الدرس في قصة قاتل المائة نفس - ٢، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يروي المقطع قصة رجل قتل مئة نفس ثم تاب، فقبل الله توبته وأدخله الجنة، مشيرًا إلى أهمية المبادرة بالتوبة وسعة رحمة الله تعالى.
التوبة الصحيحة تتطلب توبة الظاهر وتوبة الباطن، حيث يجب على الشخص أن يقلع عن المعصية ظاهريًا وأن ينكسر قلبه باطنيًا.
يؤكد المقطع أهمية الخواتيم في حياة الإنسان ويتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى السامعين بما قيل، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، فمواصل إخواني في الله عما نحن بصدده من ذكر قصة ذلك الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم كمل بهذا العدد المئة بعد قتله لذلك راهب الذي أدخل رأيه الفاسد والكاسد في دين الله جل في علاه. ثم إنه بعد ذلك سأل عن أعلم أهل الأرض لكي يدله على الله سبحانه وتعالى، فكان الخير وكان البركة وكانت الهدى والنور والهداية بيد ذلك العالم الذي آتاه الله عز وجل علمًا غزيرًا، فدله إلى ربه سبحانه وتعالى، لكن بشرط وهو أن يتغير في نفسه وحاله وأن يغير من بيئته، فأماره أن يرحل من بلدته التي عاش فيها لأنها هي المنشأ، منشأ الضلال والهوى والفساد الذي وصل إليه. ثم قال عليه الصلاة والسلام: حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، معنى العبارة أن هذا الرجل أخذ بنصيحة العالم فتحرك من توه، وفي هذا إشارة إخواني في الله إلى أنك يا عبد الله حاول أنك لا تتوانى ولا تتأخر فيما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى. فهذا الرجل عندما أخبر بأن باب التوبة مفتوح وأن من شروط توبتك السفر والرحلة والهجرة مباشرة ما تأخر، وقال بإذن الله سوف أتأخر أو سأتأخر، ما أتى بعبارات التسويف التي لربما ابتلينا بها، تأتي لنا مواسم الخيرات والبركات وتأتي لنا من الأعمال الصالحة ما يمكننا أن نقوم بها الآن، لكن نبتل بالتسويف، بعدين نؤخر فيما بعد، وما تدري تأتي الأيام ولا نستطيع حينها العمل الصالح. قال من قال من سلفنا: أنذرتكم سوف أنذرتكم سوف، أي حذرتكم من هذه الكلمة، فإن لا تأتي بخير. فقال عليه الصلاة والسلام: رجل الرحلة، قال: حتى إذا نصف الطريق، نصف أي انتصف، فلما كان في منتصف الطريق أتاه الموت، أتاه الموت فأخذت روحه، لكن إلى أين أخذت روحه؟ قال عليه الصلاة والسلام: فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. وفي هذا إشارة إخواني في الله أن للملائكة أعمالًا يقومون بها، للملائكة أعمال يقومون بها، ومن أعمال الملائكة قبض الأرواح، وهناك ملائكة خصهم ربنا عز وجل بأخذ الأرواح الطيبة الطاهرة وتسمى بملائكة الرحمة، وهناك ملائكة خصها ربنا عز وجل بقبض الأرواح الأشقياء التعساء البعداء وهي ملائكة العذاب، كل له عمله. فقال عليه الصلاة والسلام: فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، من هم الذي سيأخذه؟ وفي ذلك فائدة على أن الملائكة مع علو مرتبتهم وعلو قدرهم عند ربهم سبحانه وتعالى إلا أنهم ما عندهم علم الغيب، ما عرفوا حال هذا الرجل إلى أين المصير؟ إلى النار؟ إلى الجنة؟ ما عندهم علم بهذا إلا ما أطلعهم الله سبحانه وتعالى عليه. فإذا كانت الملائكة هم على هذا المنوال ما عندهم علم الغيب، فما ظنك يا عبد الله بما عند البشر؟ فلا يتأتى لأحد منا إخواني، فلا أن يجزم على أحد الموتى لا بجنة ولا بنار، وهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة إلا بما جاءت به الأدلة إلا بما ثبت به النص، فإنه حينها يؤتى بمصيره، أما ما لا علم لنا به فلا نجزم لأحد، وإنما نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، فلا نجزم أن فلانًا من أهل الجنة، فضلا على أن يكون وليًا من أولياء الله ينفع ويضر من دون الله سبحانه وتعالى كما يدعي بذلك من تربى في أعشاش الجاهلية، عندما يدعون بأن هذا الميت وذاك الميت بلغ من العظم والأبهة عند الله أنه يدخل من شاء الجنة ويمنع من شاء من النار، وهذا كله من الغلو وهكذا الافتراء على الله سبحانه وتعالى. تخاصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، قال عليه الصلاة والسلام: فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله. وهنا وقف إخواني فينا مهمة جدًا، إلى وصف الملائكة لحال هذا الرجل وهو معرفة كيف تكون التوبة أصلا، ما هي التوبة؟ التوبة إخواني في الله لابد لها من أمرين اثنين، أو قل لابد أنها تشتمل على أمرين اثنين، على توبة الظاهر وتوبة الباطن، لابد أن الظاهر ظاهرك ينكسر، هذه توبة، زد على ذلك أن ما في ضميرك ما في قلبك كذلك ينبغي أن ينكسر، وهذه تسمى توبة الباطن. وهذه من أين مستفادة؟ مستفادة من هذا الحديث، ماذا قالت ملائكة الرحمة في حق هذا الميت؟ قالت ملائكة الرحمة فيه أنه جاء تائبًا، فيه توبة الظاهر، خرج من قريته هذا شيء ظاهر، مشى في الأرض هذا شيء ظاهر، يعلوه ما يعلوه من الحفاء، يلقي إقدام عربه هذا كله من الظاهر، جاء تائبًا مقبلًا بقلبه، وهذا توبة الباطن، انكسار القلب انكسار النفس. بعض الناس إخواني في الله لربما قد يتوفر فيه أمر دون آخر، بعض الناس لربما ينكسر في القلب، تأتي توبة القلب، يكون على معصية ثم يلوم نفسه على ما هو عليه، إيش الحياة هذه؟ ما الذي أعيش؟ إلى متى أنا على هذا الحال؟ لكن في ظاهره لا زال يمشي مع الموكب، لا زال يمشي على أمواج الفتن والشهوات والملذات، هذا مع انكسار القلب، لكن عمل الظاهر لا زال على المعاصي، هذا ليس بتائب، أو العكس، أو تجد أن هؤلاء الناس لربما في ظاهره كف، ترك المعصية ترك العمل الفاسد، لكن القلب من كسر؟ بدليل أنه قد عقد العزم على أنه سيرجع للمعصية بعد حين، سيرجع للمعصية بعد حين، هذا في نيته، النفس من كسرت؟ هذا كما قال شيخ الإسلام، هذا ليس بتائب، فإنما هذا ترك العمل السيء تركه، لكن ما يسمى تائبًا، بحيث أن أجور التوبة ما ينالها هذا الذي يترك المعصية، لكن في قرارة نفسه أنه سيعود، سيعود، هذا ليس بتوبة. فالتائب يا عبد الله لابد أن يتوب من جهتين، توبة الظاهر، يقلع عن المعصية يترك المعصية، وهكذا توبة الباطن، أن يكون في قلبه من الانكسار. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء ذلك عن جمع من الصحابة أنه قال: أن الندم توبة، أن يندم القلب على ما كان من فعلك، هذا توبة، فلابد إخواني في الله من أمرين اثنين. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب محتجة لما ستأخذه، قال: إنه لم يعمل خيرًا قط، هذا حجتي. فحينها قال عليه الصلاة والسلام: فأرسل الله إليهم ملكًا بصورة آدمي، وفي ذلك دلالة على أن الملائكة لهم قدر على التشكل، الملائكة لهم قدر على التشكل، يتشكلون بأشكال من أشكال الإنس، وهذا كثير جدًا، أدلة السنة تؤيد هذا المعنى، وقد مر ذلك معنى في قصة ذاك الرجل الذي أراد أن يخرج إلى أخيه زيارة، فأرسل الله إليه ملك على صورة الرجل، وقد مر هذا معنى. فقال نبينا: فأرسل الله إليهم ملكًا على صورة آدمي، فجعلوه بينهم، بمعنى حكموه، وفي ذلك فضيلة للآدميين، فضيلة للآدميين، فجعلوه حكمًا بينهم في هذه القضية، هذه الروح أين تذهب؟ هل تذهب إلى الجنة بحجة أنه جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله؟ أو حق أن يذهب به إلى النار لأنه ما عمل خيرًا قط؟ فكان من حكم هذا الملك الذي على صورة الآدمي، قال: قيسوا بين الأرضين، أي قيسوا المسافة، هو طبعًا جاء في الوسط، هو في الوسط، فكان هذا الحل، هذا الحل أنه يقاس بين هذه الجثة وإلى الأرض التي خرج منها الفاسدة، ويقاس بين هذه الجثة وبين الأرض التي أراد وهي القرية الصالحة. قال: فإلى أيهما كان أدنى فهو له، إن كان والله قريبًا من تلك الفاسدة فيحشر معهم إلى أهل النار، وإن كان قريبًا من القرية التي أراد حشر مع أهل الجنة مع أهل الصلاح. قالوا: فقاسوا بينهما فوجدوه أقرب للقرية التي أراد، فأخذته ملائكة الرحمة. وفي رواية في صحيح مسلم: أن الله عز وجل أوحى لتلك أي القرية الفاسدة: أنت بعدي، وأوحى الله لتلك: أنت قربي، فقربت هذه وبعدت هذه، فكان أقرب للقرية التي أراد وهي القرية التي فيها أهل الصلاح والفلاح، فحينها جاءت ملائكة الرحمة وأخذت روحه فكان من أهل الجنة. وفي ذلك دلالة عظيمة على سعة رحمة الله سبحانه وتعالى، وأن العبد مهما فعل من ذنوب ومن معاصي وأقبل على ربه عز وجل فإن الله لا يرده، فإن الله لا يرده، بالعكس إن الله ليفرح بتوبة عبده، يفرح ربنا سبحانه وتعالى، ولله المثل الأعلى. وفي هذا رغبة إخواني في الله، ولو اخترفت يا عبد الله ما اخترفت، انظر لهذا الرجل ما الذي فعل؟ قاتل مئة نفس، مئة نفس، ومع ذلك ما الذي فعل؟ ما الذي فعل؟ انكسار القلب والندم والسعي إلى الله سبحانه وتعالى بقلب خاشع خاضع، فكان هذا كفيل أن تتنزل عليه رحمة الله وتوفيق الله وتأييد الله، فوفقه الله إلى عمل صالح ختم به حياته، فكان أمره إلى الجنة. وفي ذلك العبر بالخواتيم، العبر بالخواتيم، لا تغتر يا عبد الله ببداية الأمور، العبر بالخواتيم، وكما قال بعض سلفنا الصالح: ما أبكى العيون، ما أبكاه الكتاب السابق، الله أعلم بما يختم لنا، فكم من رجل لربما أمره يكون بين الناس: أنا من أهل الجنة، حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، العبر بالخواتيم. وهذه مدعاة يا عبد الله إلى أن العبد يستمر في الطاعة إلى الله عز وجل، لا يكل ولا يتمل، لأنك ما تدري يا عبد الله متى الخاتمة، الله أعلم بها، اليوم أو غد أو بعد غد، لكن متى ما كنت يا عبد الله على عمل صالح وختم لك به فإن هذا بشارة للمؤمن أن يدخله ربنا عز وجل الجنة. فهذا إخواني في الله عبرة عظيمة ومسائل وفيرة وفوائد غزيرة يستفاد من هذه القصة النبوية، ومفادها على أن العبد مهما فعل من ذنوب ومعاصي من قتل نفس ومن فعل الشهوات وإما للذات، لكنه أقبل على ربه فإن الله يقبل التوبة عن عباده كما قال ربنا عز وجل: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.