الدرس في قصة نسيان أدم، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المقطع بوصف خلق الله لآدم وذرية البشر، ويرد على نظريات التطور والارتقاء. يُبرز فضيلة نبي الله داوود عليه السلام.
يتناول قصة بين آدم وداوود عليهما السلام حيث أخذ داوود أربعين سنة من عمر آدم، ويبرز أهمية الإيمان بالقضاء والقدر وتقدير الله للأعمار.
يشرح قصة جحود آدم عليه السلام ونسيانه وتأثير ذلك على البشر، مشيرًا إلى أهمية الكتابة والشهود في الشريعة لمنع ضياع الحقوق.
يختتم بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويظهر أهمية هذه العبادة في الإسلام.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، روى الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة». هذا الحديث، إخواني في الله، بدايةً فيه الحديث عن أبينا آدم عليه السلام، أبي البشر، وكيف أن الله عز وجل ما خلقه مسه على ظهره. وفيه أن الله جل وعلا ابتدأ خلق البشرية بخلق آدم عليه السلام، وكان كاملاً مكملاً ليس فيه نقص، كما يدعي بعض من يدعي من أهل الهيئة وأهل الفلك، وهكذا من أصحاب العلوم المادية ممن يدعون أن خلق البشر في أوله كان على نقص، ثم جاءت تلكم النظريات: نظرية الارتقاء، ونظرية التطور، ونظرية الانتخاب، حتى وصل الإنسان إلى هذه الصورة. بل تجرأ بعضهم فقال: إن منشأ البشرية كان شبيهًا بالحيوان، ثم ارتقى به الحال حتى وصل إلى هذا الحال. وهذا كله كذب، كله كذب. بل في كتاب ربنا، وفي سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم، وأدلة الشريعة تدل على أن الله عز وجل أول ما بدأ بخلق البشرية كان بخلق آدم، وكان بشرًا سويًا. قال عليه الصلاة والسلام: «لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة». عندما مسح الله على ظهر آدم خرجت الذرية، أي ذرية آدم، كل الذرية من لدنه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كلهم أخرجهم الله من صلب آدم عليه السلام. وهذا الإخراج، كما يقول العلماء، إخراج حقيقي، ليس كما يدعي من يدعي بأنه معنوي أو من يقول: هذا مجاز. لا، بل هو إخراج حقيقي. أخرج ربنا عز وجل ذرية آدم من ظهره عندما مسها على ظهره. قال: «كل نسمة»، أي كل ذات روح، كل ذات روح أخرجها ربنا عز وجل من ذريته. قال: «إلى يوم القيامة»، وقرر الله سبحانه وتعالى مما أخرجها من صلب آدم جعل لها وبيصًا. وما معنى الوبيص؟ بمعنى لمعان، بمعنى بريق، بريق ولمعان. وأين كان هذا اللمعان؟ كان يظهر بين الأعين، كان يظهر بين الأعين. وهذا فيه دلالة على أن الله عز وجل كانت الذرية الذين أخرجهم من ظهر آدم كانوا كأمثال الذر على صورة بشر. عرضهم كلهم أمام آدم عليه السلام، فكان يرى الوبيص بين أعينهم. قال عليه الصلاة والسلام: «وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي ربي من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، هؤلاء هم ذريتك يا آدم إلى أن تقوم الساعة». كلهم قد عرضهم الله أمامه، وفيهم هذا الوبيص، أي اللمعان. قال: «فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه». من هذا؟ المعاني التي استنبطها بعض العلماء من خلال تمعن آدم عليه السلام لذريته الذين عرضهم الله أمامه، شد انتباهه أن هناك لمعانًا ظهر في شخص، ظهر في شخص. قال: «فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي ربي من هذا؟ فقال: رجل من آخر الأمة من ذريتك يقال له داوود». داوود عليه السلام. وهذه فيه مزية، وفيه فضيلة لنبي الله داوود عليه السلام، إذ أن لمعانه كان فيه إضاءة أكثر، حتى أن آدم لمحه من بين الذرية. واختلف العلماء: ما سر هذا الومض وهذا البريق واللمعان الذي أعطي لداوود ما لم يكن لغيره؟ اختلف العلماء، ومنهم من قال: العلم عند الله في ذلك. ومنهم من أراد أن يأتي بميزة، قال: من ميزة داوود عليه السلام أن الله جمع له بين النبوة والملك، بين النبوة والملك. وأن الله أقام به العدل، وجعله خليفة: «إنا جعلناك خليفة في الأرض»، أي داوود عليه السلام. فلعل هذه الميزات جعلته يظهر منه هذا الوميض دون غيره. وإن كان هذا لا يسلم، لوجود من كان من أنبياء، إلا من كان على هذه الشاكلة، كسليمان عليه السلام، كذلك جمع بين النبوة والملك. لكن لهذا بعض العلماء توقف عند الميزة. لكن قال علماء: وليس معنى ذلك أن داوود هو أفضل الأنبياء، لا، ليسوا أفضلهم باعتبار الإضاءة. بل هذه الميزة ميزه الله بها. أما هناك أنبياء من هو أفضل من داوود عليه السلام، ومنهم نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، فهو أفضل الرسل صلوات ربي وسلامه عليه. فقال الله: «رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داوود». فقال: «ربي كم جعلت عمره؟ كم عمر هذا؟ قال الله: ستين سنة». أي جعلت عمره ستين سنة. كان هذا هو عمر داوود الذي قدره الله عليه. وبهذا نعلم، وهذا من الأحاديث الذي تدل على الإيمان بالقضاء والقدر، وأن الله قد قدر قدر أعمال العباد، أعمارهم، أعمال العباد، أعمارهم. وفي الحديث الصحيح: «حتى يكتب برزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد». فالرجل أو الصبي أو الآدمي بشكل عام قد كتبت آجاله وأعماره في بطن أمه، بل قبل أن يخلق الله سبحانه وتعالى الكائنات، كما في هذا الحديث. فربنا قد علم عمر داوود عليه السلام، فالأعمار بيد الله سبحانه وتعالى. قال: «قال ستين سنة، قال: أي ربي زده من عمري، قال: ستين سنة، قال: أي ربي زده من عمري أربعين سنة». سنة آدم عليه السلام. عندما أعجب بوبيص داوود عليه السلام، وأنا من ذريته من في آخر الأمم، أحب له أن يطال في عمره، خاصة لما علم أن عمره بهذا العمر الوجيز: ستون سنة. فطالب من ربه أن يكمل به المئة، من أين؟ أن يأخذ من عمر آدم أربعين سنة ويجعلها في عمر داوود، فتكمل مئة سنة. وقد قال العلماء: وهذا القول قد جاء بذلك أحاديث صحيحة عند الترمذي، أن عمر آدم عليه السلام ألف سنة. عمر آدم عليه السلام ألف سنة. وقد جاء ذلك صحيحًا عند الترمذي، ويحسن شيخ الألباني رحمه الله تعالى. وهذه الرواية هي مقدمة على ما يذكر في كتب السماوية السابقة، إذ أنه يذكر في التوراة أن عمر آدم عليه السلام تسعمائة وثلاثون سنة، هكذا يذكر في التوراة. لكن في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام أن عمره ألف سنة بكمالها وتمامها، هذا عمر آدم. فآدم طلب من ربه أن يأخذ من عمره أربعين سنة، ثم تضاف إلى عمر داود الستين فتكون مئة. قال عليه الصلاة والسلام: «أي قال داود، أي آدم: أي ربي زده من عمري أربعين سنة». فلما قضي عمر آدم، انتهى عمره، أتى أجله. فلما قضي عمر آدم جاءه ملك الموت، فقال: «أولم يبقى من عمري أربعون سنة؟». تأمل الآن جاءت المنية لآدم، فجاء ملك الموت لقبض روح آدم، لكن آدم عليه السلام كان يحسب، وكان يعد لنفسه. وكأن الله عز وجل أطلع آدم على عمره، وكأن الله بدليل الحساب أن الله أطلع على آدم عمره الذي يعيش فيه. فكان آدم يحسب لنفسه كم الفترة التي عاشها. ولهذا جاء في رواية في السنن: «كان آدم يعد لنفسه»، يحسب. ومن هنا استفاد العلماء فضيلة تعلم الأعداد وتعلم الحساب، وأن ذلك مما كان عليه الأنبياء. فانظر لآدم، فكان يحسب وكان يعد، فكان يعرف كم عمره، فكان يعدها ويعلم كم أخذ من عمره، فما الذي بقي له؟ فكان آدم يعلم بهذا، فكان يحسب لنفسه. لكن آدم عليه السلام لما جاءه ملك الموت لقبض روحه، ظن آدم أن ملك الموت قد استعجل، قد استعجل في المجيء، لأنه يعد نفسه: كم؟ ألف سنة. يعد لنفسه ألف سنة، فلما جاء ملك الموت قبل ألف سنة، قال آدم عليه السلام: «أولم يبقى من عمري أربعون سنة؟ أنا عمري ألف سنة، باقي أربعين، هذا ليست باقية لي». «أولم يبقى من عمري أربعون سنة؟ قال أي الملك: أولم تعطها لابنك داود؟ نسيت أربعين هذه؟ أنت قد أعطيت لمن؟ لابنك داود عليه السلام، عندما قلت: يا رب كم عمره؟ بقي لك الستين، قال: زدهم من عمري أربعون، زدهم من عمري، فأخذت أربعون من عمرك». لكن آدم عليه السلام ما تفطن لهذه المدة. فلما جاء الملك على الوقت: ألف سنة إلا الأربعين، ظن آدم أن هناك استعجال. فما جاء في بعض الروايات: «استعجلت الأمر». فأمر لم يكن فيه استعجال، إنما الذي وقع كان من ماذا؟ آدم عليه السلام أنه نسي، نسي الذي أعطاه لابنه داود عليه السلام. قال: «أولم يبقى من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها لابنك داود؟ قال: فجحد آدم، فجحدت ذريته، ونسي آدم، فنسيت ذريته». سبحان الله، إذن كان هذا من طبيعة آدم عليه السلام: الجحود والنسيان، وأن هذا الذي كان في آدم تسلسل حتى أصبح في ذريته، فأصبح من طبيعة البشر: الجحود والنسيان. ما معنى الجحود؟ قال علماء: الجحود هو الإنكار، الإنكار. لكن إنكار آدم عليه السلام ما كان عن عمد، إنما إنكار عن سهو، إنكار عن سهو. مثال هذا قد يقع: أنت أحيانًا تعطي فلانًا شيئًا، تعطيه شيئًا، ثم تأتيه بعد فترة تقول: يا أخي أين كتابي؟ قال: ما عليك، ما عندك كتاب. أي: مش من كتاب. يجهدك جهوده، ليس قام عن عناد، إنما قام عن سهو. قال: ما عندي كتاب لك، ما عندي كتاب. اذهب. قال: يا أخي كتاب أعطيتك إياه قبل فترة. قل: لا، لا، أنت غلطان. اذهب، ما عندي كتاب. يجهدك هذا. الجحود هو الذي وقع فيه آدم عليه السلام، جحود كان مبنيًا عن سهو، مبنيًا عن سهو. وأيضًا كان نسيان من آدم، آدم نسي عليه السلام، نسي تلك الفترة. تخيل، تخيل أنت الآن: متى أعطى آدم هذا العمر لآدم؟ أعطاه عندما كان في عالم الذر، أخرج الله الكائنات من ظهر المخلوقات ذوات الأرواح، أخرجها من ظهر آدم من تلكم الزمرة، ثم مضت ألف سنة، ألف سنة، ألف سنة إلا أربعين. فلا شك يعتري الآدمي ينسى، ينسى هذه المدة كلها. فنسي آدم تلك الفترة التي أتى وهبها لداود عليه السلام. فلما جحد آدم عليه السلام، أصبح هذا في ذريته: الجحود. ولما نسي آدم عليه السلام، وجد هذا في ذريته. ولهذا كان من طبيعة البشر: الجحود والنسيان. هذا من طبيعة البشر: الجحود والنسيان. ومن هنا جاء في بعض الروايات، يحسنها جماعة من أهل العلم، قال عليه الصلاة والسلام: «وكان من يوم إذ أمر بالكتابة والشهادة»، أي أصبح هذا من شريعة البشر: اتخاذ ماذا؟ الكتابة، واتخاذ ماذا؟ الشهود. لماذا؟ حتى تدفع هذه الطبيعة، وهي طبيعة الجحود والنسيان. والشريعة الإسلامية قد أقرت هذا: مشروعية الكتابة. عندك شيء حق، أمانة، معاملة، اكتبها كتابة، وثيقة. كما يقع الآن، ما هو هناك كتابة، شهود، شهود عيان، تشهد على المعاملة التي بينك وبين الناس. لماذا هذا الشهود والكتابة؟ حتى لا تأتي هذه الطبيعة. وجدت الآن، كم نسمع الآن من بعض الناس لربما يتعامل مع الخلق بالثقة، هذا الذي نسمعه الآن: بالثقة، بيني وبين جاري ثقة، أنا وهبت لك كذا، وأنا عطيتك كذا، وأنا ملكتك كذا. ثم تأتي السنوات وتأتي الأمور، ثم بعد ذلك تأتي الأمور إلى المحاكم. ما الذي صار؟ جحود، هذا يجحد، هذا أو نكران، هذا يذكر حق، وهذا يأتي القاضي، يأتي: يا أخي هل بيِّن لكم شهود؟ لا، هل بيِّن لكم وثيقة كتابة؟ لا، إذن ستضيع الحقوق. طب ما الذي أوقع الناس في الجحود؟ الطبيعة: النسيان، النكران، هذا طبيعة في البشر، طبيعة في البشر. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته». هذا، إخواني في الله، ما يتعلق بهذا الحديث العظيم الذي فيه بيان لما كان عليه آدم عليه السلام مع ذريته. فأسلم المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.