قصة موسى مع ملك الموت - ٢

قصة موسى مع ملك الموت - ٢

الدرس في قصة موسى مع ملك الموت - ٢، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

قصة موسى وملك الموت

يروي المقطع قصة موسى عليه السلام مع ملك الموت، حيث جاء ملك الموت ليقبض روحه، ورد الله عين الملك بعد أن لطمها موسى. عرض ملك الموت على موسى أن يعيش بعدد الشعرات تحت يده سنة، لكن موسى سأل عما بعد ذلك فأجابه ملك الموت 'ثم تموت'.

الرد على اعتقاد بقاء الخضر ووفاة الأنبياء

يناقش المقطع اعتقاد بقاء الخضر حيًا ويرد عليه بأن الأنبياء ماتوا، مستدلًا بقصة وفاة موسى عليه السلام وطلبه من الله أن يتوفاه قريبًا من الأرض المقدسة.

حكمة موسى في طلب الدفن خارج بيت المقدس

يتناول المقطع حكمة موسى عليه السلام في طلب الدفن خارج بيت المقدس خشية الفتنة بقبره، ويشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن في حجرته لذات السبب.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن المقطع دعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الرغبة في نيل رضا الله والبركة النبوية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلا زلنا مع حديث أبي هريرة، والذي جاء ذكره في البخاري ومسلم، في قصة موسى عليه السلام مع ملك الموت. قال، والذي قال فيه نبينا عليه الصلاة والسلام: «جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فقال له: أجب ربك. قال: فلطم موسى عليه السلام عين الملك، ففقأها. قال: فرجع الملك إلى الله، فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني. قال: فرد الله إليه عينه». مر معنا ما يتعلق بهذه المسألة، وأن هذه الفقرة ليس فيها ما يستنكر، كما يزعم بذلك المبتدعة، بل إن موسى عليه السلام تفاجأ برجل جاء إليه يطلب حياته، فما كان من أمره إلا أن دافع عن نفسه، فلطم هذا الطالب، وهو لا يدري بأنه ملك الموت. ومر معنا في ذكر النماذج، كانت واقعة لبعض أنبياء الله ورسله ممن لم يعرفوا ملائكة الرحمن، ولم يتعرفوا عليها إلا بعد فترة، بقراء واعترافات. فهذا ليس فيه غض، وليس فيه طعن، وليس فيه مغمز في حق موسى عليه السلام. ثم رجع ملك الموت إلى الله عز وجل شاكيًا إليه: «إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت». قال عليه الصلاة والسلام: «فرد الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي، فقل له: الحياة تريد؟ سله هذا السؤال، الحياة تريد؟ هل تريد أن تبقى في الدنيا، أن تعمر في الدنيا؟ قال: الحياة تريد. فإن كنت تريد الحياة، فضع يدك على متن ثور، فما توارت يدك من شعره، فإنك تعيش بها سنة». انظر لكمال قدرة الله عز وجل، وهذا أمر خير فيه موسى عليه السلام. وهنا فائدة استفادها العلماء، على أن من خصال الأنبياء عند موتهم أنهم يخيرون بين الموت وبين الحياة، وبين الانتقال منها. أنهم يخيرون بين الحياة وبين الانتقال منها. واستدل بعضهم كذلك بما جاء من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «ما كان من قوله عليه الصلاة والسلام، وهو في السكرات: اللهم الرفيق الأعلى». قالت عائشة: «فعلمت أنه خير، فاختار». فعلمت أنه خير بين البقاء وبين الانتقال، وأنه اختار، أي اختار الانتقال إلى الرفيق الأعلى. فكان ذلك يذكر، ويذكر العلماء أن هذا مما كان من شيء من الأنبياء، أنهم يخيرون بين البقاء وبين الانتقال. وهكذا كان موسى عليه السلام. والخير أنه إن أراد أن يبقى، وإن أراد أن يعيش، فله بكل شعرة تسترت تحت يده من شعر الثور، يؤتى بثور، فيجعل يده على ظهر الثور، فعدد الشعرات التي تكن تحت يده، كم يترى؟ هذه الشعرات لا تعد ولا تحصى. مقدار كل شعرة تعطى بها سنة كاملة. تخيل عدد الشعرات، ثم ضربها بسنة، كم عدد السنين التي سيعيشها موسى عليه السلام لو أراد هذا؟ وربنا خيره بهذا: «الحياة تريد؟» هذه حياة ضع يدك على متن ظهر ثور، ثم انظر تحت الشعرة، مئة شعرة وأكثر، المعظم مئة شعرة، بل يتصل آلاف، أي آلاف السنين ستعيشها، في كل شعرة سنة. فهذا مما خير به موسى من قبل ربه، والذي نزل به ملك الموت، نزل بموسى بهذا الخطاب من رب العالمين. قال عليه الصلاة والسلام: «فإن كنت تريد الحياة، فضع يدك على متن ثور، فما توارت يدك من شعره، فإنك تعيش بها سنة». ثم قال موسى: «ثم مه». موسى عليه السلام لما سمع هذه الخيرة من ربه، قال: «ثم مه»، يعني ثم ماذا، يعني تخيل أني وافقت يا ملك الموت على هذا العرض، ماذا بعد هذا؟ قال: «ثم مه». قال ملك الموت: «ثم تموت». ثم تموت. وفيه بيان، إخواني في الله، أن الموت مدرك كل واحد منا لا محالة، ولو كان من أشرف خلق الله، وهم الأنبياء والرسل، وهم كذلك عرض للفناء. ما أحد يبقى، لن يبقى أحد أبدًا، مخلد على وجه الأرض. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾. نبينا وهو أشرف الخلق عند الله عز وجل، جاءته السكرات، وجاءته النزعات، وجاءه الموت، وانتقل إلى الدار الآخرة. وهكذا موسى، وهكذا كل الأنبياء، ما هناك أحد يبقى. وفي هذا رد، إخواني في الله، على من يظن، ولا زال هناك ناس يظنون هذا الظن، بل للأسف بعض من ينتسب للعلم والفكر، بأن الخضر عليه السلام لا زال موجودًا على وجه الأرض، ولا زال يمشي هنا وهنا. وتسمع تلكم القصص، حكايات من التقى بالخضر، بل حتى أصبح هذا أمنية، أمنية لبعض الناس: «أوه لو استطعت أن تلقى بالخضر، أبشر بكل خير». بعض الناس يأتي بهذا، صحيح، بعضهم من باب الضحك، ولكن بعضهم يعقدها، يوجد هذا، بل حتى من بعض من ينتسب للعلم، من يرى أن الخضر لا زال يعيش على وجه الأرض، يمشي يمنة ويسرى. هذا ليس بصحيح، هذا ليس بصحيح. فأكرم الخلق الله، موسى عليه السلام، مقامه أرفع من الخضر. موسى هو كليم الرحمن، كليم الرحمن من أولي العزم من الرسل، له كرامة ووجاهة عند ربه سبحانه وتعالى، ومع ذلك جاءته السكرات، وجاءه الموت. فما هناك أحد يخلد على وجه الأرض، فحتى الأنبياء. قال: «ثم مه». قال: «ثم الموت». صارح الملك الموت. قال له: لو عشت مئات السنين، بل حتى آلاف السنين، فإن في نهاية أمرك ستصل إلى الموت. حينها قال موسى عليه السلام: «فالآن من قريب». الآن إذا كان هناك الموت لابد هو آتي آتي، فالآن فليأتني منيتي الآن، يأتني موتي الآن. وهذا فيه فائدة، على ما ذكرنا. لماذا موسى عليه السلام عندما نزل إليه ملك الموت ما استجاب له، بل لطمه؟ ولماذا هنا قال: «الآن الآن»؟ قال: تغير وضع، لأن في الأمر الأول، على قول الجماعة من العلماء، لما أتى ملك الموت ما أتى بأمارة، ومتى بعلامة تميزه بأنه مرسل من قبل ربه. ولهذا كان حق لموسى أن يدافع عن نفسه. لكن لما جاء ملك الموت بأمارة، بأمارة وخطاب من رب العالمين، وأنه مرسل من الله بهذه الأمارة، حينها علم موسى أن هذا من الله، حينها قال: استسلم له. بهذا تعلم تعامل موسى مع ملك الموت، ملك الموت في الأول والثانية، يدلك على أن موسى في الأمر الأول ما تعرف على ملك الموت، بخلاف المرة الثانية تعرف عليه. ومن هنا كان التعامل في الأولى ليس كالتعامل في الثانية. قال: «فالآن من قريب». طمع موسى عليه السلام بلقاء ربه، لأن يعلم كل مسلم يعلم أن ما عند الله خير وأبقى. لو خيرت يا عبد الله بين الدنيا وبين الآخرة، في دخول الجنة، ما الذي ستختار؟ لا شك ولا ريب، أنا ما من مؤمن عظم شرع الله عز وجل، وعلم بمآلات الأمور، يعلم أن ما في الجنة وما في الدار الآخرة أفضل وأطيب وأكثر من الدنيا، بل لا مقارنة ولا معيار بين هذا وبين ذاك. فقال موسى عليه السلام: «فالآن من قريب». ثم قال: «ربي، ربي أمتني من الأرض المقدسة رمية بحجر». هنا سأل موسى سؤالًا لربه، وهو أن الله عز وجل إن كان سيقبض روحه، فليقبض روحه قريبًا من الأرض المقدسة. كيف هذا القرب؟ قربه مقدار رمية حجر، مقدار رمية حجر، أي هذه المسافة رمية حجر، اجعل هذا موطن قبض روحي، أكون قريبًا من الأرض المقدسة بهذه المسافة، بحيث يكون قريبًا جدًا منها. ولما سأل موسى ربه بهذا الطلب، أجاب الله واستجاب الله لدعائه، كما سيأتي في الحديث. إذا نعلم بهذه أن موسى عليه السلام دفن قبرًا، ودفن قريبًا من الأرض المقدسة بهذا المقدار الضئيل. وبهذا نعلم الرد على بعض المؤرخين ممن حاولوا أنهم يأتون بمكان موسى عليه السلام، محلي دفنه. لكن بهذا الحديث تربع عليهم. مثال بعض المؤرخين من العلماء قالوا: «أن موسى عليه السلام دفن في مدين، بين بيت المقدس وبين المدينة، بين هنا وبين هنا». هذا لا يعقل، هذا لا يعقل أبدًا. تجعل هذه المسافة بوسط بين البيت المقدس وبين المدينة، بين الشام وبين أرض الحجاز، هذا بعيد جدًا. موسى إنما طلب هذه المسافة رمية حجر، إذًا قريب جدًا إلى بيت المقدس، إذًا هذا يرد بهذا الحديث. وفيه رد على من قال مثلًا: «أن موسى عليه السلام دفن في أريحا». دفن في أريحا، وأريحا أين هي؟ أريحا من بيت المقدس. قال: «لا ما يدفن، وما دفن موسى في بيت المقدس»، لأن أريحا من ضمن الأرض المقدسة، وموسى إنما طالب أن يدفن قريبًا من الأرض المقدسة، ليس فيها، وإنما قريبًا منها رمية حجر. إذن نرد على هذه الأقوال، وعلى كل قول خالف هذا القياس. موسى عليه السلام كان مدفنه على مشارف بيت المقدس، على مشارف بيت المقدس. يأتي السؤال هنا: لماذا موسى تمنى هذا؟ طبعًا هذا فيه دلالة على فضيلة الموت والدفن في البيت المقدس، في الأرض المقدسة. بقية لماذا موسى ما طالب مباشرة أن يدفن في الأرض المقدسة؟ للعلماء في ذلك عدة مخارج لهذا المطلب، ولهذا الدعاء من موسى عليه السلام. من أشهرها قالوا: «أن موسى عليه السلام خشي إذا مات أو دفن داخل الأرض المقدسة، وعلم الناس بقبره، لربما افتتن من افتتن به». فهذه حكمة، وذلك من باب سد الذريعة. موسى خشي على نفسه أن يكون آلهة يعبد من دون الله غدًا، بل أثر، والله أعلم من صحة الأثر، أثر عن ابن عباس أنه قال: «لو أن اليهود علمت بقبر موسى وهارون، لاتخذوهما آلهة من دون الله». لاتخذوهما آلهة من دون الله. فكان هذا من صنيع اليهود، بل هذا نبينا صلوات ربي والسلام عليه كان من حكمته، عندما أمر أو طلب أو كان هذا بفعل الصحابة، أنهم دفنوه في حجرته، مع أن الأفضل أين الدفن؟ في الخارج في المقابر، هذا الأفضل، وهذه السنة. لكن نبينا دفن في بيته. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها، كما في الصحيحين: «قال نبينا: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبياء مساجد، يحذر مما صنعوا». ولولا ذلك لأبرز قبره، أي لأخرج للناس، لكن ما أبرز قبره، جعل في حجرته. من هذه المسائل والعلل الذي من أجلها دفن نبينا في غرفته والحجرة، أن يسد هذا الباب، أن لا يأتي بعده أناس وتأتي الخلوف فيعظمون رسول الله فيجعل ماذا؟ مزار تشد إليه الرحال، بل يعبد من دون الله عز وجل. فهذا مخرج، مخرج به نعلم، نعلم لما موسى طالب من ربه أن يدفن لا داخل الأرض المقدسة، بل خارج عنها، أنه لحيم التوحيد، حتى لا يعرف فيعبد. والوجه الثاني قالوا: «أن موسى عليه السلام إنما فعل ذلك لأن الله عز وجل منع على بني إسرائيل، وهم الجيل الذي عاش معهم موسى عليه السلام، منع ربنا عليهم الأرض المقدسة». وذلك عندما طلب منه موسى أن يخرج معه في قتال الجبارين. قالوا: ماذا قال له؟ «قوة بني إسرائيل، اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون». تمردوا على موسى، حتى قال موسى: «ربي إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين». قال ربنا: «فإنها محرمة عليهم أربعين سنة، يتيهون في الأرض، فلا تأس على القوم الفاسقين». فربنا حرم على بني إسرائيل، هم الجيل الذي عاش في موسى، أنهم ليتيهون في الأرض، وليدخلون الأرض المقدسة. وكأن موسى دخل في الخطاب، قال: هذا بعض العلماء، كأنه دخل في الخطاب، أي أن هذا الجيل ما سيدخل، ولهذا موسى ما دخل، وإنما أمر أن يقرب من بيت المقدس. هذا كذلك المحمل الثاني. قال عليه الصلاة والسلام: «والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق، عند الكثيب الأحمر». نبينا لما ذكر القصة أن موسى دفن قرب بيت المقدس برمية حجر، نبينا علم موطن الدفن، وعلم القبر، وذلك بعلم الله عز وجل. بل ذكر أمارة، ما هي أمارته؟ أنه على الطريق، في الطريق، عند الكثيب الأحمر. الكثيب هذه اللغة عندنا، وهو الرمل الرمل العظيم، يسمى كثيب أحمر، أي هذا محل مكان دفن موسى. فالنبي أعطى أمارة، لكن لم يعين، ولم يشخص بالضبط أين محله. وبهذا نعلم، كما صرح بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أن قبور الأنبياء لا تعرف أين محلها، ما يعرف إلا قبر الرسول عليه الصلاة والسلام بالاتفاق. وتم الخلاف في قبر إبراهيم الخليل، يعرف أو لا يعرف؟ وقع خلاف، وإن كان إمام مالك رحمه الله تعالى ينكر هذا، وأن إبراهيم القبر المشهور الذي في أرض الشام ليس بقبره، المشهور بقبر الخليل ليس بقبره. بعضهم أثبت هذا. شيخ الإسلام ذكر الخلاف في قبر إبراهيم الخليل، هل هذا هو أم لا؟ محل الخلاف. أما قبر الرسول هو الذي عرف بالاتفاق، وأما قبر الأنبياء فلا يعرف أين قبورها. وهذه حكمة، حكمة من الله سبحانه وتعالى، وذلك حتى لا تتخذ ذريعة فيغلى بها، ثم تكون معبودة من دون الله عز وجل. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.