قصة جريج - ٢

قصة جريج - ٢

الدرس في قصة جريج - ٢، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

العبادة والنجاة من الفتن

الدرس يبين أهمية العبادة في حماية المسلم من الفتن، حيث تقدم قصة جريج العابد كمثال على الصمود أمام الفتنة. العبادة الصحيحة تعين على التمييز بين الحق والباطل.

أهمية الطاعة والالتجاء إلى الله

الدرس يدعو إلى الالتجاء إلى الله بالعبادة والطاعة للنجاة من الفتن، ويشير إلى أن الإقبال على الطاعات يعصم العبد من الوقوع في الفتن والضلال.

صبر الفجرة والمؤمنين

المقطع يقارن بين صبر الفجرة على الباطل وصبر المؤمنين على الطاعة، ويشير إلى أن الفجرة قد يصبرون على الباطل أكثر من صبر المؤمنين على الطاعة.

ختام القصة والدعاء

يتم ختام الدرس بالإشارة إلى نية استكمال القصة في وقت لاحق، مع الدعاء والصلاة على النبي محمد، مما يعكس أسلوبًا تربويًا متكاملاً.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كنا في درس أمس، إخواني في الله، في قصة جريج، ذلكم العابد الزاهد، والذي اتخذ صومعة له ينأى بنفسه عن مخالطة المجتمع، مما لربما صده أو أثقله عن عبادة ربه، فكان مجدًا مجتهدًا في طاعة الله. وكيف أن أمه جاءته في اليوم الأول والثاني والثالث تناديه لحاجة، إلا أنه اجتهد ومضى في صلاته، ثم كان من أمرها أن دعت عليه. وفي الحديث أيضًا ما جاء أن بني إسرائيل تذاكروا جريجًا وعبادته، وأرادوا أن يفتنوه، فقدمت تلكم المرأة التي بذلت نفسها في إغوائه، لا لشيء وإنما لفتنته وإسقاطه. قال عليه الصلاة والسلام: «فتعرَّضت له فلم يلتفت إليها». قوله عليه الصلاة والسلام: «فتعرَّضت له» أنها تجملت وتزينت وارتقت حتى صعدت إلى صومعته، فحاولت أن تغويه، لكن لم يلتفت إليها. وهذا، إخواني في الله، مسألة عظيمة، إذ أن هذه الفتنة التي ابتلي بها جريج ليست كأي فتنة. وهذه المرأة التي تعرَّضت له ليست أي امرأة، بل هي امرأة بالغة في الجمال والحسن، وهكذا تعرف كيف تحتال على الرجال، فهي بغي تمتهن وتحترف هذه المهنة. ومع هذا كله، إلا أن هذا الرجل الصالح ردها. بقي السؤال، إخواني في الله: هذه الفتنة التي لو سمح الله عُرِضت على كثير منا لكان فيها هلاكنا، ولسقط فيها من سقط، إلا من رحم ربي سبحانه وتعالى. لكن بقي: كيف استطاع جريج أن يرد هذه الفتنة العصماء، فتنة عظيمة؟ هو في عز شبابه، وفي قوة فتوته، وفي خلوته، والمرأة تصعد إليه، وهي التي تبغيه. ومع هذه، هانت هذه الفتنة العظيمة على نفسه. أتدرون بما حماه الله؟ حماه الله عز وجل بما كان من تعبده، بما كان من تعبده لربه سبحانه وتعالى. كان هذا الرجل عابدًا في كل آنه، وفي كل حينه، مُقبل على طاعة ربه. العبادة، إخواني في الله، تُعتبر حُصن حصين يقيك الله جل وعلا به من الفتن، يقيك الله به عز وجل من الضلال والهلاك، يقيك الله عز وجل بطريق العبادة والعبودية لله عز وجل من شر الشهوات والشبهات. قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهِ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، الفرقان - كما قال المفسرون - هو الفرقان بين الحق والباطل. متى يأتيك هذا؟ يأتيك هذا يا عبد الله إذا بلغت درجة التقى. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهِ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، إذن تميز بين الحق والباطل، تميز بين الصالح والطالح، بين النافع والضار. هذا إذا بلغت يا عبد الله درجة التقى. ولا يصل أحد منا إلى درجة التقى إلا إذا بلغ شأنًا عظيمًا في عبادة الله سبحانه وتعالى. يقول ربنا جل في علاه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾، هذا الشاهد: الثبات يثبتك ربك عز وجل، مهما تكالبت أمامك يا عبد الله واضطربت أمواج الفتن، فإنك ستمر في عبابها ولا يمسك شيء، لأنك في حصن، في عبادة يقيك الله، يجعلك في ثبات، كما وفق الله هذا العبد الصالح. فتنة عظيمة، لكن هانت لأنه متصل بالله عز وجل. وبهذا، إخواني في الله، ينبغي للعبد متى ما وجد من في نفسه أنه مقبل على فتنة، فتنة الشهوات، فتنة الشبهات، فليلتجئ بالله. لا تنشغل بها، لا ترتمي في أحضانها، ثم بعد ذلك تبغي النجاة. إن السفينة لا تجري على اليبس. نبينا، صلوات ربي وسلامه عليه، عندما قام فزعًا ذات ليلة، وهو يقول: «سبحان الله، ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتن؟» أوحى إليه ربه في منامه أن الله أنزل فتنًا على الأمة، فقام فزعًا مما أوحى إليه ربه. فقال: «أيقظوا صواحب الحجرات» - يعني أزواجه عليه الصلاة والسلام - «لكي يصلين». ما الربط بين هذه الوحي الذي نزل على نبينا فيه أن الله أنزل فتنًا، وبين أن النبي أمر أزواجه أن يقمن فيصلين؟ وجه الرأي: أن هذه الفتن لا عاصمة للعباد منها إلا إذا التجأوا إلى الله بالعبادة، بالطاعة. يعصمك ربك من الفتن. ولهذا، إخواني في الله، نعلم سبب سقوط كثير من الناس في أزمان الفتن، سواء فتن الشبهات أو الشهوات، الذي يسقطهم في هذا الباب: قلة الرصيد، وما كان من تعبدهم لربهم عز وجل. فنحن في هذا الزمان، لا شك ولا ريب أنها أزمان فتن. إذًا، فلنكثر من طاعة الله، ذاك بصلاة، ذاك بنوافل، ذاك بقرآن، ذاك بحلقات علم، وحلقات الذكر. من أعظم الحصون التي تبصرك بدين الله عز وجل، تكن على دراية يا عبد الله بالأخطاء والزلات، وكيف التعامل معها. وهكذا، أقبل يا عبد الله بالصيام، بالنفقة، بالصدقات، بالصلة، بطاعة الوالدين. أقبل بما شئت من الطاعات، فإن الله سيعصمك منها. قال عليه الصلاة والسلام: «فتعرضت له فلم يلتفت إليها»، لقوة إيمانه، وما كان من تعبده. هانت على نفسه هذه الفتنة العظيمة. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وإنها - أي المرأة البغي - عندما خرجت من الصومعة، فلم تستطع أن تحقق بغيتها». ما الذي قصار؟ قال عليه الصلاة والسلام: «وإنها وجدت راعي غنم يأوي إلى صومعته»، قال: «فأمكنته من نفسه، فوقع بها، فحملت». خرجت وهي صاحبة شر، وجدت راعي غنم، فكان من اليسر والسهولة أن تغوي هذا الراعي، فأغوت، فوقع بها. ومن هنا نعلم ما الفرق بين هذا وهذا. هذا آدمي، وذاك آدمي. هذا رجل، وهذا رجل. أي: جريج رجل، وراعي الغنم رجل. هذا الأول والثاني كلاهما عنده الغريزة التي تسمى الغريزة الجنسية، الميول للنساء. كل واحد. لكن ما الذي منع جريج؟ وما الذي سهل لهذا الفعل الشنيع الذي فعل؟ إخواني في الله، انغماس كل واحد منهم ببيئة تختلف عن بيئة الآخر. الذي يعيش، إخواني في الله، في باب الإيمانيات، يعتكف في بيوت الله، يقبل على رحاب القرآن، يقبل على العلم وعلى الذكر وعلى الصلاة والنوافل إلى آخر ذلك. هذه البيئة تصده. إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. لكن الراعي، رعي غنم، ما يذكر شيئًا له من عبادة. لو ربما منصب من نهاره إلى مسائه وهو في رعي الغنم، ينشغل عن ذكر الله، وينشغل عن طاعة الله. لو ربما قسى قلبه. هؤلاء لقم سائغة، سرعان ما يقعون في الفتن، متى ما ظهرت سقطوا. كحال هذه المرأة عند جريج ردها، وعند هذا الراعي أكلها. فقال عليه الصلاة والسلام: «فحملت»، ثم قال صلوات ربي وسلامه عليه: «فولدت غلامًا، وقالت: هذا ابن جريج». الآن العبارة سهلة: حملت، فولدت. بين الحمل والولادة كم؟ تسعة أشهر. يعني تخيل صورة هذه المرأة بذلت نفسها، رضيت بالدناءة، حملت، ثم صبرت على هذا الحمل تسعة أشهر، وما من أحد إلا ويعرف ما تجده المرأة أثناء حملها: شدة وعناء وتعب. وهذا الجنين الذي في بطنها لربما يضايقها في نومها، وفي اضجاعها، وفي جلستها، وفي أكلها. كل هذه المدة وهي صابرة، تسعة أشهر تربي هذا الغلام، لما تربيه؟ لهذا اليوم فقط. وضعت، أتت بالغلام من هذا؟ قالت: هذا من جريج. إخواني، هذا صبر عجيب، والله صبر عجيب. يعني عندما تقارن صبر هذه البغي الزانية بما عليه الكثير من أهل الإيمان في باب الصبر على الطاعة، تجد البون الشاسع. تجد الواحد منهم، إخواني، ربما ما استطاع أن يصبر على حلقة علم، على حلقة قرآن. الواحد منهم لربما ما صبر على نافلة من النوافل القبلية أو البعدية. لربما ما صبر على شيء من أمور الدين الخفيفة. وهؤلاء فجرة، كفرة، لربما يبذلون الغالي والرخيص، والدماء والأعراض والأرواح في سبيل ماذا؟ في سبيل باطل. رحمة الله ورضي الله عن عمر بن الخطاب، كان من دعائه أنه كان يشكو لله هذه الشكاية، يقول: «اللهم إني أشكو إليك من عجز المؤمن وجلد المنافق». هذا مصيبة: مؤمن عاجز، ضعف، خور. ومنافق أو كافر جلد، يصبر ويتجلد. فإخواني، لهذه مأساة، وهذا الذي وقع من الأمر: أنها صبرت تسعة أشهر حتى وضعت، فقالت: هذا من جريج. كذب، وبهتان، وافتراء. فإذا بقومها - كما جاء في الصحيحين - قال عليه الصلاة والسلام: «فأتوا إليه فاستنزلوه، انزل»، قال: «فنزل». باختصار هذا. لكن في رواية مسلم، التصوير أبلغ. قال فيها: قال نبينا: «أنهم ذهبوا بالمساحي والفؤوس - مساحي والفؤوس - حتى فنادوه: يا جريج». قالوا: قال نبينا: «فوجدوه يصلي، رجل وحد عالم ثاني ليس مع الناس في صلاة. حياته كلها صلاة، عبادة لله». وهذا في مسلم. فنادوه، فنادوه، فرأوه فوجدوا يصلي، قال: «فصعدوا على صومعته، فأخذوا يهدمونها»، قالوا: وهو لا يدري. فلما وجد هذا أمر، وجد ارتجاج، ورجع صراخ، فنزل. فرأوه فاستنزلوه، فأخرجوه. وفي رواية: «أنهم وضعوا الحبل على رقبته، ثم جروه بين الناس». ونكتفي إلى هذا الحد، وإن شاء الله نكمل ما بقي من القصة في وقت لاحق. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.