبًا، بحثًا عن عيسى. حينها ألقى الله شبه عيسى في قائد الحرس، هذا الذي كان يقود الحملة، كما قال ربنا: ﴿بل شبه لهم﴾. ما قتلوا عيسى، وإنما قتلوا الشبيه. من الشبيه؟ قيل أنه هذا القائد. فلما كان الحرس يبحثون عن عيسى، فأجدوا هذا أمامهم، وهو الشبيه، وهو قائد الحرس، لكن ما عرفوا، فألقوا القبض عليه، وأخذوا ينهالون عليه ضربًا، وهو ينكر، لكن أن له الإنكار، والشبه شبه عيسى، فكان هذا من مكر الله بهم. هذه الرواية، نعم، يذكرها العلماء. الرواية الثانية التي تذكر في هذا المقام، بأن الشبه إنما ألقي على بعض من كان من الحائنين، إن صح التعبير. الروايات تذكر على أن عيسى عليه السلام، أخبر أن ممن هم من أتباعه من سيخونه، وقد صار ذلك، أن بعضهم وشى للحاكم، ودلهم على المكان الذي يختبئ فيه عيسى. فدلهم عليه، فحين تمت المداهمة، وعيسى قد رفع، عليه السلام، عيسى رفع، فإذا بشبه عيسى يلقى على هذا الخائن الذي وشى بمكان عيسى. حاول أن يدافع عن نفسه بأنه ليس هو، لكن كيف ذلك، والشكل شكل عيسى؟ فأخذ وضربًا، وجلد، وصلب الشبيه. فالرواية الثانية، والثالثة الإسلامية، تذكر على أن الذي ألقي إليه الشبه هو أحد أعدائه، إما قائد الحرس، وإما هذا الذي خان عيسى. رواية أخرى هي على العكس، هذا على أن الذي ألقي عليه الشبه ليس بعدو من أعداء عيسى، بل عكس من أقرباء عيسى عليه السلام. وهذا ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أنه قال: أن عيسى عليه السلام، في الليلة التي سيرفع فيها، وقد أعلمه الله لما سيكون، قال عيسى لأتباعه: من منكم يلقى عليه شبهي، شبهي، فيقتل مكاني، ويكون في درجتي في الجنة؟ فقال شاب من أحدثهم سنًا: أنا. فقال له عيسى: اجلس. عيسى يعلم بما سيكون من مجريات الأمور، ومن الألم والوجع، قال: اجلس. فكرر عيسى عليه السلام المقالة: من منكم يلقى عليه شبهي، فيقتل مكاني، ويكون في درجتي؟ فقام الشاب، وقال: أنا. قال عيسى: اجلس، أجلس. فقام في الثالثة، وكرر العبارة، فإذا بهذا الشاب صاحب النهمة، وصاحب الهمة، قال: أنا. حينها قال عيسى عليه السلام: إذن فأنت ذاك، أنت ذاك. فألقي عليه شبه عيسى، فرفع عيسى عليه السلام، فدخل الحراس، فإذا بهذا الشبيه هو الذي أخذ، وهو الذي قتل، وهو الذي صلب. فهذه الرواية تدل على أن الذي قتل هو الشبيه لعيسى، وهو من أتباعه. ابن كثير رحمه الله تعالى، علق على هذا الأثر المروي عن ابن عباس، قال: وهذا الأثر صحيح عن ابن عباس. بل شيخنا مقبل رحمه الله تعالى، في تعليقه على تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى، علق أيضًا على هذه القصة، فقال رحمه الله تعالى: بأنه أثر حسن عن ابن عباس، من حيث الإسناد، لا إشكال، هو صحيح، هذا ثابت عن ابن عباس. إلا أن شيخنا رحمه الله تعالى، علق بتعليق بسيط، ومفاده: ولكننا نقف حيث وقف كتاب الله، وسنة الرسول الصحيحة، خشية أن ابن عباس زاد مما قد سمعه من أهل الكتاب. أي أن هذا الأثر من حيث صحيح، نعم، صحيح، ثابت عن ابن عباس، لكن هذا الكلام من أين أتى به ابن عباس؟ نخاف، نخشى أن هذا مما قد أتى به ابن عباس من أهل الكتاب. فالشاهد، إخواني في الله، أن هذه الرواية هي أصح ما قد نقف عليه في تفاصيل قصة عيسى عليه السلام، وما يتعلق برفعه، من أن الشبه ألقي إلى بعض أصحابه، وأحبابه، ممن ضحى بنفسه، رجاء أن يحشر مع عيسى عليه السلام. إذن، هذه مفاد القصة، أن الله عز وجل رفع عيسى عليه السلام. إذن، مقابل الرفع، ماذا؟ النزول. النزول. ولهذا تأتي معنا الروايات الصحيحة في أن عيسى ينزل. وهذه المسألة الثانية، إخواني في الله، التي سنقف فيها، ألا وهي: ما هي الأدلة الدالة على أن نزول عيسى عليه السلام من أمارات الساعة؟ قد ذكرنا أن أدلة الكتاب والسنة تدل على ذلك. مما جاء في كتاب الله عز وجل، ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وإنه لعلم للساعة﴾. وإنه، أي عيسى عليه السلام، لعلم للساعة. المفسرون على أن المقصود بهذه الآية، أن عيسى علامة من علامات الساعة. ويؤيد هذا التفسير، ما جاء في القراءة الأخرى: ﴿وإنه لعلم للساعة﴾، أي علامة، وأمارة على الساعة، عليه السلام. وهذا ذهب إليه جماهير العلماء. فقد نقل هذا القول عن ابن عباس، أي هذا التفسير، عن ابن عباس، وعن أبي هريرة، وعن أبي العالية، وعن الحسن، وقتادة، والضحاك، وجماعة من المفسرين. وأيضًا، مما يدل على أن عيسى ينزل في آخر الزمان، وأن من ذلك من علامات الساعة، ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾. قبل موت من؟ قبل موت عيسى. إذا متى سيكون إيمان به؟ وهذا يكون قرب قيام الساعة. أي إذا نزل عيسى عليه السلام، هنا بعض الناس سيؤمن به، وسيؤمن ماذا؟ بنبوته عليه السلام. ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾. وهذا التفسير هو رأي كثير من العلماء، من المفسرين. وأما من السنة، فالأدلة كثيرة، وكثيرة جدًا، كما سيأتي معنا في التفاصيل التي سنسمعها في هذه المباحث. وبلغت هذه الأحاديث إلى حد التواتر، إلى حد التواتر. وقد ذكر التواتر أئمة أجلة من أهل العلم والفضل، كالإمام ابن كثير رحمه الله تعالى، فقال: فهذه أحاديث متواترة. وممن كذلكم أشار إلى تواتر أحاديث عيسى، الحافظ بن حجر، وهكذا الإمام الشوكان، وجماعة من أهل العلم. وما ذكر ذلك إلا لكثرة الأحاديث المروية عن نبينا عليه الصلاة والسلام. بل ذكر جماعة من أهل العلم الإجماع المعتبر المعتمد بين أهل الإسلام على أن عيسى عليه السلام سينزل في آخر الزمان. وممن أشار إلى هذا الإجماع، الإمام السفاريني رحمه الله تعالى، حيث قال: أجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة. هذا إجماع معتبر، معتمد. قال: وأجمعت الأمة على نزوله، ولم يخالف فيه أحد من أهل الشريعة. وإنما أنكر ذلك الفلاسفة والملاحدة، ممن لا يعتد بخلافه، أولئك الذين أنكروا عيسى، ونزول عيسى، الفلاسفة والملاحدة. وهنا ننتقل، إخواني في الله، إلى مسألة ملحق بهذا الباب، وهو: ما موقف الناس من قضية نزول عيسى عليه السلام؟ مع وضوح الأدلة من الكتاب والسنة، ومن إجماع الأمة، إلا أن الناس اختلفوا في هذه الأمارة على قسمين اثنين، بين إفراط وتفريط، وبين غلاة. فطائفة من الناس أنكرت هذه الأمارة، واعتبرت ذلكم أنه أسطورة من الأساطير، وأن خرافة من الخرافات، كما أشار السفاريني، أنه قول الفلاسفة، وقول الملاحدة. وقد أشرنا إلى هذا في أوائل مباحث هذه الدروس، على بعض العصريين، ومن العقلانيين، من ينكر هذه الآيات، لأنها لا توافق العقل، فأنكروها جملة وتفصيلًا. بل تجرأوا على ردها، وعلى نكرانها. وبعض هؤلاء أنكر قصة نزول عيسى عليه السلام، بأمور، ليس لأنها تخالف العقل، بعضهم له شبه في هذا الباب. بعضهم يرى أن نزول عيسى عليه السلام، مفاده أنه سيأتي بشريعة، والذي نعرفه من الكتاب والسنة، على أنه ما هناك شريعة بعد شريعة رسول الله. فكيف نؤمن بنزول عيسى؟ عيسى سيأتي بتشريع بعد رسول الله؟ لا. ولهذا أول الآيات والأحاديث بهذا الباب. ومما أذكره ممن أنكر قضية نزول عيسى، ما ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى، أنه نقل عن الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى، بأن محمد عبده، وهو من بعض العقلانيين في الزمان الأول، أنه أنكر نزول عيسى عليه السلام. فالشاهد أن هذا جماع من الناس، خرجوا عن إجماع الأمة، بإنكارهم بعيسى، وهذا محل ضلالة. ولهذا يقول صاحب عون المعبود رحمه الله تعالى، بعد ما ذكر الآيات والأحاديث الدالة على نزول عيسى، قال: فهذه الآيات الكريمة، والنصوص الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تدل دلالةً واضحة على نزول عيسى بن مريم من السماء إلى الأرض، قرب قيام الساعة. ولا ينكر نزوله إلا ضال مضل، معاند للشرع، مخالف لكتاب الله، وسنة رسوله، باتفاق أهل السنة. أي لا إشكال عند أهل السنة، أن هذا محل ضلالة، أن يتجرأ أحد، كائلًا من كان، في إنكار مسألة نزول عيسى في آخر الزمن. هؤلاء الجفاة. وممن أنكر، بالمقابل، عند غلاة، غلاة. ووجه الغلو في قضية نزول عيسى عليه السلام، أن منهم من ادعاه لنفسه. وهل بعد هذا الغلو من غلو؟ منهم من يرى أنه عيسى المعني. وممن ذكر عنهم هؤلاء، ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، في كتابه بغية المرتاد، ذكر أن أناسًا ادعوا لأنفسهم لأنهم هم المعنيون بهذا الخبر، لأنهم سينزلهم الله في آخر الزمان. وأيضًا، ما ذكره صاحب عون المعبود، على أن رجلًا في زمنه، زعم أن الذي ينزل في آخر الزمان، ليس عيسى بن مريم، وإنما هو هو، ويعني به نفسه. هكذا ذكر صاحب عون المعبود عن رجل ظهر في زمنه. فهؤلاء قوم، وأقوام من أهل الضلال، زعموا من حبهم لهذه الأمارة، ومن غلوهم، أنهم ادعوها لأنفسهم. مسألة كذلك من المسائل المهمة في هذا الباب: لماذا؟ لماذا كان عيسى عليه السلام الذي اختير من بين الأنبياء أن ينزل؟ الأنبياء كثر، فلماذا تم اختيار عيسى عليه السلام لأن ينزل، كأمارة من أمارات الساعة؟ العلماء في ذلكم لهم عدة احتمالات. من هذه الاحتمالات، منهم من قال: بأن عيسى عليه السلام، لما رأى فضيلة أمة محمد، دعا ربه بأن يجعله منهم، فاستجاب الله له. وهذا بعيد، لأن هذا يفتقر إلى دليل، أن عيسى دعا ذلكم بهذا الطلب، وأن الله استجاب له. والقول الآخر، ولعله الأظهر، وعليه جماعة من المحققين: أن عيسى عليه السلام اختير من بين الأنبياء، لأن فيه ردًا على شد الطوائف. ففيه رد على اليهود الذين زعموا بأنه قتل، وأنه كان ليس بنبي، بل أنه ابن زنا، هكذا يدعون. وفيه رد على النصارى الذين صدقوا هذه المزاعم، بأن عيسى صلب. ولهذا تجد النصارى عندهم ماذا؟ الصليب، هذا يعظم عندهم في كنائسهم، في ألبستهم، في اعتقاداتهم، الصليب. وأيضًا، في نزول عيسى، فيه تأييد، وتأكيد لصحة عقيدة المسلمين. إذا نزول عيسى عليه السلام، هو عدة اعتبارات لليهود، والنصارى، وأهل الإسلام. فلهذا تم اختياره من بين الأنبياء، على الجميع، الأنبياء الصلاة والتسليم. ننتقل كذلك من المسائل التفصيلية، ما يتعلق بصفة عيسى عليه السلام، حين ينزل. جاءت الأحاديث الكثيرة التي تدل على صفة، وصفته عليه السلام، وماذا سيكون عليه، وصفه عليه السلام. من ذلك ما رواه أبو داود، بإسناد صحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: ليس بيني وبين عيسى نبي، وإنه نازل. فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، ينزل بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل. نبقى مع هذه الصفات. قول نبينا عليه الصلاة والسلام: رجل مربوع، قال علماء: المربوع الذي ليس بالطويل، وليس بالقصير، هذا أولًا. إلى الحمرة والبياض، في بيان بشرته، فهو ليس أسمر، أو أسود، لا، بل هو كما قال نبينا، إلى الحمرة والبياض. ينزل بين ممصرتين، والممصرة، كما في النهاية في غريب الحديث، هي الثياب التي فيها صفرة، الثياب التي فيها صفرة خفيفة، ليس صفرة فاقع، لا، صفرة خفيفة. وانظر إلى عظيم وصف نبينا، إلى ثياب عيسى، فقوله: بين ممصرتين، أي بين ثوبين، ينزل، وعليه ثوبان، عليه السلام، بهذا اللون. قال: كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، أي إشارة إلى مدى النظافة، والنظارة التي يكون عليها عيسى عليه السلام. من المسائل المتعلقة بعيسى، كذلك، مسألة: متى ينزل عيسى؟ متى أوان نزوله؟ جاءت الأحاديث الدالة، كما ذكر ذلك الألباني رحمه الله تعالى، في الجامع الصحيح، أن المسلمين بينما هم يستعدون للصلاة، تحديدًا في صلاة الصبح، صلاة الفجر، وكان هذا على إثر مقاتل وقتال بينهم وبين الأعداء. فيأتي معنى منهم، فبينما قام إمامهم، جاء في الحديث أنه رجل صالح، وهو يجهز هؤلاء المقاتلين، فيرص الصفوف، لكي يصل بهم في هذا الأثناء، ينزل عليهم عيسى عليه السلام، ينزل عيسى عليه السلام. فهذا الإمام، لما يرى نزول عيسى، ماذا يفعل؟ يرجع القهقرى، يرجع إلى الخلف، لماذا؟ لكي يتقدم عيسى عليه السلام. من هذا الذي يتقدم على هذا النبي الكريم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: فإذا بعيسى يمد يده، فيضرب على كتفي الإمام، ويقدمه، لا ترجع، لا ترجع. فيضرب عليه بمنكب، ويقدمه، فيقول عيسى عليه السلام: تقدم، فصلي، فإنها لك أقيمت. تقدم، فصلي، فإنها لك أقيمت، أي ما أقيمت الصلاة إلا لك. فتقدم. وجاء كذلك هذه المسألة في بيان نزول عيسى، وأنه في هذه الفترة بعينها، ما جاء في صحيح مسلم، من حديث جابر بن عبد الله، قال عليه الصلاة والسلام: فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: صل لنا. لما يرى الأمير، أي أمير الجيش، نزول عيسى، يقول: صل لنا. فيقول عيسى: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، إن بعضكم على بعض أمراء، أي هذا ليس مقامي. طبعًا هذا كما قلنا يكون حين استعداد استعداد المسلمين لقتال العدو، وأعني به الدجال، كما سيأتي معنا. كذلكم من مسائل متعلقة بعيسى عليه السلام: أين ينزل؟ ذكرنا متى، أين؟ أين ينزل في هذه المعمورة الفسيحة؟ جاءت الأدلة الدالة على تحديد مكان عيسى، فقد جاء ذلك في صحيح مسلم، من حديث النواس رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء، شرق دمشق. تأمل إلى هذا التحديد، التحديد عجيب في أمر عيسى، في صفته، في ثيابه، في وقته، في الفرض الذي ينزل فيه، بل في الموقع تحديدًا، في أي مكان؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء، شرق دمشق، هذا المكان الذي سينزل فيه عيسى. وجاء عند الطبراني، من حديث أوس، من أوس، مرفوعة، قال عليه الصلاة والسلام: ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء، شرق دمشق، شرق دمشق. فهذه الأدلة، والحمد صحيحي الجامع، يدل على كثرة الأحاديث التي اتفقت على أن عيسى عليه السلام ينزل في أرض الشام، تحديدًا عند المنارة البيضاء. الإمام النووي رحمه الله تعالى، في شرحه، ذكر أن هذه المنارة موجودة، موجودة في زمنه، موجودة في زمنه، وأن هذا مما يذكر من فضائل الشام، مما يذكر من فضائل الشام، تحديدًا من فضائل دمشق. واستشكل جماعة من أهل العلم على أن هناك روايات تدل على أن عيسى عليه السلام إنما ينزل في بيت المقدس، إنما ينزل في بيت المقدس. فكيف الجمع؟ الإمام السيوطي رحمه الله تعالى، قال: ما هناك إشكال. قال: لأن لو نظرنا بمعنى كلامه إلى شرق دمشق، فإن بيت المقدس، بيت المقدس هو في الحقيقة شرق دمشق، يعتبر شرق دمشق. وأما كون أن الآن، طبعًا في زمنه، بعد ذلك، أن الآن ما هناك منارة، قال: لا يستبعد أن الأمار ستنشأ عند قرب عيسى، عند قرب نزوله، سيحتاج الناس سبحان الله لأمر ما إلى بناء منارة هناك، وتكون هذه المنارة عند بيت المقدس، فينزل عيسى عندها. فيكتمل الحديث بأن عيسى نزل في بيت المقدس، شرق دمشق، عند المنارة البيضاء. هكذا جمع رحمه الله. نأتي كذلكم من المسائل المتعلقة بعيسى عليه السلام، مسألة: وهي كيف ينزل عيسى؟ كيف ينزل عيسى عليه السلام؟ أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى مسألة كيفية النزول، كما جاء ذلك في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: إذ بعث الله عيسى بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء، شرق دمشق، قال: بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين. إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات. هذا الحديث بطوله، واقتصرت إنما على وضع الموطن الشاهد منه، ما يتعلق بهيئة عيسى، كيف ينزل عليه السلام، من السماء، بعدما رفعه الله. قال عليه الصلاة والسلام، بعدما أخبر بأنه ينزل عند المنارة البيضاء، شرق دمشق، قال: بين مهرودتين، بين مهرودتين، هذا الحديث عن ماذا؟ عن ثيابه، عن ثيابه. والمهرودة، قال علماء: هي الأثواب التي قد أصبغت بورس، وبزعفران، بورس، وبزعفران. وتذكرون قبل قليل، أشرنا إلى ما يتعلق بوصف عيسى، أنه ينزل بين ممصرتين، وأشرنا أن ممصرتين عبارة عن ثوبين، ما بهما في بلون، ما هو اللون؟ أصفر خفيف، أصفر خفيف. فهذه الرواية الثانية تؤكد الأولى على أن عيسى، نعم، ينزل في ثوبين، بين مهرودتين. وهنا مهرودتين، أن هذا ينزل بصبوغة بلون فيه صفرة، حتى أن من الشراح من قال: والمقصود بالمهرودتين، أي أن مصبوغة بهرد، والهرد معروف عندنا، ما لون الهرد؟ في نوع اصفرار، اصفرار. فإذا هذه الأوصاف متلائمة، متواطئة، ليس بينها تضاد. فمن حيث العدد، ثوبين، من حيث اللون، صفرة خفيفة. لكن هاهنا فيه بيان على أن الصفرة إنما جاءت من هذه المادة، إما من ورس، زعفران، أو أن من هرد، كما جاء في شرح العلماء. والأمر الثاني: أنه يضع كفيه على أجنحة ملكين، ينزل من خلالهما، من السماء إلى الأرض. وفي قوله: إذا طأطأ برأسه قطر، وإذا رفع تحدر منه جمان، ما هو الجمان؟ الجمان، قال العلماء: هي حبات الفضة، حبات الفضة، يعني حبات مصنوعة من فضة، على هيئة اللؤلؤ، على هيئة اللؤلؤ. وما المراد بهذا الوصف؟ وإذا رفع تحدر، أي يخرج منه ماء يتقطر منه ماء. وهذا الماء المتصاقط من الرأس، إذا رفع رأسه، بلغ من الصفاء، أنه كاللؤلؤ المصنوع من الفضة، أي غاية من النظارة، والنظافة لعيسى عليه السلام، إذا نزل في آخر الزمان. نأتي إلى مبحث، وهو لعل من المباحث الأخيرة المتعلقة بنزول عيسى عليه السلام، وهي: ما هي أعمال عيسى إذا نزل؟ عيسى سينزل، سيقوم بعدة أعمال. نبدأ بأهم عمل، بل هو في الحقيقة أول عمل سيقوم به عيسى عليه السلام، ما هو؟ القضاء على الدجال. مر معنا الدجال، درس أمس، وأخذنا شوطًا في بيان فتنته، وبيان خبثه، ومكر، وما كان من خوارق العادات التي أذهلت الناس، وأذهلت الأنام، حتى اتبعوه، الفئام الكثير من الأمم والشعوب. أسطورة الدجال تنتهي بنزول عيسى. ولهذا عند الترتيب، عند الترتيب، قلنا: الدجال ينزل قبل عيسى، هذا ما ما في إشكال، عيسى ما سيكون قبل الدجال، لا، عيسى بعد الدجال، ينزل الدجال، يأخذ فترة من الزمن، عيسى ينزل بعد ذلك. فقد جاءت الأحاديث على أن من أوائل أعمال عيسى عليه السلام، إذا نزل، أن يتولى القضاء على الدجال. فقد جاءت الأحاديث الكثيرة الدالة على أن عيسى عليه السلام ينزل في بيت المقدس، كما أشرنا، والناس يستعدون لصلاة الفجر، وأن هؤلاء هم فلّة من المقاتلين، ما بهم هؤلاء؟ حوصروا، هؤلاء حوصروا، وكان حصارهم، وكان حصارهم من قبل من؟ من قبل الدجال، معه أعوانه. سيأتي منهم، فإذا عيسى نزل، ما سيتقدم للصلاة، سيصلي الإمام القاد. فإذا صرفوا من الصلاة، هذا أول عمل ينزل عيسى، يصلي مع الناس. إذا يقول عيسى عليه السلام: افتحوا الباب، افتحوا الأبواب، لا ضير عليكم، هم يخافون من الجيش الذي وراء الباب، الذي حاصر بيت المقدس. فيقول عيسى عليه السلام: افتحوا الباب، كما جاء ذلكم عند ابن ماجة، والحاكم، بإسناد صحيح، يحسنه الألباني. فإذا فإذا فتح الباب، فإذا من ورائه الدجال، ومعه سبعون ألفًا من اليهود، معه الدجال، ومع الدجال سبعون ألفًا من اليهود. فإذا رآه الدجال هرب، يحرب، ما يستطيع أن يقاوم عيسى عليه السلام، لأن عيسى فاجأه، هو يرى أنه فئة مؤمنة فقط، ما هناك عيسى. عيسى ينزل من حيث لا يشعر أحد، فإذا رأى الدجال عيسى أمامه، يهرب، ويفر. قال عليه الصلاة والسلام: فيدركه عيسى عند باب لد، عند باب لد، فيقتله هناك، فيقتله هناك. وجاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: إن الدجال يذوب حين يرى عيسى، كما يذوب الملح في الماء، يعني ذوبان حقيقي، يتلاشى الدجال، يتلاشى، لأن كما قلنا: عيسى عليه السلام عنده خاصية، ما خاصية عيسى؟ خاصية له ريحة، ما يجدها كافر إلا مات، ما يتحمل. فإذا رأى هؤلاء الكفار عيسى، يهربون مباشرة، منهم الدجال، الدجال يبدأ بالتلاشي، بالتلاشي، بالتلاشي، فيذوب. لكن هل عيسى يتركه؟ لا، وإنما عيسى يعجل الدجال، فيرميه برمح، برمح يكون معه، ثم يرفع الرمح، حتى يرى الناس دم الدجال. ولماذا يفعل عيسى هذا؟ لماذا يتعمد في قتل الدجال؟ لو ترك لذاب، وانتهى. عيسى يعلم أن الكثير من الناس يعتقد في الدجال، فربما ظن الظان أن الدجال اختفى، وأنا سيظهر هنا، أو يظهر هنا، أو يظهر هنا. فأراد عيسى أن يقضي على هذه الظنون، وعلى هذه المعتقدات، بأن يريهم دم هذا الرب الذي زعموه ربا من دون الله. فيعلم الناس أن ربهم قتل، وأنه أبيد. فحينها يتفرق من معه، ومن كان معه اليهود، فيحارب اليهود. فماذا يفعل المسلمون؟ فيجرون وراءهم، ماذا يعملون؟ فيقتلونهم قتلًا. وحينها وحينها يأتي الحديث: لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيختبئ اليهودي خلف الشجر والحجر، فيقول الشجر والحجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، تعالى فاقتله. فهذا، إخواني في الله، يذكر من هذه الأمارات. بقي كذلك أعمال بعد الأذان. نواصل الحديث فيها. ذكرنا، إخواني في الله، المبحث الأخير الذي نقف عنده في مبحث نزول عيسى عليه السلام، ما يتعلق بأهم أعماله. وأشرنا إلى أول عمل، وهو أهم عمل: القضاء على الدجال، بنفسه عليه السلام. وأيضًا من أعمال عيسى عليه السلام: أنه يحكم بدين الإسلام، ويهدم جميع الملل