قصة قاتل المائة نفس - ١

قصة قاتل المائة نفس - ١

الدرس في قصة قاتل المائة نفس - ١، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير من النفس الأمارة بالسوء

يتناول الدرس خطورة النفس الأمارة بالسوء ودورها في إيقاع الإنسان في المعاصي، مع التأكيد على أهمية إصلاحها. يُستدل بقصة رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا لبيان خطورة التسليم لها.

التمييز بين العلماء والعُبّاد

يشرح الدرس الفرق بين العلماء الذين ينشغلون بالعلم والإفتاء والإصلاح، والعُبّاد الذين ينشغلون بالعبادة، ويحذر من الخلط بينهما. يُستدل بآية قرآنية وتفسير ابن كثير لبيان أن الشهوات لا تجلب الراحة.

خطورة اتباع الرأي في الدين

يحذر الدرس من إسناد الأمور الدينية لغير أهلها واتباع الرأي والعاطفة في الدين، مشيرًا إلى أن الدين مبني على الكتاب والسنة. يُفسر الحديث النبوي حول قبض العلماء واتخاذ الناس رؤوسًا جهالا.

ختام الدرس والدعاء بالقبول

يختتم الدرس بالتأكيد على أهمية التسليم في الدين وعدم اتباع الآراء والأهواء، مع الدعاء أن ينفع الله بما قيل. يُختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «كان في من كان قبلكم»، وهذا مما يقصه علينا صلوات ربي والسلام عليه من أخبار ما قد مضى من أمم سالفة وأخبار ماضية، كان لنا في أنبائها وأخبارها العظة والعبرة التي تعين على فهم دين الله جل في علاه. ومن هذه القصص العظيمة التي قصها نبينا لنا ما سيأتينا في هذا المقام، وفيها من العبر والعظات أشياء كثيرة، وخاصة ما كان من بني إسرائيل، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «حدِّثوا عن بني إسرائيل، فإن فيهم الأعاجيب»، في قصصهم الأشياء النوادر، الأشياء الغريبة. قال عليه الصلاة والسلام: «كان في من كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا»، سبحان الله، القتل هذه الجريمة، الجريمة الشنعاء، لربما ما استطاع أحد أن يقدم عليها لوحشتها وشدتها وظلمها وحرمتها، فخير الرجل بلغ من أمره أنه مكتف بنفس ولا بنفسين ولا بثلاث ولا بعشر ولا بعشرين ولا بأربعين ولا بخمسين ولا ستين، مجتمع كامل تسعين نفس قتل تسعة وتسعين نفسًا. أتدري يا عبد الله ما الذي جعل هذا الرجل على هذه الجرأة من التخطي لهذه الجريرة ولهذه الجريمة؟ هو ما كان من أمره أن سلم أمره لنفسه، النفس التي بين جنوبنا، عباد الله، من ملكها زمام أمره فإنها تورد كالمهالك. النفس يا عبد الله أمارة بالسوء، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾، تؤزك إلى الباطل، تؤزك إلى الفحشاء والشهوات والملذات، وإلى الخروج عن طاعة الله جل في علاه. قال بعض السلف: من ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خاب وخسر، إذا ظفرت بك نفسك وأصبحت هي القائدة تقودك، اعلم يا عبد الله أنك تقودك إلى النار وبئس المصير. وقد أخبر ربنا جل وعلا أن فلاح العبد إنما يكمن بإصلاح نفسه، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، الفلاح في إصلاح النفس. وانظر يا عبد الله إلى حال من ملك أمره لزمام نفسه، ما الذي صار؟ ما الذي أوقعه؟ أوقع إلى عظائم ما كان يظن أن أحدًا من البشر يقدم عليها، بلغ من بعض الناس في عقوقهم لوالديهم ليس فقط الرد أو يقول البصاق أو طردهم من البيت، بل بلغ من عقوق بعضهم أن يقتل والديه، قتل ينحر أباه أو ينحر أمه. بلغ بعض من الكفر والشرك بالله عز وجل إلى أن يعبد ماذا؟ لا يعبد صنمًا ولا وثنًا، بل بعضهم يعبد الشيطان، أي تصور هذا؟ أن رجل يتخذ معبودًا شيطانًا، شيطان الذي أجمعت الدنيا بكل ما فيها من العقالة بل حتى من المجانين على أن الشيطان هو رمز الشر، ومع ذلك أصبح يعبد عند بعض الناس. هكذا يا عبد الله النفس إذا ملكت أمرك، قادتك إلى المهالك والردى وإلى النار وبئس المصير. ومن هنا كان إخواني في الله من أمر نبينا عليه الصلاة والسلام أنه عظم النفس التي بين جنوبنا، فكان يسأل ربه عز وجل في أن يعينه على إصلاح نفسه: «اللهم آتي نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها»، يدعو ربه عز وجل في أن يعينه على إصلاح نفسه. لأنك يا عبد الله بنفسك إن صلحت، صلح الجسد برمته، وإن فسدت، فسد الجسد كله، قال عليه الصلاة والسلام: «قتل تسعة وتسعين نفسًا»، ثم إنه سأل عن أعلم أهل الأرض، هذا دلالة على الأمر، وإن لم يكن مصرحًا به في الحديث، لكن واضح الدلالة على أن هذا الرجل وصل إلى إن صح التعبير إلى باب مسدود، قتل قتل قتل قتل حتى بلغ إلى درجة الضجر، مل كل ضاق، ضاق ذرعًا بما هو عليه. وهذا فيه فائدة إخواني في الله على أن النفس مهما متعتها بالحرام وبالشهوات والملذات وبإضاعة شرع الله عز وجل، فإن مآلها إلى الضيق، مآلها إلى الكآبة، الشهوات يا عبد الله ما هي إلا فرحة عابرة ليست دائمة، تفرح بها فترة من الزمن، ثم يأتيك من الضيق ومن الضنك. سأل يا عبد الله أصحاب الشهوات والملذات هل يعيشون في راحة؟ لا والله، سأل يا عبد الله عن المخزنين الذي يلهف خلف القات، فإذا خزن وخزن وخزن، اسأله بعد التخزين ما الذي يعتريه؟ يعتريه ضيق، ضيق عجيب يشعره بهذا. وسأل يا عبد الله عن أصحاب الملذات والشهوات، لو ربما يبحث يدفع المال الكثير علّ وعسى أن يتحصل على شهوة، فإذا قضاها، سأله ما هي الحالة؟ ما الذي يجدهم بعد النشوة؟ يجد الضيق، وهذا مصداقه في قول ربنا عز وجل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره أن من الحياة الضنك الذي يعيشها من خرج عن طاعة الله، ما يعتريه من ضيق الصدر وعدم اطمئنان القلب. وإن أردتم العبرة الواضحة الجلية، انظر يا عبد الله إلى شرق الدنيا وإلى غربها في مجتمعات الكفار، ما هنالك دين يردعهم، ما هنالك شريعة تمنعهم من فعل الشهوات والمحرمات، الخمور تباع كما تباع المشروبات العادية، كما يباع الماء، المجون والفجور والزنى والخنا ليس بمستبعد، بل هناك أماكن معدة، معدة مجهزة، تدخل بحر مالك فتفعل ما تشاء، وقس على ذلك ما أردت. طيب هذه البلدان التي فتحت عليها الشهوات، بل هم الذين فتحوا الشهوات على أنفسهم، هل يعيشون في راحة؟ لا والله، أعظم الأمراض انتشارًا في بلاد الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية كما يذكر في الاستبانات، أكثر الأمراض انتشارًا عندهم الحالات النفسية العصبية، الهيستيريا، انفصام الشخصية، الحالات النفسية بلغت أعلى معدلات في تلك البلدان. لا معنى هذا أن حياتهم النفسية فيها الطراب، مع أنهم بلاد الشهوات، بلاد الشهوات بلا منازعة، ومع ذلك عندهم القلق والضيق، وأكثر الحبوب تداولًا هناك الحبوب النفسية المهدئات، تهدئ على قلوبهم، تهدئ على نفوسهم، على ماذا التهدئة؟ أليس عندهم الشهوات يخرجون ما في صدورهم؟ بل إن الشهوات ليست الحل في إخراج ما في نفسك وراحة القلب، إنما راحة القلب طاعة الله سبحانه وتعالى، فهذا الرجل الذي قتل وقتل وقتل بلغ إلى باب مسدود، فسأل عن أعلم أهل الأرض، أراد مخرجًا من هذه الحياة التعيسة التي يعيشها. فسأل عن رجل من أهل العلم، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «لما سأل الرجل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب»، ترون إخواني في الله أن هناك تغير ملحوظ، الرجل التائب أراد أن يتوب، سأل عن عالم عن أعلم، وهؤلاء جروا إلى من؟ إلى من يُعبد، أعلم وأعبد، هذا عالم، وهذا عابد، هل هناك فرق؟ في دين الله فرق، فرق ما بين السماء والأرض. لكن في عرف كثير من الناس إلى هذه الأزمان ما يفرقون، ما يفرقون، ما هو الفارق بين العالم والعابد؟ يرون أن كل من تدين لله هذا ألقابه سهلة، يجعلون ماذا؟ وجهان لعملة واحدة، سمه عالم، سمه عابد، الكل يمشي، لا، ما كل يمشي يا عبد الله. وفرق العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، فرق يا عبد الله بين المشرق ومغرب، شتان شتان بين مشرق ومغرب. للأسف إخواني في الله في هذه الأزمان نجد نفس البلية التي ابتلي بها هذا الرجل في مجتمعه، عندما أراد أن يدل على عالم، أخذ به إلى عابد، ابتلينا به في هذه الأزمان، بعض الناس ما يفرق بين العالم الذي هو من حق الاجتهاد والاستنباط والنظر والفتوى في الأمور العظيمة التي تحال إليه النوازل، وبين عابد يشتغل بإصلاح نفسه بالذكر بالورد، له عبادات لازمة يتعبد الله بها. فهذا مجاله العبادة والتعبد، وهذا مجاله العلم والنشر للخير والإصلاح، هذا عالم، ولا نقول أن العالم ما عنده عبادة، لا، العالم عنده عبادة لابد، لكنه انشغل بالعلم أكثر من العبادة، وذاك العابد لا تظن أنه جاهل، لا، عنده العلم حتى يصحح به العبادة، لكنه انشغل بالعبادة أكثر من انشغاله بالعلم، فهذا عابد، وهذا عالم، فكل له مجاله. نحن في هذه الأزمان إخواني في الله ما الذي صار؟ صار الذي وقع في ذاك الزمن، ما يفرقون الناس بين العلماء وبين العباد، فتحال المسائل المصرية، مسائل الدم والدماء، مسائل الفتن، مسائل القتال تحال لمن؟ لو ربما يأتي واحد ويسأل بها، إيمان مزد، يسأل بها طالب من طلاب العلم، يسأل بها داعية، يسأل بها مفكر، يسأل بها مرشد إسلامي، هؤلاء عبد الله، وإن كان عندهم علم، لكن علم ما يؤهلهم إلى درجة الاستنباط. وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم أهل استنباطهم، أهل الاجتهاد، هذا الذي بلغ في العلم مبلغًا شابت لحيته في مضمار العلم، يشار إليه بالبنان عند القاصي والداني، لا يشق له غبار في باب العلم والاجتهاد، هذا تحال له المسائل. وتأتي إلى مسألة حيض ونفاس تتصل بالمفتي العام، وإذا مسألة في القتال والقتل وسفك الدماء تحيلها إلى داعية، هذا خلط عبد الله، هذا هو الخلط الذي وقع فيه تلكم القرية. فقال عليه الصلاة والسلام: «وسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب»، ما الذي يكون بعد هذا؟ يكون الفساد في الأرض، الفساد في الأرض إذا أغيلت الأمور إلى غير أهلها، هذا اضطراب في موازين الكون. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم أو يبق عالما اتخذ الناس رؤوسًا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا»، يأتي الضلال على المجتمعات. فهذا ما الذي فعل؟ التائب ذهب على هذه الوصية من الناس، دل على عابد، فذهب إلى العابد، دخل على هذا المتعبد لله وأخبره بقصته: «أني قتلت تسعة وتسعين نفسًا»، هذا الجم والكم العظيم من الأنفس أزهقتها، فإذا بهذا الرجل بكل جرأة ما عنده الذي يردعه؟ قال: «ما أرى لك توبة، كيف تتوب؟»، يعني تقول ليس طرحك على عقلي، يعني قتلت هذه الأنفس، كم من أناس أيتمتم؟ كم من نساء أرملت؟ كم أبقيت في البيوت من أحزان وتراح وضيق وسفقتهم؟ تأتي قل: تبت؟ قال: «لا والله ما أرى لك من توبة»، قال: «هل لي من توبة؟» قال: «لا، ما لك من توبة». ما الذي فعل التائب؟ لما رأى أن التوبة ليست له، إذن أمشي على ما كنت عليه، فقام وقتل العابد وكمل به المئة. وهذه هي فائدة يا إخواني في الله، لعنك يا عبد الله لا تدخل عقلك في دين الله، هذا الراهب بليته أنه أدخل العقل، أدخل الرأي، أدخل العاطفة، أدخل العاطفة في دين الله. دين الله ليس بالعاطفة، دين الله ليس بالرأي، دين الله عن بالكتاب والسنة، عندك أدلة شرعية، خطفها ما عندك شيء، قف يا عبد الله، ولو كان العقل ما يتصور هذا، ولو كان العقل ما يتصور هذا، أحيانًا الشريعة شريعة الرب سبحانه وتعالى، شريعة ربانية ما يعقلها إلا القليل العباد، بل ربما ما تصل إليها العقول أصلا. إذن فأشاد ما يمكن، ولهذا لا يمكن أن تدخل عقلك في دين الله، بعض الناس مثلًا إذا قيل لهم إخواني في الله من السنة الصلاة بالنعال، يقول: إيش نعال؟ حتى وفي بيتك صل في النعال، ما يمكن هذا، يستوحش، طب ما الذي يستوحش؟ هذا الأمر العقل ما جاء في الصحيح أن الذباب إذا وقع في إناء أحدكم فليغمس، فإن في أحد شقيه داء وفي الآخر دواء، يقول: دباب أغمس دباب؟ لا والله، بل ليس فقط هذا، بل ربما تطاول حتى على مقام النبوة عليه الصلاة والسلام. كما روى مسلم عن علي حين قال: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخفين أولى بالمسح من ظاهره»، عندما تمسح الخفين تمسح من أي جهة؟ من الأسفل ولا من الفوق؟ تمسح من فوق، مع أن الدعسة إلى الدعسة تحت هي أولى بالمسح، لكن الدين ليس بالرأي، الدين ليس بالرأي وإنما اتباع كما قال عمر لحجر الأسود: «إني والله لا أعلم أنك حجر، حجر لا تضر ولا تنفع، لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك». فديني عبد الله ليس في إدخال الرأي ولا الأهواء، وإنما هو التسليم وبقي إخوانا في الله القصة والمقام يطول، نترك هذا في درس غد، فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.