الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 787، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديث عبدالله بن الزبير مبيناً أن الغلس هو ظلام الليل مع بداية النهار بينما الإسفار هو ذهاب الظلام، وأن وقت الفريضة يمتد من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس. اتفق العلماء على جواز الصلاة في هذا المدى مع اختلاف في الأفضلية.
يبيّن المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الفجر بغلس بينما أخّرها عثمان إلى الإسفار، وذهب الجمهور إلى استحباب الغلس بينما رجح الحنفية الإسفار مستدلين بحديث «أسفروا بالفجر». يوضح الشيخ الفرق بين حمرة الفجر وإسفار النهار في هذا الخلاف.
يشرح المقطع توجيه ابن القيم لحديث الإسفار بأن المراد الإطالة في القراءة حتى يخرج الوقت بإسفار، ويجمع بينه وبين حديث أبي برزة بالخروج بغلس بأن النبي كان يطيل غالباً ويخرج بإسفار وأحياناً يخفف فيخرج بغلس. استدل بفعل الصحابة كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما على هذا التوسط.
يؤكد المقطع أن صلاة الفجر في الغلس هي الأفضل والأكمل اتباعاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، بينما صلاة الإسفار جائزة وردت في السنة مما يجعل الأمر واسعاً. تبقى الأفضلية للغلس مع جواز الإسفار لمن شاء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاهم. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو عبد الله بن ماجة: حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، عبد الرحمن هو ملقب بدحيم، حافظ من حفاظ أهل الشام. قال: حدثنا الوليد بن مسلم، أبو العباس الدمشقي، من حفاظ أهل دمشق. قال: حدثنا الأوزاعي، وهو أبو عمر الأوزاعي رحمه الله، وهو إمام أهل الشام، وهو سيباني، أقصد سيناني، لكن ثم قيل له أوزاعي لأنه سكن الشام في محلة الأوزاع، محلة الأوزاع، وقيل لها محلة الأوزاع لأنه اجتمع فيها من شتى القبائل. قال: حدثنا نبيح بن يريم، نبيح الأوزاعي أيضا من نفس المكان. قال: حدثنا مغيث بن سمي، وهذا الحديث يعتبر من أسانيد أهل دمشق. قال: صليت مع عبد الله بن الزبير الصبحة بغلس، فلما سلم أقبلت على ابن عمر فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: هذه صلاتنا كانت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر، فلما طعن عمر أسفر بها عثمان. قال: هذا حديث صحيح، ورجاله ثقات. وهذا الحديث في صلاة الفجر، أي في استحباب الوقت الذي تصلى فيه. معلوم أن صلاة الفجر وقتها الذي جاء في الأحاديث من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، إلى طلوع الشمس، وكله وقت صلاة، إلا عند طلوع الشمس فهو منهي عنه. كذلك بعد صلاة الفجر منهي عن التطوع، لكن أقصد الصلاة الفريضة، وقتها من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس، فتصلى في هذا الوقت، هذا باتفاق أهل العلم. لكن اختلفوا في أي وقت تكون صلاتها أفضل: هل بغلس أم بإسفار؟ والغلس هو ظلام الليل الذي يدخل فيه النهار، الغلس هو ظلام الليل دخل فيه شيء من النهار، بمعنى لا زال الليل موجوداً أو الظلام لا زال موجوداً. وأما الإسفار فهو ذهاب الظلام، إذا ذهب ظلام الليل فيقال أن الصبح أسفر، أسفر معنى أضاء، أصبح ليس فيه شيء من ظلام الليل. فلذا اختلف العلماء: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بغلس أو كان يصلي بإسفار، أو أن الأفضل بغلس أو بإسفار؟ والأحاديث المتكاثرة عن الصحابة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بغلس، أن أول الفجر كان يسرع في صلاة الفجر، يعني يصليها في أول وقتها، فكان إذا أذن بلال فالنبي عليه الصلاة والسلام يصلي ركعتين في بيته ثم يضطجع على شقه الأيمن، ثم يأتي بلال فيوقظه للصلاة، يعني يوقظه أي ينبهه أنه وقت صلاة، فيخرج النبي عليه الصلاة والسلام للصلاة، فهذا يدل على أنه كان في أول الوقت، في أول أو في بداية الوقت، في وقت الفضيلة، لأن الأوقات أوقات الصلاة لها أوقات فضيلة ولها أوقات اختيار، ولها أيضا أوقات في بعض الأوقات كراهة وبعضها تحريم، فالصلاة الفجر ليس فيها وقت تحريم ولا كراهة إلا ما كان عند طلوع الشمس، لكن الفريضة لا تدخل في هذا، فتصلى الفريضة في أي وقت من هذا الوقت. فعندنا صلاة الفجر فيها وقت فضيلة ووقت اختيار، فيها وقت فضيلة ووقت اختيار، فوقت الفضيلة هو أول الوقت، ووقت الاختيار بقية الوقت. فلذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها في أول وقتها بغلس، حتى لا يكاد الرجل يعرف جليسه. فعندنا هذا بعدما ينصرف لا يكاد الرجل يعرف جليسه. فلذا كما قلنا أن الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر أنه كان يصليها بغلس، أي لا زال الظلام موجود، لا زال ظلام الليل، لكن قد دخل الفجر، قد دخل الفجر. أنا الآن بعض المساجد في بعض الأوقات أو في بعض الأزمان كانوا يصلون وترى الليل لا زال موجوداً لم يختلط بالفجر بعد، وهذا من الخطأ، خاصة إنهم اعتمدوا على تقاويم غير صحيحة. فلذا كما قلنا السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام في أكثر الحديث أنه بغلس، ومنها هذا الحديث، منها هذا الحديث، فإن مغيث بن سمي لما صلى مع عبد الله بن الزبير صلى بغلس، فلما سلم كأن أنكر ذلك لأنه كان يصل، لعله قد صلى مع عثمان أو كانوا يصلون في الشام فيسفرون، فأنكر ذلك فقال لابن عمر: ما هذه الصلاة؟ قال: هذه صلاتنا كانت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبي بكر وعمر، فلما طعن عمر أسفر بها عثمان. لما طعن معنا، لما مات، مات بطعن ذلك الخبيث أبي لؤلؤة المجوسي، فلما مات عمر واستخلف عثمان أسفر بها، وعثمان رضي الله عنه لعله رأى أن الإسفار أفضل. وهناك حديث استدل به من يقول بأن الإسفار أفضل، حديث خرجه أهل السنن، وفيها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر، أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر». فهذا أقوى حديث أو أقوى دليل استدل به أهل الإسفار الذين قالوا بأنه يسفر، وهم الحنفية. أنا من ناحية أهل المذاهب الجمهور على استحباب الغلس: الشافعي وأحمد ومالك وغيرهم من السلف، وأبو حنيفة وأهل الكوفة يستحبون الإسفار، أن يسفر بالفجر، يعني يصليه وقد صار الضوء، أنا قد انتشر ضوء النهار، وليس المراد أن ينتشر الفجر، معنى حمرة الفجر لا، حمرة الفجر ليست هي إسفار، وإنما الإسفار هو ضوء النهار، ضوء النهار إذا جاء فهذا يسمى إسفار. النبي عليه الصلاة والسلام لما كان في مزدلفة بحجة الوداع صلى صلاة الفجر في أول وقتها، حتى كان بعض الصحابة يظن أن الوقت لم يدخل بعد، أول ما بزغ الفجر صلى الفجر، ثم وقف عند المشعر الحرام، أن كان مكان جبل صغيراً يسمى المشعر الحرام، وكل مزدلفة تسمى المشعر الحرام، والآن بني في ذلك المكان المسجد، فالنبي عليه الصلاة والسلام وقف عنده حتى أسفر الفجر، حتى أسفر الفجر، فخرج إلى منى ورمى جمرة العقبة. فلذا فالإسفار هو إسفار الوقت، معنى الوقت يكون إسفار، معنى الضوء ينتشر، ضوء النهار. فقال في الحديث: «أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر»، يعني كيف الجمع؟ كيف رد الذين يقولون بالغلس لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بغلس؟ هذا لا شك فيه فقد جاء عن جمع من الصحابة، لكن كيف يوجه هذا الحديث؟ فأحسن ما وجه به هذا الحديث ما ذكره الإمام ابن القيم رحمة الله عليه: أن المراد بالإسفار هنا: أسفروا بالفجر، أي أسفروا بصلاة الفجر، أخرجوها بالإسفار، أخرجوا صلاة الفجر بالإسفار، ولأن صلاة الفجر يكون فيها القراءة طويلة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها طوال المفصل، ويقرأ من ستين إلى مئة آية كما جاء في حديث أبي برزة في الصحيحين، فكان يقرأ بها طويلاً، وأيضا قد قال الله عز وجل: ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾، سماها قرآناً لما يقرأ فيها من كثرة القرآن، فلذا لما كان كذلك فإن الإمام يدخل بغلس ويخرج بإسفار، أسفروا بها أي قولوا فيها حتى يخرج بالفجر أو يخرج بالإسفار، فهذا فهمه الإمام ابن القيم. لكن يشكل عليه حديث أبي برزة الذي في الصحيحين أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينصرف ولا يكاد أحدنا يعرف جليسه، ولا يكاد أحدنا يعرف جليسه، أي الذي عنده، فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً يخرج بغلس. ويجاب أيضاً على هذا أن يقال: أن النبي عليه الصلاة والسلام أحياناً يطيل وهو الأغلب، وأحيانا يوسط فيقرأ بأوساط المفصل، مثلكما جاء في حديث عمرو بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾، قرأ إذا الشمس كورت في صلاة الفجر، وأيضا كذلك قد يقصر جداً إما لسبب عارض كما جاء في بكاء الطفل، أو لأجل أن يخفف أحياناً، فقرأ سورة الزلزلة في الركعتين، سورة الزلزلة قرأها في الركعتين، والظاهر أنه لأجل التخفيف أحياناً. فصلاة الفجر السنة والغالب فيها التطويل، لكن أحياناً ممكن يتوسط، وأحيانا أيضاً يخفف، فلعل لأجل هذا النبي عليه الصلاة والسلام أحياناً يطيل فيخرج بإسفار، وأحيانا يتوسط فيخرج بغلس، يخرج بغلس. ولهذا الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون بغلس ويخرجون بإسفار كما كان يفعل عمر، بل والصديق قبله أيضاً، حتى أن أبا بكر رضي الله عنه مرة صلى بسورة البقرة في صلاة الفجر حتى قالوا له، قال عمر لأبي بكر: يا أبا بكر تكاد الشمس تطلع، قال: لو طلعت لما وجدتنا غافلين، لو طلعت لما وجدتنا غافلين، معنى ليس المراد حتى لو طلعت فالصلاة صحيحة، إذا أدرك الإنسان ركعة من الوقت قبل أن يخرج فقد أدرك الوقت، أدرك وقت الصلاة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فلذا فما دام أنه صلى الركعة الأولى في الوقت حتى ولو خرج عليه الوقت في الركعة الثانية فإنه يكون تبعاً، فلذا قال أبو بكر: لو طلعت لما وجدتنا غافلين. وجاء كذلك عن عمر مثله، فلذا كانوا يصلون بغلس ويخرجون بإسفار غالباً، فلذا فسر هذا الحديث بهذا، وفسر أيضاً كذلك بأنه يراد بالإسفار هنا الوضوح، النهار، وضوح الفجر وليس وضوح النهار، وضوح الفجر وليس وضوح النهار. والمهم خلاصة القول أن الأمر كله جائز، إن أراد أن يصلي في غلس فهو الأفضل على الصحيح، وإن أراد أن يصلي بإسفار فهو أيضاً قد جاء في السنة، فلذا فالأمر واسع، لكن الأفضل أن يصلي بغلس في أول وقتها كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.