قصة إبراهيم عليه السلام 8

قصة إبراهيم عليه السلام 8

الدرس في قصة إبراهيم عليه السلام 8، إبراهيم - عليه السلام - والضيوف الكرام . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

قصة ضيوف إبراهيم عليه السلام واستقبالهم

يروي المقطع قصة ضيوف إبراهيم عليه السلام الذين كانوا ملائكة مرسلة من الله، وكيف أكرمهم إبراهيم واستقبلهم بحفاوة. ثم خاف منهم لعدم أكلهما الطعام، فطمأنوه وأخبروه بمهمتهم في إرسال العذاب لقوم لوط.

بشارة الملائكة لإبراهيم بولادة إسحاق

كشف الملائكة عن هويتهم لإبراهيم عليه السلام وأخبروه بأنهم مرسلون لعذاب قوم لوط، ثم بشرّوه بولادة غلام عليم. فاستغرب إبراهيم وسارة بسبب كبر سنهما وعقم سارة.

بناء الكعبة وإبراهيم عليه السلام

يعود إبراهيم إلى مكة ليبني الكعبة مع ابنه إسماعيل بأمر من الله، ويُظهر المقطع جوانب من رحمة إبراهيم وطاعته لأوامر الله. كما يظهر جانب من جداله مع الملائكة بشأن عذاب قوم لوط.

ختام الدرس والدعاء لله

يختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى متابعة الحديث حول مسألة بناء الكعبة في درس قادم. ويدعو الله أن ينفع بما قاله ويصلي على النبي محمد.

  • 25 جمادى الأولى 1447هـ - 15/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصلة إخواني في الله في ذكر قصص الأنبياء، ولازلنا في قصة إبراهيم عليه السلام، فيما صحت به الأخبار، وخصوصًا ما جاء به القرآن. ذكرنا في الدرس الأخير ما يتعلق بأمر رحلة إبراهيم عليه السلام إلى مكة، وكان القصد من ذلكم أن يأتمر بأمر الله، إذ أمره ربه بذبح ابنه إسماعيل، ثم لما رأى الله عز وجل من إبراهيم، وهكذا من إسماعيل، فلما أسلم كلاهما، حينها جاء الفرج من عند الله جل في علاه، وفديناه بذبح عظيم. مما نذكره مما وقع لإبراهيم عليه السلام ما جاء في أمر ضيوفه، وإنما نذكر أمر الضيوف هاهنا لأن الله جل وعلا ذكر هذه القصة عن ضيوف أتوا إلى إبراهيم عليه السلام، كما قال سبحانه: ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون﴾. فهؤلاء قوم مكرمون لأنهم ملائكة، ولم يكن إبراهيم عليه السلام يدري عن هذا؛ لأنهم أتوه على صورة بشر وعلى صورة ضيفان. فكان من أمر إبراهيم عليه السلام أن أكرمهم ورحب بهم، إلا أنه كان في نفسه أن هؤلاء غرباء، كما في الآية: ﴿قوم منكرون﴾، هنا المقصود بالنكارة أي الغربة، أي أنتم غرباء. هذه العبارة ذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن إبراهيم إنما قالها في نفسه، يعني مرحبًا وأهلًا بكم، وهو في نفسه يعرف أن هؤلاء غرباء. قيل لأنهم لم يكونوا من أهل البلد، زد على ذلك ليس عليهم أثر سفر، ومنهم من قال إنهم دخلوا مباشرة من البيت وجلسوا من غير استئذان، فاستغرب من أفعالهم وأنكرهم. فالشاهد أنه رحب بهم ودخلوا عليه، ومع ذلك قام بحق الضيافة، كما قال سبحانه: ﴿فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين﴾. هذه القصة وهذه الآيات الكريمة في فعل إبراهيم مع الضيفان جعلها العلماء أصل الضيافة. وقد استفاد العلماء الفوائد الكثيرة الأدبية والتربوية في معاملة الضيوف. وليست نحن في مقام المباحث الأدبية أو التربوية، ولكن حسبنا أن نشير إلى هذه الفائدة أن هذه القصة وهذه الآيات التي من فعل إبراهيم مع الضيفان احتوت على أهم وأعظم صفات استقبال الضيف. فشاهد أن من ذلك ﴿فراغ إلى أهله﴾ سارع وعجل، بعدما رحب ذهب إلى أهله فجاء بعجل سمين. طبعًا فوائد في العجل وفوائد في السمين، وهذا اللحم الذي أعده إبراهيم عليه السلام أعده مشويًا حنيذًا، أي على الفحم على الحجر، وهو ألذ ما يكون، قمة في الإكرام. ذبح ما لذ من اللحوم وعلى أحسن الطرق في طرق طهي اللحم، ثم بعد ذلك قربه، قرب اللحم هذا الناضج فقربه إليهم. طبعًا ما أكلوا. طيب هل تركهم؟ لا، بل حتى ما عليهم قال: ﴿ألا تأكلون﴾ تفضلوا يا أهلًا وسهلًا، ألا تأكلون؟ ألا تأكلون؟ فوجد أن التقريب ما كفى، أتى بالتحفيض والتحضيض: ﴿ألا تأكلون﴾. حينها ما أكلوا شيئًا، وهنا حق لإبراهيم ما جاء في وصف القرآن: ﴿فأوجس منهم خيفة﴾ خاف. فهذا ليس من طبيعة البشر، من جاءك يا ضيف وأنك دعوته أنه إما يأكل أو أنه يستعذر يكون صائمًا يكون قد أكل مرة أو أن هناك ما يمنعه، هم يعتذرون، لكن هؤلاء لم يأكلوا ولم يستعذروا، فهنا دخل الخوف إلى إبراهيم عليه السلام، وخاف منهم، وأن هؤلاء لربما أرادوا سوءًا به. فأوجس منهم خيفة، لكن هؤلاء عاجلوهم بالكلام قالوا: «لا تخف، لا خوف عليك، لسنا من هؤلاء الذي تظن بهم أنهم يؤذونك، لا تخف». وأخبروه بحقيقة أمرهم، وأنهم رسل، وأنهم أرسلوا إلى من أرسلوا إلى لوط. فقالوا: ﴿إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين﴾. كشفوا عن هويتهم: نحن ملائكة، والملائكة لا تأكل، لا تأكل مثل البشر، البشر ناقص يحتاج إلى الأكل، أما الملائكة عالم آخر في خلقته وفي طبيعته، وهم لا يأكلون. فما أكلوا فأبينوا أنهم ملائكة، وأنهم جاءوا لمهمة، وأن مهمتهم أصلا إلى لوط عليه السلام، لماذا؟ لأنهم أرسلوا بعذاب لقومه. سارة وهي زوجة إبراهيم عليه السلام كانت تستمع لهذا الحوار، ولما علمت بأن هؤلاء أرسلوا بالعذاب إلى قوم لوط فريحت، وحق لها أن تفرح؛ لأنها قد علمت ما كان من فعل قوم لوط من الأذى والإعراض والعناد، زيادة على الكفر، ما كانوا منهم من أفعال القبيحة. حتى جاء هذا الخبر، وأن الله قد توعدهم بالعذاب، حينها استبشرت سارة بأن هذا مآل الظالمين. ثم بعد ذلك، بعدما كشفوا عن هويتهم، بقي أمر: إذا كان ذهابكم أصلا إلى لوط، ما الذي أتى بكم؟ هنا أتوا بسر مرورهم على إبراهيم، قال: ﴿إن نبشرك بغلام عليم﴾. نبشرك بشارة من الله عز وجل أن الله أراد لك غلامًا، وهذا الغلام من هذه المرأة من سارة، لا من امرأة أخرى، بل هذه المرأة ستنجب منها غلامًا ذكرًا. طبعًا إبراهيم عليه السلام في هذا العمر الذي يقول عنه المفسرون قد تجاوز مئة سنة، يبشر بهذه البشارة، فقال: «أبشرتموني على أن مسني الكبر، فبما تبشرون؟» على ماذا تبشروني بهذا السن الذي تقطع به الآمال ويصل به الرجل إلى حد اليأس؟ قد مسني الكبر فوق المئة من العمر، بالكاد أنه يقوم بالأمور الأساسية من مأكل ومشرب وينام، فضلا عن أنه يأتي الزوجات والأهل وينجب العيال. فقال: «فبما تبشرون؟» كان مستغربًا. العجب الأكبر كان من قبل سارة، سارة سمعت بهذه البشارة، فماذا؟ فتعجلت بإظهار فرحها، فأقبلت كما قال سبحانه: ﴿فأقبلت امرأته في صرة فسكت وجهها وقالت عجوز عقيم﴾. يعني أقبلت، قال علماء: ليس المقصود بالإقبال أنه انتقال من محل إلى محل، لا، أقبلت معنى أخذت تدخل في الحوار، كما يقال: فأقبل فلان يشتمني، أقبل أي أخذ يشتمني. كما قال ذلك البغوي رحمه الله، أي لم تأت وإنما هي كانت موجودة حاضرة، فدخلت معهم في الحوار. فأقبلت امرأته وهي سارة، قال: «في صرة»، الصرة في لغة المفسرين وعند اللغة العربية بمعنى الصياح والصوت، أي أنها صاحت. طبعًا هذه الصيحة، طبعًا أقبلت، قال علماء: أي بفرح وسرور، استبشرت، تعلم أن هذا البشرى ليست أي بشارة، بل بشارة ملكية من رب العباد. لكن تمالكها العجب كزوجها، فسكت أي صاحت، والصيحة هذه قالوا: جاءت مفسرة في الآية الأخرى: ﴿قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز﴾. تعجبًا في صرة، فسكت وجهها، الصك قال علماء: هو الضرب، ضرب الشيء بشيء عريض، هذا الصك، فسك وجهه ضرب الشيء بشيء عريض، أي بوجهها لطمت نفسها، كما قال بعض الجماعة من المفسرين، وذلك من شدة استغرابها. وهذه أشياء تفعلها المرأة، أنها تولول بقولها أو تضرب كما يظهر في أفعالها إذا جوبهت بخبر غريب مستغرب. فكانت هذه طبيعة الأنثوية في سارة: ﴿فسكت وجهها وقالت عجوز عقيم﴾، أي كيف هذا؟ وهنا في هذه الآية أشارت إلى مانعين اثنين، المانع الواحد كافي بأن يثار الاستغراب. المانع الأول عجوز، بأنها عجوز كبيرة في السن، يعني قد لم يعد لم تعد البطن قابلة للاستيلاد، لا تقبل المرأة تصل لحد اليأس تنتهي. هذا الأمر الأول عجوز، والأمر الثاني وهو الأشد عقيم، سارة لم تنجب، قد مر معنى ما كانت في مصر وأهديت لها هاجر، هي التي أعطت هاجر لإبراهيم علّ وعسى أن ينجب منها؛ لأنها تعلم أنها عقيم. فذكرت في هذه الآية مانعين الذي من حقها ومن خلالها أتت بهذا الاستعجاب أنها عجوز والثاني أنها عقيم. والثالث جاء في الآية الأخرى: ﴿أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا﴾، وهذا المانع الثالث زوجي فوق المئة، ما الذي عسى أن يأتي منه؟ ثلاثة أشياء تجمعت في هذه الآية في مسألة تبشير إبراهيم عليه السلام بهذا الأمر. فردت عليها الملائكة قالت لسارة: ﴿أتعجبين من أمر الله﴾ سبحان الله، لا أحد إخواني في الله يستعظم أمرًا، فالكون كله بيد الله، صحيح هناك قوانين كونية وسنن إلهية، لكن الله عز وجل إذا أراد أن يغير غير، فالكون كونه والخلق عبيده، يفعل ما يشاء جل في علاه. قال: ﴿أتعجبين من أمر الله﴾ لا لا تعجبين، الله عز وجل إذا أراد شيئًا أن يقول له: «كن فيكون»، فحينها بشروها بهذا الأمر. طيب بعد هذا في قصة الضيفان ما الذي صار؟ قال سبحانه وتعالى: ﴿فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط﴾. الآن المجلس قد ارتسم الخوف الذي كان مع إبراهيم الوجل ذهب، علم أنهم ملائكة، إذن لا وحشة. والثاني جاءوه بالبشر العظيمة، جاءوه بالبشر العظيمة. طبعًا هذه البشر إسحاق، أما إسماعيل قد ولد له من هاجر. انتبهوا عندنا إسماعيل جاء من هاجر، وهذا قد مضت فترته، وقد تركه في مكة، ونزل قبل فترة قصة الماضية أنه أراد أن يذبحه، وكان في السن السعي ثاني عشر ثالث عشر. بعد هذا جاءت البشارة المتأخرة، أي ما بين إسحاق وإسماعيل ثوانٍ، فإبراهيم عليه السلام في آخر عمره بشر بإسحاق بأن يأتي من قبل سارة، من قبل سارة. هذه البشر، وجاءته البشر، إذن بعد ما ذهب الروع عن إبراهيم وجاءته البشر، يجادلنا الآن، بدأ إبراهيم يستعد. المجلس أنتم جئتم الآن أخبرتموني أنكم جئتم لعذاب قوم لوط، أخذ يجادل عليه السلام يجادل في قوم لوط، لماذا يعذبون؟ لماذا ما تتأنون؟ لماذا لا تؤخرون؟ أمهلوهم، أعطوهم فرصة. أخذ إبراهيم أخذ إبراهيم عليه السلام يجادل الملائكة في مسألة التعذيب لقوم لوط، أن لو أنه يؤخر أو يمهل لفترة من الزمن. فردوا عليه قالوا: «يا إبراهيم أعرض عن هذا، إنه قد جاء أمر ربك، أعرض، هذا أمر مفروغ منه يا إبراهيم، لا تناقش في هذه المسألة، أرسلنا أرسلنا والعذاب واقع لا محالة». ومع ذلك إبراهيم لا زال في محاولة، ثم قال: «إن فيها لوطًا ابن أخي، إن فيها لوطًا»، يعني كيف يعذبون؟ كيف تعذب هؤلاء وفيهم هذا النبي الصالح؟ قالوا: «نحن أعلم بمن فيها، هذا دعه علينا، دعه علينا، هذا ليس عليك، بإذن الله سيصيب العذاب للظلمة، وأما من كان خيرًا فإن الله سينجيه». ثم بعد ذلك انتهى اللقاء، فخرجوا، خرجوا، وصلوا. من باب الفائدة قال علماء: أنه لما خرجوا من باب بيت إبراهيم وصلوا مباشرة إلى قوم لوط، وصلوا إلى لوط عليه السلام مباشرة، ملك لهم قدرة ليست كقدرة البشر. فالشاهد أنهم انتقلوا مباشرة من بيت إبراهيم، خرجوا وصلوا إلى الأردن مباشرة. طبعًا دخلوا على لوط وجدوا لوط في مزرعة. هذا الكلام كله نرجئه، نؤخره؛ لأن هذا يتعلق ببحث خاص عن لوط عليه السلام في دعوته مع قومه، ما الذي صار؟ ما الذي كان؟ ما الحوادث والأحداث؟ كيف النهاية لقوم لوط؟ هذا يترك ببحث منفرد يأتي الحديث عنه بإذن الله جل في علاه. وإنما الذي يهمني هنا تتبع فقط لما وقع لإبراهيم، ومنها أمر الضيفان، وكان من وظائفهم الذهاب إلى قوم لوط، لماذا؟ لتعذيبهم، ولكنهم بشروه بماذا؟ بإسحاق. مما يذكر كذلك من إبراهيم عليه السلام أن إبراهيم بعد ذلك عزم على أن يعود إلى مكة. وهذه العودة إلى مكة ستكون رغم كم من كان متتبعًا لسفر إبراهيم، طبعًا كما قلنا إبراهيم سافر هنا وهنا وهنا، في مكة سيسافر الآن إليها، وهذه تعتبر السفرة الثالثة. السفرة الأولى عندما وضع هاجر وإسماعيل وكان رضيعًا وذهب عنهم، الثانية عندما بلغ إسماعيل السعي وأراد أن يذبحه وفديناه بذبح عظيم ثم ترك، ثم السفرة الثالثة وهي هذه السفرة. لماذا رجع إبراهيم إلى ابنه إسماعيل وقد كبر؟ كبر، دخل عليه وقال: «يا إسماعيل، إن الله يأمرني أن أبني بيته الكعبة». الكعبة هي المهمة التي لأجلها رجع إبراهيم عليه السلام لبنائها مع معونة ابنه إسماعيل. ونرجئ الحديث إخواني في الله حول مسألة بناء الكعبة وما تتبعها من أحداث في درس غد. نسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.